الديوان › قوافي القصائد › اللام › [٢٥٥]

كَدَعْواكِ كُلٌّ يَدَّعِي صِحَّةَ العَقْلِ◆ومَن ذَا الَّذِي يَدْرِي بِمَا فِيهِ مِن جَهْلِ؟

الطويل، القافية: جهل، مدح، ٤٠ بيتًا، ص٥٠٧–٥١٠

المناسبة: ونجَمَ خَارجيٌّ في بني كِلابٍ بظهرِ الكوفَةِ، وذَكَرَ لهم أنَّ خَلقا مِن أهلِها قد أجَابُوه وحَلَفوا له، فسَارَت إليها بنو كِلاب معه؛ ليَأخذَها، ورُفِعت الرَّاياتُ، وخَرَجَ أبو الطَّيِّبِ على الصَّوت مِن ناحية (قَطَوَان)، فَلَقِيَته قِطْعَةٌ مِن الخَيل في الظُّهْرِ، فقاتَلَها سَاعةً مِن نهارِه، فانْكَشَفَت وقد جَرَحَ فيها وقَتَلَ مِنها. وسَارَ في الظُّهر حتى دَخَلَ إلى جَمْع السُّلطان والرَّعِيَّة مِن (دَرْبِ البَرَاجِم). ووَقَعَت المُرَاسَلةُ سَائِرَ اليوم، وعَادوا مِن غدٍ فاقتَتَلُوا إلى آخر النَّهار، فلم يَصْنَع الخَارجِيُّ شيئا، ورَجَعَ وقد اختَلَفَت فيه بنو كِلاب، وتَبَرَّأ بعضُها مِنه، وعادَ بعد أربعةِ أيَّامٍ فالْتَقَوا في الظُّهر، فوقَعَت في السُّلطان والعامَّة جِرَاحٌ، وقُتِلَ مِن بني كِلاب وَجُرِح أناسٌ، وطُعِنَ فَرَسٌ تَحتَ غُلامٍ لأبي الطَّيِّب في لَبَّتِهِ فمَاتَ لوَقْته، فحَمَلَه الشَّريفُ؛ أبو الحَسَنِ؛ محمَّدُ بن عُمرَ على فرَسٍ، وجَرَحَ غُلامٌ له فَرَسَينِ وقَتَلَ رجلًا.وعَادوا مِن غدٍ فالتَقَى النَّاسُ عندَ (دَار أَسْلَمَ)، وبينَهُم حَائطٌ فقُتِلَ مِن بني كِلاب بالنُّشَّابِ جَمَاعةٌ، فانصَرفوا ولم يَقِفوا لقِتَالٍ. ووَرَدَت الأخبَارُ إلى بغْدَاذَ، فسَارَ أبو الفَوَارِس؛ دَِلَّيْرُ بن لَشْكَرْوَزَّ في جماعةٍ مِن القُّوَّادِ، فوَرَدَ الكوفةَ بعدَ رَحيل بني كِلاب عنها، فأنفَذَ إلى أبي الطَّيِّب ساعةَ نَزَلَ ثيابا نفيسةً مِن ديباجٍ روميٍّ وخزٍّ ودَبِيقِيٍّ، فقال يمدحُه، وأنشَدَه إيَّاها في المَيدان وهُمَا على فَرَسَيهمَا، وكانَ تحتَ دَلَّيرَ فَرَسٌ أصفَرُ جوادٌ كريمٌ بِمَرْكَبٍ ثَقيلٍ، فقادَه إليه، وذلكَ في ذي الحجَّة، مِن سنةِ ثلاثٍ وخَمسينَ وثلاثِ مئةٍ، في أوَّلِ الطويلِ، والقافيةُ متواترٌ:
اقرأها في الموقع مع الشروح وأدوات الحفظ
  1. ١كَدَعْواكِ كُلٌّ يَدَّعِي صِحَّةَ العَقْلِومَن ذَا الَّذِي يَدْرِي بِمَا فِيهِ مِن جَهْلِ؟
