سيرة أبي الطيب
١٦٨ خبرًا من أخباره كما جُمعت من مصادرها الأولى (ابن العديم، والوحيد، والأصفهاني، والمتطبّب، والتنوخي، والمعري، وابن جنّي، وغيرهم) على ٤٤ موضوعًا، رُتّبت في سبع مراحل؛ تسبقها خلاصةٌ زمنية لحياته، ثم القصائد التي صرّح خبرُها بسنتها مرتّبةً على السنين.
خلاصةٌ من إعداد الموقع، مربوطةٌ بمحطات الخريطة، ولونُ كلّ محطةٍ لونُ مرحلتها في «رحلة أبي الطيب».

المرحلة الأولىخمسةُ دراهممن الكوفة إلى بغداد · ٣ محطات - ٣٠٣هـالمولد
الكوفة
المولد في محلّة كندة
وُلد سنة ٣٠٣هـ في محلّة كندة بالكوفة، وأرضعته امرأةٌ علويّة، واختلف إلى كُتّابٍ فيه أولادُ أشراف الكوفة يتعلّم دروسَ العلويّة شعرًا ولغةً وإعرابًا، وقال الشعرَ صبيًّا.
- في صباه
البادية
صحبةُ الأعراب
قال لعليّ بن عيسى الربعيّ: «مولدي بالكوفة… ونشأتُ بالبادية، وكنتُ أحبُّ البطالةَ والجولانَ وصحبةَ ذوي الغارات والحروب». ولم تُسمِّ الرواياتُ باديةً بعينها لصباه، فموضعُها على الخريطة تقريبيّ.
- في صباه
بغداد
أوّلُ عهده ببغداد
قال لابن أبي الجوع الورّاق: «ولدتُ بالكوفة… ونشأتُ بها، ودخلتُ مدينةَ السلام، ودُرتُ الشامَ كلَّه سهلَه وجبلَه». وحدّث أنه ورد بغدادَ في صباه من الكوفة وفي طرف منديله خمسةُ دراهم.

المرحلة الثانيةالوشايةُ والسجنمن اللاذقية إلى الرملة · ٤ محطات - ٣٢٠–٣٢١هـ١٧–١٨ سنة
الشام: اللاذقية
رحيلُه إلى الشام
خرج من الكوفة سنة ٣٢٠هـ في رواية، وكان طلوعُه إلى الشام سنة ٣٢١هـ في رواية رواة ديوانه، «والدليل على صحّة هذا أنّ مدائحه في صباه إنما هي في أهل الشام». وباللاذقية نزل في بيوت العرب.
على الخريطةقصيدةٌ واحدة
- بعد ٣٢١هـ
حمص
الوشايةُ والحبس
في صباه وشى به قومٌ إلى السلطان، وكذبوا عليه بأنّ قومًا من العرب انقادوا إليه وأنه عازمٌ على أخذ البلد، فاعتقله وضيّق عليه؛ فمدحه من محبسه بقصيدةٍ أنفذها إليه ولم يُنشده إيّاها: «أيا خدّدَ اللهُ وردَ الخدود». ويسمّي المؤرّخون حابسَه لؤلؤًا أميرَ حمص.
على الخريطةقصيدتان
- نحو ٣٢٨–٣٣٠هـنحو ٢٥–٢٧ سنة
طبرية
بدر بن عمّار
اتّصل ببدر بن عمّار والي طبريّة فمدحه، وكان معه يوم وثب أسدٌ على كفَل فرسه فأعجله عن سيفه فضربه بسوطه، فقال فيه: «أمعفّرَ الليثِ الهزبرِ بسوطه». ثم وشى به الأعورُ ابنُ كروّس إلى بدر، فاعتذر إليه بقصيدته «الحبُّ ما منع الكلامَ الألسنا»، ثم فارقه.
على الخريطة٤ قصائد
- نحو ٣٣٠–٣٣٦هـنحو ٢٧–٣٣ سنة
الرملة
بين الرملة ودمشق
تنقّل في الشام بعد فراق بدر «يمدح الناس بعشرة دراهم فما دونها». ثم سار من الرملة يريد أنطاكية سنة ٣٣٦هـ، فعاقه ابنُ كيغلغ بطرابلس يطلب مدحه، فهجاه، ولمّا ذاب الثلجُ عن لبنان خرج كأنه يسير فرسَه، فأعجزهم إلى دمشق.
على الخريطةقصيدةٌ واحدة

المرحلة الثالثةيُنشِدُ جالسًامن أنطاكية إلى الحدث · ٥ محطات - ٣٣٦–٣٣٧هـ٣٣–٣٤ سنة
أنطاكية
أبو العشائر
اتّصل بأبي العشائر الحسين بن علي بن حمدان، والي أنطاكية من قِبَل سيف الدولة، فأكرمه وعرف منزلته، ولمّا قدم سيفُ الدولة أنطاكية قدّمه إليه وأثنى عليه، فاشترط أبو الطيب أن يُنشده جالسًا، وألّا يُكلَّف تقبيلَ الأرض بين يديه، فأجابه إلى ذلك.
على الخريطة٩ قصائد
- ٣٣٧–٣٤٦هـ٣٤–٤٣ سنة
حلب
بلاط سيف الدولة
تسع سنين هي أزهى أيامه: مدح سيف الدولة وشهد معه غزواته في الثغور، وقال فيه السيفيّات، ثم أفسد الحسّاد ما بينهما فغادر حلب سنة ٣٤٦هـ.
على الخريطة٧ قصائد
- ٣٣٨–٣٤٥هـ٣٥–٤٢ سنة
ميافارقين وآمد
ديار بكر
خرج مع سيف الدولة من حلب إلى ميّافارقين، فكان معه بها في شوّال ٣٣٨هـ حين أمر جيشه أن يركبوا في السلاح، ثم عاد إلى حلب؛ ودخل معه آمدَ بعد ذلك في صفر ٣٤٥هـ.
على الخريطة٦ قصائد
- ٣٣٩–٣٤٥هـ٣٦–٤٢ سنة
مرعش وسمندو وملطية
غزوات الثغور
ومن حلب خرج مع سيف الدولة في غزواته إلى الثغور، يعود إليها بعد كلّ غزاة: غزاة سمندو وعبور نهر آلس (٣٣٩هـ)، وخرشنة (٣٤٠هـ)، وبناء مرعش (٣٤١هـ)، ووصف تلك الوقائع في شعره.
على الخريطة٥ قصائد
- ٣٤٣هـ٤٠ سنة
الحدث
يوم الحدث
ثم خرج معه من حلب إلى الحدث الحمراء، فنزلها سيفُ الدولة لبنائها في جمادى الآخرة ٣٤٣هـ، وكان أهلُها قد أسلموها إلى الدمستق سنة ٣٣٧هـ، فنازله الدمستقُ في نحو خمسين ألفًا فهزمه، وأقام حتى بناها، فقال أبو الطيّب ميميّته: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم».