  2. ٢لِهَنَّكِ أَولَى لَائِمٍ بِمَلَامِةٍوأَحْوجُ مِمَّنْ تَعْذُلِينَ إِلَى العَذْلِ
  3. ٣تَقُولِينَ مَا فِي النَّاسِ مِثْلَكَ عَاشِقٌجِدِي مِثْلَ مَن أَحْبَبْتُهُ تَجِدِي مِثْلِي
  4. ٤مُحِبٌّ كَنَى بِالبِيضِ عَن مُرْهَفَاتِهِوبِالحُسْنِ فِي أَجْسَامِهِنَّ عَن الصَّقْلِ
  5. ٥وبِالسُّمْرِ عَن سُمْرِ القَنَا غَيرَ أَنَّنِيجَنَاهَا أَحِبَّائِي وأَطْرَافُهَا رُسْلِي
  6. ٦عَدِمْتُ فُؤَادًا لَمْ تَبِتْ فِيهِ فَضْلَةٌلِغَيرِ الثَّنَايَا الغُرِّ والحَدَقِ النُّجْلِ
  7. ٧فَمَا حَرَمَتْ حَسْنَاءُ بِالهَجْرِ غِبْطَةًولَا بَلَّغَتْهَا مَن شَكَا الهَجْرَ بِالوصْلِ
  8. ٨ذَرِينِي أَنَلْ مَا لَا يُنَالُ مِنَ العُلَافَصَعْبُ العُلَا فِي الصَّعْبِ والسَّهْلُ فِي السَّهْلِ
  9. ٩تُرِيدِينَ لُقْيَانَ المَعَالِي رَخِيصَةًولَا بُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِن إِبَرِ النَّحْلِ
  10. ١٠حَذِرْتِ عَلَينَا المَوتَ والخَيلُ تَدَّعِيولَمْ تَعْلَمِي عَن أَيِّ عَاقِبَةٍ تُجْلِي
  11. ١١ولَسْتُ غَبِينًا لَو شَرَيْتُ مَنِيَّتِيبِإِكْرَامِ دَلَّيرِ بن لَشْكَرَوَّزَ لِي
  12. ١٢تَمُرُّ الأنَابِيبُ الخَواطِرُ بَينَنَاوتَذْكُرُ إِقْبَالَ الأَمِيرِ فَتَحْلَولِي
  13. ١٣ولَو كُنْتُ أَدْرِي أَنَّهَا سَبَبٌ لَهُلَزَادَ سُرُورِي بِالزِّيَادَةِ فِي القَتْلِ
  14. ١٤فَلَا عَدِمَتْ أَرْضُ العِرَاقَينِ فِتْنَةًدَعَتْكَ إِلَيهَا كَاشِفَ الخَوفِ والمَحْلِ
  15. ١٥ظَلِلْنَا إِذَا أَنْبَى الحَدِيدُ نُصُولَنَانُجَرِّدُ ذِكْرًا مِنكَ أَمْضَى مِنَ النَّصْلِ
  16. ١٦ونَرْمِي نَواصِيهَا مِن اسْمِكَ فِي الوغَىبِأَنْفَذَ مِن نُشَّابِنَا ومِنَ النَّبْلِ
  17. ١٧فإِنْ تَكُ مِن بَعْدِ القِتَالِ أتَيتَنَافَقَدْ هَزَمَ الأَعْدَاءَ ذِكْرُكَ مِن قَبْلِ
  18. ١٨ومَا زِلْتُ أَطْوِي القَلْبَ قَبْلَ اجْتِمَاعِنَاعَلَى حَاجَةٍ بَينَ السَّنَابِكِ والسُّبْلِ
  19. ١٩ولَو لَمْ تَسِرْ سِرْنَا إِلَيكَ بِأَنْفُسٍغَرَائِبَ يُؤْثِرْنَ الجِيَادَ عَلَى الأَهْلِ
  20. ٢٠وخَيلٍ إِذَا مَرَّتْ بِوحْشٍ ورَوضَةٍأَبَتْ رَعْيَهَا إِلَّا ومِرْجَلُنَا يَغْلِي