على الخريطةقصيدتان

المرحلة الرابعةالوعدمن دمشق إلى الفسطاط · ٣ محطات - ٣٤٦هـ٤٣ سنة
دمشق
مغادرة حلب
بعد الجفوة مع سيف الدولة خرج إلى دمشق، ونبت به، فسار إلى الرملة ثم إلى مصر.
على الخريطةقصيدتان
- ٣٤٦هـ٤٣ سنة
الرملة
الحسن بن عبيد الله بن طغج
حمل إليه أميرها الحسن بن طغج الهدايا وسأله المدح فاعتذر بأبياته: «ترك مدحيك كالهجاء لنفسي».
على الخريطةقصيدةٌ واحدة
- ٣٤٦–٣٥٠هـ٤٣–٤٧ سنة
الفسطاط (مصر)
كافور
بلغ الفسطاط فلقي كافورًا بأوّل مدحه في جمادى الآخرة ٣٤٦هـ، وأقام عنده يمدحه ويمدح فاتكًا، ثم يئس من وعده، فخرج هاربًا ليلةَ عيد النحر سنة ٣٥٠هـ، وهجاه.
على الخريطة١٢ قصيدة

المرحلة الخامسةليلةُ الهروبمن بادية سيناء إلى بغداد · ٤ محطات - ذو الحجة ٣٥٠هـ٤٧ سنة
بادية سيناء (نخل)
ليلة النحر: الهرب من مصر
قال يومَ عرفة سنة ٣٥٠هـ: «عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ»، ثم هرب من الفسطاط متخفّيًا ليلةَ عيد النحر (مساء الأحد ٩ ذي الحجة على تتبّع المانع)، على بلبيس وعجرود، وقطع بادية سيناء شرقًا: نخل فالثمد فرأس النقب، إلى حسمى في شمال الحجاز. وطريق الهروب كلّه مرسومٌ على الخريطة بإحداثياته من كتاب المانع.
- محرم – ربيع الأول ٣٥١هـ٤٧–٤٨ سنة
عقدة الجوف (دومة الجندل)
عبور البادية إلى الكوفة
من تربان وحسمى على الكفاف وكبد الوهاد والبويرة ووادي الغضا، ثم جاب بسيطة إلى عقدة الجوف (دومة الجندل) فشرب من ماء الجراوي، ولاح له صُوَر والشغور، ثم الجميعي والأضارع والدنا وأعكش، حتى ورد الرهيمة فالكوفة؛ ووصف الطريق منزلًا منزلًا في قصيدته: «ألا كلُّ ماشية الخيزلى».
على الخريطةقصيدةٌ واحدة
- ٣٥١–٣٥٤هـ٤٨–٥١ سنة
الكوفة
العودة إلى الوطن
بلغ الكوفة فأقام بها، يخرج منها إلى بغداد ويعود. وورد العراقَ نعيُ أختِ سيف الدولة الكبرى، وقد توفيت بميّافارقين في جمادى الآخرة ٣٥٢هـ، فرثاها في شعبان، وأملى رثاءها في ربيع الأول ٣٥٣هـ؛ وهجا ضبّةَ بن يزيد العتبيّ (جمادى الآخرة ٣٥٣هـ)، وخرج يقاتل خارجيًّا من بني كلاب نزل بظاهرها، ومدح دلّيرَ بن لشكروز حين وردها بعده (ذو الحجّة ٣٥٣هـ)، حتى خرج من العراق قاصدًا ابنَ العميد سنة ٣٥٤هـ.
على الخريطة٥ قصائد
- بين ٣٥١ و٣٥٤هـ٤٨–٥١ سنة
بغداد
مجالس بغداد
نزل ربضَ حُميد، وجالس أهلَ الأدب وقُرئ عليه ديوانُه، وأعدّ له الوزيرُ المهلّبيّ عشرةَ آلاف درهم وثيابًا وفرسًا ليعطيه إياها إذا مدحه، فسلّم عليه ولم يمدحه، وقال: «لم تجرِ عادتي بمدح مَن لم يتقدّم له إليّ جميل»، ففرّق الوزيرُ ما أعدّه على الشعراء وأغراهم به. وقال لمضيفه ببغداد: «لو كنتُ مادحًا تاجرًا لمدحتُك». ثم خرج منها إلى الكوفة، فأنشد بها في شعبان ٣٥٢هـ قصيدته التي يذكر فيها مسيره من مصر ويرثي فاتكًا.
على الخريطةقصيدتان

المرحلة السادسةالغريبمن أرَّجان إلى دير العاقول · ٣ محطات - ٣٥٤هـ٥١ سنة
أرَّجان
ابن العميد
خرج من العراق سنة ٣٥٤هـ يؤمّ أبا الفضل ابنَ العميد، فورد عليه بأرّجان في ربيع الأول، فمدحه، ثم ودّعه، وقد وجّه عضدُ الدولة في طلبه، فحمله ابنُ العميد إليه مكرَّمًا.
على الخريطة٤ قصائد
- ٣٥٤هـ٥١ سنة
شيراز
عضد الدولة
لقي عضدَ الدولة بشيراز سنة ٣٥٤هـ، ومدحه وذكر في طريقه إليه شِعبَ بوّان، وصحبه في صيده بدشت الأرزن، ثم ودّعه في شعبان راجعًا إلى أهله بالعراق.
على الخريطةقصيدتان
- رمضان ٣٥٤هـ٥١ سنة
دير العاقول
مقتله
خرج من دير العاقول في طريقه إلى بغداد، فخرج عليه أعرابٌ بالصافية على شطّ دجلة، فقاتلهم فقُتل هو وابنُه محسّد وبعضُ غلمانه، وقاتلُه فاتكُ بن أبي جهل الأسديّ. وكان ذلك يومَ الاثنين لثمانٍ بقين من رمضان سنة ٣٥٤هـ عند المقريزيّ، ولستٍّ بقين منه في «معجز أحمد»، ويومَ الأربعاء لثلاثٍ بقين منه في رواية التنوخيّ. ودير العاقول على دجلة جنوبيَّ بغداد، بينها وبين النعمانية.
١٦٨ خبرًا على موضوعاتها؛ تحت كلّ عنوانٍ الخبرُ الذي يدلّ عليه وما يليه. ومصدرُ كلّ خبرٍ في ذيله.
نسبه ومولده ونشأتهفي القصّة
اسمه ونسبه٢ خبران
أحمَدُ بنُ الحُسين بن الحَسَن بن عبدِ الصَّمَد؛ أبو الطَّيِّب، الجُعْفِيُّ، الكوفيُّ، الشَّاعرُ المعروفُ بالمُتَنبِّي. وقيلَ: هو أحمدُ بن الحُسين بن مُرَّةَ بن عبد الجبَّار. وكان والدُه؛ الحُسين، يُعرفُ بعِيدَانِ السَّقَّاء. وكانَ أبو الطَّيب شاعرًا مشهورًا مذكورًا محظوظًا مِن المُلوك والكُبَراءِ الذين عاصَرَهم، والجَيِّدُ مِن شِعْره لا يُجارَى فيه ولا يُلْحَقُ، والرَّديءُ مِنه في نهَاية الرَّداءة والسُّقوط. وكانَ يتعظَّمُ في نفسِه ويتَرَفَّعُ، وقيلَ: إنَّه ادَّعى النُّبوَّة في حداثته؛ فلُقِّب بالمُتنبِّي لذلك. وكانَ عارفًا باللُّغة قيِّمًا بها.