  21. ٢١ولَكِنْ رَأَيتُ القَصْدَ فِي الفَضْلِ شِرْكَةًفكَانَ لَكَ الفَضْلَانِ بِالقَصْدِ والفَضْلِ
  22. ٢٢ولَيسَ الَّذِي يَتَّبَّعُ الوَبْلَ رَائِدًاكَمَن جَاءَهُ فِي دَارِهِ رَائِدُ الوَبْلِ
  23. ٢٣ومَا أَنَا مِمَّنْ يَدَّعِي الشَّوقَ قَلْبُهُويَحْتَجُّ فِي تَرْكِ الزِّيَارَةِ بِالشُّغْلِ
  24. ٢٤أَرَادَتْ كِلَابٌ أَنْ تَقُومَ بِدَولَةٍلِمَن تَرَكَتْ رَعْيَ الشُّويهَاتِ والإِبْلِ؟
  25. ٢٥أَبَى رَبُّهَا أَنْ يَتْرُكَ الوحْشَ وحْدَهَاوأَنْ يُؤْمِنَ الضَّبَّ الخَبِيثَ مِنَ الأَكْلِ
  26. ٢٦وقَادَ لَهَا دَلَّيرُ كُلَّ طِمِرَّةٍتُنِيفُ بِخَدَّيهَا سَحُوقٌ مِنَ النَّخْلِ
  27. ٢٧وكُلُّ جَوادٍ تَلْطِمُ الأَرْضَ كَفُّهُبِأَغْنَى عَن النَّعْلِ الحَدِيدِ مِنَ النَّعْلِ
  28. ٢٨فَولَّتْ تُرِيغُ الغَيثَ والغَيثَ خَلَّفَتْوتَطْلُبُ مَا قَدْ كَانَ فِي اليَدِ بِالرِّجْلِ
  29. ٢٩تُحَاذِرُ هَزْلَ المَالِ وهيَ ذَلِيلَةٌوأَشْهَدُ أَنَّ الذُّلَّ شَرٌّ مِنَ الهَُزْلِ
  30. ٣٠وأَهْدَتْ إِلَينَا غَيرَ قَاصِدَةٍ بِهِكَرِيمَ السَّجَايَا يَسْبِقُ القَولَ بِالفِعْلِ
  31. ٣١تَتَبَّعَ آثَارَ الرَّزَايَا بِجُودِهِتَتَبُّعَ آثَارِ الأَسِنَّةِ بِالفُتْلِ
  32. ٣٢شَفَى كُلَّ شَاكٍ سَيفُهُ وَنَوَالُهمِنَ الدَّاءِ حَتَّى الثَّاكِلَاتِ مِنَ الثُّكْلِ
  33. ٣٣عَفِيفٌ تَرُوقُ الشَّمْسَ صُورَةُ وجْهِهِولَو نَزَلَتْ شَوقًا لَحَادَ إِلَى الظِّلِّ
  34. ٣٤شُجَاعٌ كَأَنَّ الحَرْبَ عَاشِقَةٌ لَهُإِذَا زَارَهَا فَدَّتْهُ بِالخَيلِ والرَّجْلِ
  35. ٣٥ورَيَّانُ لَا تَصْدَى إِلَى الخَمْرِ نَفْسُهُوعَطْشَانُ لَا تَرْوى يَدَاهُ مِنَ البَذْلِ
  36. ٣٦فَتَمْلِيكُ دَلَّيرٍ وتَعْظِيمُ قَدْرِهِشَهِيدٌ بِوحْدَانِيَّةِ اللَّهِ والعَدْلِ
  37. ٣٧ومَا دَامَ دَلَّيرٌ يَهُزُّ حُسَامَهُفَلَا نَابَ فِي الدُّنْيَا لِلَيثٍ ولَا شِبْلِ
  38. ٣٨ومَا دَامَ دَلَّيرٌ يُقَلِّبُ كَفَّهُفَلَا خُلْقَ مِن دَعْوى المَكَارِمِ فِي حِلِّ
  39. ٣٩فَتًى لَا يُرَجِّي أَنْ تَتِمَّ طَهَارَةٌلِمَن لَمْ يُطَهِّرْ رَاحَتَيهِ مِنَ البُخْلِ