قالَ عليّ بنُ عِيسى النَّحويُّ رحمَه اللَّه: قالَ لي أبو الطَّيِّب؛ أحمدُ بن الحُسَين بن الحَسَن: كانَ يَثْقُلُ عَلَيَّ أنْ أُدْعَى المُتَنَبِّي دهرًا إلى أنْ أنِسْتُ به، وقَبَّحَ اللَّهُ أهلَ الكُوفة؛ يُضَيِّقُون في الأسماء على أنفسِهم، فَلا يُفَرَّقُ بينَ بعضِهم وبعضٍ إلَّا بالألْقَاب. وقالَ لي: مولِدي بالكوفةِ، ورَضَعتُ بِلِبانِ عَلَويَّةٍ مِن بناتِ عُبيدِ اللَّه بن يَحْيَى، ونشأتُ بالباديةِ، وكنتُ أُحِبُّ البَطَالةَ، والجَوَلانَ، وصُحبةَ ذَوي الغَارَاتِ والحُروبِ والتِّيهِ عن الدَّنِيَّاتِ مِن الأخلاقِ، وقُلتُ الشِّعرَ صبيًّا.
مولده ونشأته٢ خبران
ذَكَرَت الرُّوَاةُ أَنَّه وُلِدَ بِالكُوفَةِ، فِي كِنْدَة، سنة ثَلَاثٍ وثلاثِ مئة، وَأَنَّ أَبَاهُ سَافر إِلَى بِلَاد الشَّام فَلم يَزَلْ يَنْقُلهُ مِن باديتها إِلَى حَضَرها، وَمِن مَدَرها إِلَى وَبَرِها، ويُسْلِمُه فِي المَكَاتب، ويُرَدِّدُه فِي القَبَائِل، ومَخَايلُه نَوَاطِقُ الحُسْنَى عَنهُ، وضَوَامِنُ النُّجْح فِيهِ حَتَّى تُوفِّي أَبوهُ. وَقد تَرَعْرَعَ أَبُو الطَّيب وَشَعَرَ وبَرَعَ وَبَلَغَ مِن كِبَر نَفسِه وَبُعْد هِمَّتِه أَن دَعَا إِلَى بيعَته قومًا مِن رَائشِي نَبْلِه على الحداثة مِن سِنِّه والغَضَاضَة مِن عُودِه، وحينَ كَادَ يتِمُّ لَهُ أَمرُ دَعوتِه تَأَدَّى خَبرُه إِلى وَالِي البَلدةِ، ورُفِعَ إِلَيْهِ مَا هَمَّ بِهِ مِن الخُرُوج، فَأمَرَ بحبسِه وتقييدِه.
والَّذين رَوَوا ديوانَ أبي الطَّيِّب يَحْكُونَ عنه أنَّه وُلِدَ سنةَ ثلاثٍ وثلاثِ مِئة، وكانَ طُلُوعُه إلى الشَّام سنةَ إحدى وعشرين، فأقامَ فيه بُرهةً ثم عادَ إلى العراق، ولم تَطُلْ مُدَّتُه هنالك؛ والدَّليلُ على صِحَّة هذا الخبر أنَّ مَدَائحَه في صِباه إنَّما هي في أهل الشَّام، إلَّا قوله:
شدته وبأسه٤ أخبار
كانَ أوَّلُ أمرِ المتنبِّي أنَّه أظهرَ البَدَويَّةَ. حدَّثني أحدُ بني الفُصَيصِ بِجَبَلَةَ، قالَ: انحدرَ مِن جبالِ الشَّراةِ بِقُباءٍ، وكَرابيسَ محْشُوٍّ وزُربُولٍ في رجلِه، وعِمامةٍ زرقاءَ مِن قُطنٍ يتَعَمَّمُ بها مُحتَنِكًا بذُؤابةٍ، ويستُرُ جبْهَتَه بطاقٍ منها، مُتَنَكِّبًا قوسًا عربيَّةً، وكانَ سببَ نَفَاقِهِ.
حدَّثني ابنُ النَّجَّارِ ببغدادَ أنَّ مَولِدَ المُتنبي كانَ بالكوفة، في مَحَلَّةٍ تُعْرفُ بكِنْدَة، بها ثلاثةُ آلاف بيتٍ مِن بين رَوَّاءٍ ونَسَّاجٍ. واخْتَلَفَ إلى كُتَّابٍ فيه أولادُ أشْرَافِ الكوفة، فكانَ يتَعَلَّمُ دُرُوسَ العَلَويَّة شِعْرًا ولُغةً وإعراباً، فنشَأَ في خَير حاضرةٍ، وقالَ الشِّعرَ صبيًّا. ثمَّ وَقَعَ إلى خَير بَادِيةٍ، وباللَّاذقيَّة حَصَلَ في بيوتِ العَرَب فادَّعى الفُضُولَ الذي نُبِزَ به، فنَمَى خَبَرُه إلى أمير بعضِ أطرافِها، فأشْخَصَ إليه مَن قيَّده وسَار به إلى مجْلِسِه، فبقِيَ يعتذرُ إليه ويتَبَرَّأُ ممَّا وُسِمَ به، في كلمَتِه التي يقولُ فيها:
قدِمَ الشَّامَ في صِباه، وجالَ في أقطارِها، وصَعَّدَ بعد ذلك إلى الدِّيار المِصريَّة، وكان بها في سنةِ خمسٍ وثلاثين وثلاثِ مِئة، ثمَّ قَدِمَ حَلَبَ وافدًا على الأمير سيفِ الدَّولة؛ أبي الحَسَن؛ عليِّ بن عبد الله بن حمدَان، مادحًا له، فأكرَمَه ونَفَقَ عليه، وصَارَ خِصِّيصًا به، مُلازمًا له حَضَرًا وسَفَرًا، إلى أنْ خَرَجَ مِن حَلَبَ غَضْبانَ؛ بسبَبِ كلامٍ وَقَعَ بينَه وبينَ أبي عبد اللَّه؛ ابنِ خالَوَيه في مَجْلِس سَيف الدَّولة، فضَرَبَه ابنُ خَالَوَيه بمفتاحٍ.
لم يكن المُتنبِّي بالشَّامِ صبيًّا، ولا خرجَ مِن الكوفةِ إلَّا وهو شابٌّ، وكان نَزَلَ على بني الفُصَيصِ فانتَسَبَ لهم قُضاعيًّا، ثمَّ تركَ ذلك بَعْدُ.
طلبه للجوائز والعطايا بشعره٤ أخبار
قالَ أبو عبد اللَّه؛ ياقوت الرُّوميُّ: ولَم يَزَل المُتنبِّي بعد خُروجِه مِن الاعتقالِ، في خُمولٍ وضَعْفِ حالٍ في بلادِ الشَّام، يَمدَحُ النَّاسَ بعشْرَةِ دراهم فَما دونَها. واتَّفَقَ أنَّه اتَّصَلَ بأبي العَشَائر، فأكْرَمَه وعَرَفَ مَنزِلَتَه، وكان أبو العشائرِ يومئذٍ واليَ أنطَاكيةَ مِن جِهةِ سيفِ الدَّولةِ ابن حمدان، ولمَّا قَدِمَ سيفُ الدَّولةِ إلى أنطاكيَةَ، قَدَّمَ المُتنبِّي إليه، وأثنى عليه عِندَه، وعرَّفَه منزِلتَه مِن الشِّعرِ والأدبِ.
وكان سيفُ الدَّولةِ كثيرَ الميلِ إلى الشُّعراءِ والشِّعْر، فاشتَرَطَ عليه المتنبِّي، وذلكَ في أوَّلِ اتِّصالٍ له به، أنَّه إذا أنشَدَه لا يُنشِدُه إلَّا وهو قاعِدٌ، وأنَّه لا يُكَلَّفُ تقبيلَ الأرضِ بينَ يديه، فنَسَبوه إلى الجُنونِ، ودَخَل سيفُ الدَّولةِ تحتَ هذه الشُّرُوط، وتطلَّعَ إلى ما يَرِدُ مِنه، فلمَّا أنشَدَه حَسُنَ موقِعُه عندَه، وقرَّبَهُ، وأجازَه الجوائِزَ السَّنيَّةَ، وأقَرَّه على هذه الشُّروطِ مُدَّةَ بقائِه عندَه، ومالَت نَفْسُه إليه وأحَبَّه، فَسَلَّمَه إلى الرُّوَّاضِ فعَلَّموه شيئًا مِن الفُروسيَّة والطِّرادِ والمُثَاقَفَة.
وحَضَرَ مع سيفِ الدَّولةِ غَزَواتِه إلى بلادِ الرُّومِ، فكانَ مِمَّا شَهِدَه (غَزْوةُ الفَناءِ)، و(غَزوة المُصيبة)؛ أمَّا (غزوة المُصيبة)، فدَخَلَ سيفُ الدَّولةِ بلادَ الرُّومِ في أربعينَ ألفًا، فلم يَنجُ معَه إلَّا نَفَرٌ يسيرٌ، وأمَّا (غَزْوة الفَناءِ)، فَهَلَكَ كلُّ مَن معَه، وأَخَذَتِ الرُّومُ عليه الطَّريقَ في الجَبَلِ، وكانَ سيفُ الدَّولةِ مِقدامًا مُجَرَّبًا، فَجَرَّدَ السَّيفَ وحَملَ على العسكرِ، فَخَرَقَ الصُّفُوفَ، ونجَا بنَفْسِه في ستَّةِ أنفارٍ، المتنبِّي أحَدُهم، فكانت منزِلةُ المتنبِّي عِندَ سيفِ الدَّولةِ مَكِينَةً؛ بحيثُ إنَّه كانَ لا يَصْبِرُ عنه سَفَرًا ولا حَضَرًا.
وكانَ دُخُولُه إلى حَلَبَ سنةَ سَبعٍ وثلاثينَ وثلاثِ مِئةٍ، وخرُوجُه منها إلى مِصْرَ؛ الدَّفْعَةَ الثَّانيةَ، في سنةِ سِتٍّ وأربعينَ وثلاثِ مِئةٍ، وكانَ نُزولُه بحلَبَ في مَحَلَّتِنا المعروفةِ ب(آدُر بني كِسرى). قالَ لي وَالدي: وكانت دارُه دارًا هي الآنَ خَانِقَاه سعد الدِّين كُمَشْتُكين مُلاصِقَةٌ لدَاري.
شهرة أبيه بعيدان٢ خبران
أنبَأَنَا تاجُ الأمَناءِ؛ أحمدُ بن محمَّد بن الحَسَنِ، قالَ: أخبَرَنا الحافظُ أبو القَاسم؛ عليُّ بن الحَسَن؛ عَمِّي، قالَ: قالَ لنَا هِبَةُ اللَّه بن عبد اللَّه بن أحمدَ الوَاسِطِيُّ: قالَ لنَا أبو بكر الخَطِيبُ: (عِيْدَان)؛ بكَسْر العَين وباليَاءِ المُعجَمة باثنتين مِن تحتِها، هو وَالدُ أبي الطَّيِّب؛ أحمد بن الحُسَين المُتَنبِّي، كانَ يُعرفُ بعِيدَان السَّقَّاءِ.
أخبرني صديقُنا أبو الدُّرِّ؛ ياقوتُ بن عبد الله الرُّوميُّ، مولى الحَموي، البغداديُّ، قالَ: رأيتُ ديوانَ أبي الطَّيِّب المُتنبِّي بخطِّ أبي الحَسَن؛ عليِّ بن عيسى الرَّبَعيِّ، قالَ في أوَّله: الذي أعرِفُه مِن نَسَبِ أبي الطَّيِّب أنَّه: أحمدُ بن الحُسَين بن مُرَّةَ بن عبد الجبَّار الجُعْفِيُّ، وكانَ يَكْتُمُ نسَبَه، وسألتُه عن سَبَبِ طَيِّهِ ذلك، فقالَ: إنِّي أنزِلُ دائمًا بعَشَائِر وقبائلَ مِن العَرَبِ، ولا أُحِبُّ أن يعرفوني خِيفَةَ أن يكونَ لهم في قومي تِرَةٌ، وهذا الذي صَحَّ عندي مِن نَسَبِه.
إخفاء أبي الطيب لنسبه١٠ أخبار
قالَ: ورأيتُهُ مرةً يَكْرَهُ أن ينتَسِبَ، قالَ: لأنَّني أطرَأُ على قومٍ بعدَ قومٍ مِن الباديةِ، فلا أختارُ أنْ يَعرِفَ أحدٌ نَسَبي؛ لئَلَّا أكونَ ممَّن يُعاديه. ورأيتُه مرةً أُخرى يَتَشَكَّكُ، ويقولُ: أكثَرُ النَّاسِ لا يَعْرِفُ جميعَ آبائِهِ، وأكثرُ العربِ - زَعَمَ - على ذلكَ، إنَّما يكونُ في الحيِّ واحدٌ ينْسُبُهم. وقالَ لي مرَّةً أُخرى: الإنسانُ بأفعَالِه لا بنِسْبَتِهِ، وقد يوجَدُ في كُلِّ النَّاسِ الفاضِلُ والنَّاقِصُ، وأيْشِ يَنْفَعُ النَّسَبُ؟!.
قالَ: واجتَزتُ أنا وأبو الحَسَن؛ محمَّد بن عبيد الله السَّلاميُّ الشَّاعر على الجِسر ببغدَاد، وعليه مِن جُملَةِ السُّؤَّالِ رجلٌ مَكفُوفٌ، فقالَ لي السَّلاميُّ: هذا المكفوفُ أخو المُتَنبِّي، فدَنَوتُ مِنه فسألتُه عن ذلك، فصَدَّقَه، وانتَسَب هذا النَّسبَ، وقالَ: مِن هاهُنا انقطَعَ نَسَبُنا. وكانَ مولِدُه بالكوفة، في كِنْدَةَ، سنةَ ثلاثٍ وثلاثِ مِئةٍ، وأرضَعَته امرأةٌ عَلَويَّةٌ مِن آلِ عُبيدِ الله.