  40. ٤٠فَلَا قَطَعَ الرَّحْمَنُ أَصْلًا أَتَى بِهِفَإِنِّي رَأَيتُ الطَّيِّبَ الطَّيِّبَ الأَصْلِ

تعليق أبي الطيب على أبياتها

البيت ٩: قالَ أبو الطَّيِّبِ: لَقِيتُهُ لُقْيَانًا، والكَسْرُ أعرَفُ عِند أهلِ العِلْمِ، ولِقْيَانةً ولِقًى ولِقَاءً ولِقَاءَةً ولَقْيًا ولَقْيَةً ولِقِيًّا ولُقِيًّا ولَقًى. وأنشدَ الفرَّاءُ: (فإِنَّ لُقَاها فِي المَنامِ وَغَيْرِهِ... وإِنْ لَمْ تَجُدْ بالبَذْل عِنْدِي لرابِحُ). قالَ: وأنشدَني أبو الحَسَنِ العُمَيريُّ؛ مِن عَديِّ بن جَنَابِ بن هُبَل بن كلب بن وَبَرَةَ، بالباديةِ، وكانَ فصيحًا مِن دُعاةِ أبي القاسمِ، ؛ صاحبِ النَّاقةِ، الخارجيِّ، بالشَّامِ أيَّامَ المُكتَفي، قالَ: سمِعتُ أبا القاسمِ وقد قاتَلَ جيوشَ المِصريينَ بالسَّطْحِ؛ وهو موضعٌ بينَ الكُسْوَةِ وغُبَاغِبَ، يقولُ: (أُحِبُ لُقْيَانَ عَدُوِّ ربِّي... والموتُ فيه رَاحَةُ المُحِبِّ) بِضَمِّ اللَّامِ. وفي السَّطْحِ يقولُ الشَّاعِرُ: (شَفَى بَعْضَ مَا في القلبِ مِن ألَمِ القَرْحِ... دِمَاءُ أُرِيقَت بِالأَفَاعِي وبالسَّطْحِ).

البيت ١٧: قالَ أبو الطَّيِّبِ: يجوزُ كَسْرُ اللَّام مِن (قَبْلُ) بلا تنوينٍ؛ أي: مِن قبلِ ذلك، أو مِن قبلِ الإتيانِ، كما أنشدَ هِشامٌ: (وَمِنْ قَبْلِ نَادَى كُلُّ مَوْلًى قَرَابَةً... فَمَا عَطَفَتْ مَوْلًى عَلَيْنا الْعَوَاطِفُ)؛ فكَسَرَ اللَّامَ؛ أرادَ: قبلَ ذلكَ. ويجوزُ التَّنوينُ على إظهارِ الغَايةِ. ويجوزُ: أمَّا بعدُ، فهذا المعروفُ، وأمَّا بعدًا؛ على معنى الانقطاعِ عن الإضافةِ. وأنشدَ الفرَّاءُ: (فَسَاغَ ليَ الشَّرابُ وكنتُ قَبْلًا... أَكادُ أَغَصُّ بالمَاءِ القَراحِ). ويجوزُ في العربيَّةِ: أمَّا بَعدٌ بالتنوينِ، وهي شاذَّةٌ، والنصبُ بالتنوينِ أكثرُ منها. وأنشد الفرَّاءُ: (مَا مِن أُناسٍ بينَ مِصْرَ وعَالِجٍ... فأَبْيَنَ إلَّا قد تَرَكنا لهم وِتْرا) (ونحنُ قتلنا الأَزْدَ أَزْدَ شَنوءةٍ... فما شَرِبوا بَعْدٌ على لَذَّةِ خَمْرا). وأجازَ أهلُ العربيَّةِ إنشادَ هذا البيتِ: (إِذَا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ... لِقَاؤُكَ إِلَّا مِنْ وَرَاءُِ وراءُِ)؛ وراءُ وراءُ، ووراءِ وراءِ.