قالَ ابنُ النَّجَّار: عُبَيْدُ بن الحُسَيْن بن الحَسَن بن عَبْد الصَّمد الجُعْفِيُّ، أَبُو مُحَمَّد الكُوفيُّ؛ أخو أَبِي الطَّيِّب؛ أَحْمَد بن الحُسَيْن المُتنبِّي الشَّاعر، كانَ ضَريرًا، قَدِمَ بغدادَ ورَوَى بها شيئًا. أَنْبَأَنَا أَبُو القَاسِمِ الأَزَجِيُّ، عن أبي الرَّجَاءِ؛ أحمدَ بن محمَّد الكِسَائيِّ، قالَ: كَتَبَ إليَّ أبو نَصْرٍ؛ عَبدُ الكريم بن محمَّد بن أَحمَد بن هارون الشِّيرازيُّ، قَالَ: أنشَدَنا أَبُو عَبدِ اللَّهِ؛ الحَسَنُ بنُ محمَّدِ بنِ الحَسَن الطَّيِّب الشَّافعيُّ، قَالَ: أنشَدَني أَبُو مُحَمَّد؛ عُبَيْدُ بن الحُسَيْن الكوفيُّ؛ أخو أَبِي الطَّيِّب المُتَنبِّي ببغداد، وَكَانَ مَكْفُوفَ البَصَر، مِن ظَهْرِ قَلْبِه للقائِل:
وزَعَمَ ابنُ عمٍّ له في الكوفةِ: أنَّه أحمدُ بن الحُسين بن الحَسَن بن مُرَّة بن عبدِ الجبَّار، مِن جُعْفَى. وقالَ لا أعرِفُ باقي نَسَبِنا، هوَ مُنقَطِعٌ.
قالَ أبو أحمَد؛ عبدُ العزيز بن الفَضل: أخبرني الشَّيخُ أبو الحُسين؛ عليُّ بن أحمد بن أبي سَعدَةَ، بمدينة السَّلامِ، قالَ: لَمَّا دَخَل المتنبي مدينة السَّلامِ خارجًا إلى فارسَ، أرادَ أن يَضمَنَ الطَّريقَ مِن مدينةِ السَّلامِ إلى بابِ واسِطَ مِن مُعِزِّ الدَّولَةِ، وكانَ الواسِطَةُ الشَّريفَ أبا عبدِ الله ابن الدَّاعي، وكنتُ أنا كاتِبَه ورسولَ المتنبِّي إليه في هذه الوَساَطة، فلم يُجِبْه إلى ذلكَ، وذكَرَ أنَّ هذا الرَّجُلَ شاعرٌ، إن طالبتُه بما يلزَمُه مِن مالي هَجَاني.
قالَ أبو الحُسين: فدَخَل إليَّ المُتنبِّي، وأنا أسكنُ في دَربِ الزَّعفَرَاني، وكنتُ رَمِدًا قَلِقًا مِن الوَجَعِ، فأنشَدَني:
ومَا نَعْلَمُ أنَّه قالَ ببغدَاد شِعرًا غيرَ هذا.
قالَ أبو أحمَد (رحمه الله): حدَّثَني الشَّريفُ عليُّ بنُ عُمرَ، أنَّ المُتَنبِّي كانَ له أبٌ سقَّاءٌ بالكُوفَةِ، يُعْرَفُ بَعَبْدَان السَّقَّاء، وأنَّه كانَ يُعرَفُ بابنِ عَبْدَان السَّقَّاء، وأنَّه خَرَجَ مِن الكوفَةِ سنةَ عشرين وثلاثِ مئةٍ، ثمَّ إنَّه أرادَ الرُّجُوعَ فَقُتِلَ في الطَّريقِ.
قالَ الرَّبَعِيُّ: وقالَ لي المُتنبِّي: كنتُ أُحِبُّ البَطَالَةَ وصُحبَةَ البَادية، وكانَ يذُمُّ أهلَ الكوفةِ؛ لأنَّهم يُضَيِّقُون على أنفُسِهم في كلِّ شيءٍ حتَّى في الأسماءِ فيَتَداعونَ بالألقَابِ، ولمَّا لُقِّبْتُ بالمُتنبِّي ثَقُلَ ذلك عَلَيَّ زمانًا، ثمَّ ألِفْتُه.
وقالَ الرَّبَعِيُّ: رأيتُ عندَه بشِيرازَ جُزْءًا مِن شِعْرِه بخَطِّ ابن أبي الجُوع الورَّاق المِصريِّ، وعليه بخطٍّ آخرَ: المُتنبِّي السُّلَميُّ البَغداديُّ، فقالَ: مَا كفَاه أنْ عَزَاني إلي غير بَلَدي حتَّى نَسَبَني إلى غيرِ أبي!.
أخبَرَنا أبو اليُمْن؛ زيدُ بن الحَسَن بن زيد الكِنْدِيُّ، فيما أذِنَ لنا فيه، قالَ: أخبرَنا أبو منصور ابن زُرَيق، قالَ: قالَ لنا أبو بكرٍ؛ الخطيبُ (٤٦٣ه): أحمَدُ بن الحُسين بن الحَسَن بن عبد الصَّمد، أبو الطَّيِّب الجُعْفِي، الشَّاعرُ المعروفُ بالمُتَنَبِّي، بَلَغَني أنَّه وُلِدَ بالكوفة في سنة ثلاثٍ وثلاثِ مِئةِ، ونشأَ بالشَّام، وأكثَرَ المُقَام بالبَادية، وطَلَبَ الأدبَ وعِلْمَ العربيَّة، وَنَظَر في أيَّامِ النَّاس، وتعَاطَى قولَ الشِّعر مِن حَدَاثَتِه حتَّى بَلَغَ فيه الغَايةَ التي فَاقَ أهلَ عصرِه، وعَلا شُعراءَ وَقْتِه.
ملازمته لأهل العلم والأدب٣ أخبار
قال الخطيبُ: أخبرنا عليُّ بن المُحَسِّن التَّنُوخِيُّ، عن أبيه، قالَ: حدَّثني أبو الحَسَن؛ محمَّدُ بن يحيى العَلَويُّ الزَّيديُّ، قالَ: كانَ المُتنبِّي وهو صَبيٌّ ينزِلُ في جِوَاري بالكوفة، وكانَ يُعْرَفُ أبوه بِعِيدَان السَّقَّاء، يَستَقِي لنا ولأهْلِ المَحَلَّةِ، ونشَأَ هو مُحِبًّا للعلم والأدب فطَلَبَه، وصَحِبَ الأعرابَ في البادية، فجاءَنَا بعد سِنين بَدَوِيًّا قُحًّا، وقد كانَ تعَلَّمَ الكتابةَ والقِراءةَ، فلَزِمَ أهلَ العلمِ والأدب، وأكثَرَ مِن مُلازَمَة الوَرَّاقينَ، فكانَ عِلْمُه مِن دَفاتِرهم.
قالَ الوحيدُ الأزديُّ في بيت المتنبِّي:
هَجَّنَ هذه القصيدةَ بهذه الأبيات التي جعلها خُروجًا، وفيها ذكرُ الثَّريدِ والجِفانِ لِمَدحِ ملكٍ عظيمٍ، وأحسِبُه غيرَ غالطٍ متعَمِّدًا؛ لأنَّه كانَ مِن شأنِه التَّبادِي وانتحالَ أخلاقِ الباديةِ، وهذا تُسمِّيه العَرْبَاءُ (المُطَفْشِل)؛ ويعْنُونَ به المُتَشَبِّه بالبادية.
وقالَ في بيت المتنبِّي:
تَرَكَ شُعراءُ المحدَثينَ الحُذَّاقُ ذِكرَ الجِفَانِ وما كانت العَرَبُ والباديةُ تأتي به؛ لأنَّه جفاءٌ بينَ الحاضرةِ، وكذلك ذكرُ الطَّعامِ، فأمَّا المتنبي فإنَّه كان يتَشَبَّه عندَهم بالباديةِ، ويتزيَّا بزِيِّهم. حدَّثني مِن أهلِ الشَّامِ مَن رآه في قَباءِ كَرابيس وعمامةٍ زرقاءَ خشِنةٍ وزَرْبولين في رجليه، متنكِّبًا قوسًا عربيَّةً كما يَقْدمُ الحِجَازيُّون، وكان يُكثِرُ ذكرَ هذا، ويستعمِلُ التَّصغيرَ والألفاظَ البدويَّة، فابتدأ بذلكَ الزِّيِّ.
قوة حافظته٣ أخبار
فأخبَرَني ورَّاقٌ كانَ يجلِسُ إليه يومًا، قال لي: مَا رأيتُ أحفَظَ مِن هذا الفتى ابنِ عِيْدَان قَطُّ!. فقلتُ له: كيفَ؟. فقالَ: كانَ اليوم عندي وقد أحضَرَ رجلٌ كتابًا مِن كُتُبِ الأصمَعِيِّ، سمَّاهُ الورَّاقُ وأُنْسِيَه أبو الحَسَن، يكونُ نحوَ ثلاثين ورقةً ليَبِيعَه، قالَ: فأخَذَ ينظُرُ فيه طَويلًا، فقالَ له الرَّجلُ: يا هذا أُريدُ بيعَه، وقد قَطَعْتَني عن ذلك، فإن كنتَ تريدُ حِفْظَه فهذا إن شاءَ اللَّه يكونُ بعدَ شَهْرٍ، قالَ: فقالَ له ابنُ عِيدَان: فإن كنتُ قد حَفِظتُه في هذه المُدَّة فمالي عليكَ؟. قالَ: أهَبُ لكَ الكتابَ، قالَ: فأخذتُ الدَّفتَرَ مِن يدِه، وقُلتُ هيَّا، فأقبلَ يتلُوه عليَّ إلى آخرِه، ثمَّ استَلَبَه فجعَلَه في كُمِّه وقامَ، فعَلِقَ به صاحبُه، وطَالَبَه بالثَّمَن، فقالَ: مَا إلى ذلك سَبيلٌ، قد وَهَبْتَه لي. قالَ: فمَنَعنَاه منه، وقُلنا له: أنتَ شَرَطْتَ على نفسِك هذا للغُلام، فتَرَكَه إليه. وقالَ أبو الحَسَن: كان عِيدَانُ؛ والدُ المُتنبِّي، يذكُرُ أنَّه مِن جُعْفَى، وكانت جدَّةُ المُتنبِّي هَمْدَانيَّةً صحيحةَ النَّسب لا أشُكُّ فيها، وكانت جارتَنَا، وكانت مِن صُلَحَاءِ النِّساءِ الكُوفيَّات.
قالَ التَّنُوخِيُّ: قالَ أبي: فاتَّفَقَ مَجِيءُ المُتَنَبِّي بعد سِنينَ إلى الأهواز مُنصرفًا مِن فارس، فذَاكَرتُه بأبي الحسَن، فقالَ: تِرْبي وصديقي وجاري بالكوفة، وأطرَاهُ ووَصَفَه، وسألتُ المُتنبِّي عن نسبِه، فمَا اعتَرَفَ لي به، وقالَ: أنَا رَجُلٌ أخبِطُ القبائلَ وأطوي البَوَادي وحدي، ومتى انتَسَبْتُ لم آمَن أنْ يأخُذَني بعضُ العَرَب بطَائلةٍ بينها وبين القبيلة التي أنتَسِبُ إليها، ومَا دُمتُ غيرَ مُنتَسِبٍ إلى أحدٍ فأنَا أُسَلِّمُ على جميعِهم، ويخافون لِسَاني.
قالَ: واجتمَعتُ بعدَ موت المُتنبِّي بسنينَ مع القاضي أبي الحَسَن؛ ابن أمِّ شَيبَان الهاشميِّ الكوفيِّ، وجرى ذِكرُ المُتنبِّي، فقالَ: كنتُ أعرِفُ أباه بالكوفة شيخًا يُسمَّى عِيدان، يسقِي على بعيرٍ له، وكانَ جُعفيًّا صحيحَ النَّسَبِ. قالَ: وقد كانَ المُتنبِّي لمَّا خَرَجَ إلى (كلب)، وأقامَ فيهم ادَّعَى أنَّه عَلَوي حَسَنيٌّ، ثمَّ ادَّعى بعد ذلك النُّبوَّةَ، ثمَّ عادَ يدَّعي أنَّه عَلَويٌّ إلى أن أُشْهِدَ عليه بالشَّام بالكذب في الدَّعوَيين، وحُبِسَ دهرًا طويلًا، وأشرَفَ على القتل، ثمَّ اسْتُتيِبَ وأُشْهِد عليه بالتَّوبة وأُطْلِقَ.
مولده في كندة٣ أخبار
قرأتُ بخطِّ عبيد الله بن محمَّد بن أحمدَ بن محمَّد بن أبي الجُوع الورَّاقِّ المِصريِّ: سألتُ أبا الطَّيِّب المُتنبِّي؛ أحمد بن الحُسَين بن الحَسَن، عن مولِدِه ومَنْشَئِه، فقالَ: وُلِدْتُ بالكوفة سنةَ ثلاثٍ وثلاثِ مئةٍ، في كِنْدَة، ونشأتُ بها، ودخلتُ مدينةَ السَّلام، ودُرْتُ الشَّامَ كلَّه سَهْلَه وجَبَلَهُ.
أخبَرنا أبو محمَّد؛ عبدُ العزيز بن محمود بن الأخضَر البغداديُّ، في كتابِه، قالَ: أخبَرَنا الرَّئيسُ أبو الحسَن؛ عليُّ بن عليِّ بن نَصْر بن سَعيد البَصْريُّ، قالَ: أخبَرَنا أبو البَرَكات؛ محمَّد بن عبد اللَّه بن يحيى الوَكيل، قالَ: أخبَرَنا عليُّ بن أيُّوب بن الحُسَين بن السَّارْبَان، قالَ: وُلِدَ أبو الطَّيِّب؛ أحمدُ بن الحُسَين بن الحَسَن المُتَنبِّي، بالكوفة في مَحَلَّة كِنْدَه، سنةَ ثلاثٍ وثلاثِ مِئةٍ، وقالَ الشِّعرَ وهو صَبِيٌّ في المَكْتَبِ.
وقرأتُ في بعض النُّسَخ مِن شِعْره أنَّ مولِدَه قيلَ على التَّقريب لَا على التَّحقيق. وقرأتُ في تاريخ أبي عبد اللَّه؛ محمَّدِ بن عليٍّ العَظِيميِّ الحلبيِّ، وأخبَرَنا به المُؤيَّدُ بن محمَّد الطُّوسيُّ؛ إجازةً عنه، قيلَ: إنَّه وُلِد؛ يعني المُتنبِّي، سنةَ إحدى وثلاثِ مئة، والأوَّلُ أصَحُّ، واللَّه أعلَمُ.
الحبس وما رُوي في سببهفي القصّة
حبه للولاية والرئاسة، وسبب تلقيبه بالمتنبي١ خبر
ويُحكَى أَنَّه تنَبَّأَ فِي صِبَاه، وَفتَنَ شِرْذِمةً بِقُوَّة أدبِه وَحُْسن كَلَامه، وَحكى أَبُو الْفَتْح؛ عُثْمَان بن جنِّي، قَالَ: سَمِعت أَبَا الطَّيب يَقُولُ: إنَّما لُقِّبْتُ بالمُتنبِّي لقَولي:
وَمَا زَالَ فِي بُرْد صِباه إِلَى أَن أخْلَقَ بُرْدُ شبابِه، وتضَاعَفَتْ عُقُودُ عُمْره، يَدُورُ حُبُّ الولَايَة والرِّئاسة فِي رَاسه، وَيُظْهِرُ مَا يُضْمِرُ مِن كامِن وَسْوَاسِه، فِي الخُرُوج على السُّلْطَان والاسْتِظهار بالشُّجعان، والاستيلاءِ على بعض الأَطْرَاف، ويَسْتَكْثِر مِن التَّصْرِيح بذلك فِي مِثْل قَوْله:
وَقَولِه:
وَقَولِه:
وَقَولِه:
وَكَانَ كثيرًا مَا يَتَجَشَّمُ أسفارًا بعيدَةً أبْعَدَ مِن آمَالِه، وَيَمْشِي فِي مَنَاكِب الأَرْض، ويَطْوي المَنَاهِلَ والمَرَاحِلَ وَلَا زَادَ إِلَّا مِن ضَرْبِ الحِرَاب على صَفْحَة الْمِحْرَاب، وَلَا مَطِيَّةَ إِلَّا الْخُفُّ أَو النَّعْلُ؛ كَمَا قَالَ:
قصة حبس أبي الطيب١ خبر
وأمَّا أبو القاسم؛ عبدُ الله بن عبد الرَّحمن الأصفهانيُّ؛ فإنَّه ذَكَرَ في كتابه المُسمَّى ب(الواضح) أنَّ الذي حَبَسَ المُتنبِّي بحِمْصَ ابنُ كَيَغْلَغ، وكانَ أميرَ حِمْص، وأرادَ قتلَه. وكانَ خُروجُه ببَلَد اللَّاذقية بين النُّصَيريَّة، ثمَّ انتقل إلى جبل (جَوْشَن) مِن بلاد الشَّام.
خبر تنبؤ أبي الطيب٣ أخبار
أخبَرَنا أبو الدُّرِّ؛ ياقوتُ بن عبد اللَّه الحَمَويُّ، قالَ: ذكَرَ أبو الرَّيحان؛ محمَّد بن أحمدَ البَيْرونيُّ (٤٢٨ه)، ونقَلْتُه مِن خَطِّه، أنَّ المُتنبِّي لمَّا ذكَر في القصيدة التي أوَّلُها:
النُّورَ الذي تَظَاهَر لَاهُوتيُّه في ممْدوحِه. وقالَ:
ودَارَ على الألْسُن، قالوا: قد تَجَلَّى لأبي الطَّيِّب ربُّه، وبهذا وقعَ في السِّجْن والوَثاق الذي ذكَرَه في شِعْره (أيا خَدَّدَ اللهُ ورْدَ الخُدُودِ)، ولم يذكُر سبَبَ لَقَبِه على صِدْقِه، وإنَّما وَجَّهَ له وجهًا مَا، كما حكَى عنه أبو الفتح؛ عثمان بن جِنِّي أنَّ سبَبَه هو قولُه:
وإنَّما هوَ أنَّ الخُيُوطَ في رأسِه كانت تُدِيرُه وتُزْعِجُه، فتَحَيَّنَ غَيبةَ سيفِ الدَّولةِ في بعضِ غزَواتِه، وقَصَدَ أعرابَ الشَّام، واستَغْوَى مِقدارَ ألفِ رجُلٍ مِنهم، واتَّصَلَ خبرُه بسيف الدَّولة فكَرَّ راجعًا، وعاجَلَه فتفرَّقَ عنه أصحابُه، وجيءَ به أسيرًا، فقالَ له: أنتَ النَّبِيُّ؟. قالَ: بل أنا المُتَنبِّي حتى تُطعِموني وتسقُوني، فإذا فعَلْتُم ذلك فأنَا أحمدُ بن الحُسَين، فأعْجِبَ بثبَاتِ جَأْشِه وجُرْأَته في جوابِه، وحَقَنَ دمَه، وألقَاهُ في السِّجن بحمصَ إلى أن قُرِّرَ عندَه فضْلُه، فأطلَقَه واسْتَخَصَّه، ولمَّا أكثروا ذِكْرَه بالتَّنَبِّي تَلَقَّبَ به؛ كيلَا يصيرَ ذمًّا إذا احتَشَمَ أُخْفِيَ عنه، وشتمًا لَا يُشَافَهُ به، واستَمَرَّ الأمرُ على مَا تَوَلَّى التَّقَلُّبَ به. قُلْتُ: قولُ أبي الرَّيحانِ إنَّه تحيَّنَ غيبةَ سيف الدَّولة في بعض غزَواتِه، إلى آخر مَا ذكَرَه ليسَ بصحيح؛ فإنَّ أهلَ الشَّام وغيرَهم مِن الرُّواة لم ينقُلوا أنَّ المُتَنبِّي ظهرَ مِنه شيءٌ مِن ذلك في أيَّام سيفِ الدَّولة، ومملكتُه بحلبَ والشَّام، ولَا أنَّه حبَسَه منذُ اتَّصَل به، وإنَّما كان ذلك في أيامِ لؤلؤٍ الإخشيديِّ أميرِ حِمْصَ.
أخبَرَنا أبو اليُمْن؛ زيدُ بن الحَسَن البَغداديُّ، كتابةً، قالَ: أخبَرَنا أبو منصور؛ ابن زُرَيق، قالَ: أخبَرَنا أبو بكر؛ الخَطيبُ، قالَ: وأخبَرَنا عليُّ بنُ المُحَسِّن التَّنوخِيُّ، قالَ: حدَّثنا أبي، قالَ: حدَّثَني أبو عليٍّ؛ ابنُ أبي حَامدٍ؛ قالَ: سمعتُ خلقًا بحلبَ يحْكُونَ، وأبو الطَّيِّب المُتنبِّي بها إذْ ذَاكَ، أنَّه تَنَبَّأَ في بادية السَّماوةِ ونواحيها إلى أنْ خَرَجَ إليه لؤلؤُ؛ أميرُ حِمْصَ مِن قِبَلِ الإخشيديَّة، فقاتَلَه وأسرَهُ وشرَّدَ مَن كانَ اجتمَعَ إليه مِن كَلْب وكِلَاب وغيرهما مِن قبائل العَرَب، وحبَسَه في السِّجنِ دهرًا طويلًا، فاعتَلَّ وكادَ أن يَتْلَفَ حتَّى سُئِلَ في أمرِه فاسْتَتَابَه، وكتَبَ عليه وثيقةً أشهَدَ عليه فيها ببُطْلان مَا ادَّعاه ورُجُوعِه إلى الإسلام، وأنَّه تائبٌ مِنه، ولَا يُعَاوِدُ مثلَه، وأطلَقَه.
ابن العديم: قالَ: وكانَ قد تَلَا على البَوادي كلامًا ذكَرَ أنَّه قرآنٌ أُنْزِلَ عليه، وكانوا يحكُون له سُوَرًا كثيرةً، نَسَخْتُ مِنها سُورةً ضَاعَتْ وبقِيَ أوَّلُها في حِفظي؛ وهو: والنَّجْم السَّيَّار، والفَلَك الدَّوَّار، واللَّيل والنَّهار، إنَّ الكافِرَ لفي أخْطَار، امْضِ على سَنَنِكَ، واقْفُ أَثَرَ مَن كانَ قبلَك مِن المُرسلين، فإنَّ اللَّهَ قَامِعٌ بكَ زَيغَ مَن ألْحَدَ في دِينه وضَلَّ عن سبيله. قالَ: وهي طويلةٌ لم يبقَ في حِفظي مِنها غيرُ هذا. قالَ: وكانَ المُتنبِّي إذا شُوغِبَ في مجلس سيف الدَّولة، ونحنُ إذْ ذَاكَ بحلَبَ، يُذْكَرُ له هذا القرآن وأمثالُه ممَّا كانَ يُحكَى عنه، فيُنْكِرُه ويَجْحَدُه.
ابن العديم: قالَ: وقالَ له ابنُ خَالَويه النَّحويُّ يومًا في مجلِس سيف الدَّولة: لولا أنَّ الآخرَ جاهلٌ لمَا رَضِيَ أنْ يُدْعى بالمُتنبِّي؛ لأنَّ (مُتنبِّي) معناه كاذبٌ، ومَن رَضِي أنْ يُدعى بالكذِب فهو جاهلٌ. فقالَ له: أنا لستُ أرضى أنْ أدْعَى بهذا، وإنَّما يدعوني به مَن يريدُ الغَضَّ منِّي، ولستُ أقدِرُ على الامتناع.
وكَتَبَ إلى ابنِ كَيَغْلَغَ، مِن السِّجنِ؛ يستعطِفُه، ولم تُثْبَت:
ذكر خبر تنبّئه٣ أخبار
وذَكَرَ أبو الحَسَن؛ عليُّ بن محمَّد بن عليِّ بن فُوَرَّجَة، في كتاب (التَّجنِّي على ابن جِنِّي)، قالَ: أخبَرني أبو العلاءِ؛ أحمدُ بن سُليمان المَعَرِّيُّ، عمَّن أخبَرَه مِن الكُتَّاب، قالَ: كنتُ بالدِّيوان في بعض بلاد الشَّام، فأسرعتِ المُدْيَةُ في أصبُع بعضِ الكُتَّاب وهو يَبْري قلَمَه، وأبو الطَّيِّب حاضرٌ، فقامَ إليه وتَفَلَ عليه، وأمسَكَها ساعةً بيدِه، ثمَّ أرسَلَها وقد انْدَمَلَت بدَمِها، فجَعَلَ يُعَجِّبُ مِن ذلك، ويُرِي مَن حَضَرَ أنَّ ذلك مِن مُعْجِزاتِه. قالَ: وممَّا كان يُمَخْرِقُ به على أبياتِ البَاديةَ أنَّه كانَ مشَّاءً قويًّا على السَّير سيرًا لا غايةَ بعدَه، وكانَ عارفًا بالفَلَوَات، ومواقِع الميَاه، ومَحَالِّ العَرَبِ بها، فكانَ يسيرُ مِن حِلَّةٍ إلى حِلَّةٍ بالبادية في ليلةٍ وبينَهما مَسِيرةُ ثلاثٍ. فيأتي ماءً ويغسِلُ يديه ووجهَه ورِجْلَه، ثمَّ يأتي أهلَ تلك الحِلَّة فيُخبِرُها عن الحِلَّةِ التي فارَقَها، ويُرِيهم أنَّ الأرضَ طُوِيَتْ له، فلمَّا عَلَت سِنُّه رَغِبَ عن ذلك وزَهِدَ فيه، وأقبَلَ على الشِّعْرِ وقد وُسِمَ بتلك السِّمَةِ.
وقَرَأتُ في بعض الكُتُبِ؛ أنَّه لمَّا خَرَجَ المُتَنبِّي بأرض (سَلَمْيَةَ)؛ مِن عَمَل حِمْص في بني عَدِي الكَلْبيين، قَبَضَ عليه ابنُ عليٍّ الهَاشِميُّ في ضَيْعَةٍ له يُقالُ لها (كُوتَكِين)، وأمَرَ النَّجَّارَ فَجَعَلَ في رجْلِه (قُرْمَةً)، وفي عُنُقِه، مِن خَشَب الصَّفْصَاف، فقال المتنبِّي:
ولمَّا أنْ صَارَ مُعْتَقلًا في الحَبْس كتَبَ إلى الوَالي:
وحدَّثني الثِّقةُ عنه حديثاً معناه: أنَّه لمَّا حَصَلَ في بني عَدِي، وحاولَ أن يخْرُجَ فيهم، قالوا له، وقد تَبَيَّنُوا دعواه: ها هُنا ناقةٌ صعبةٌ، فإنْ قَدِرتَ على ركوبها أقْرَرْنا أنَّك مُرْسَلٌ. وأنَّه مضى إلى تلك النَّاقة وهي رائِحَةٌ في الإبل، فتَحَيَّلَ حتَّى وَثَبَ على ظهرها، فَنَفَرَت ساعةً وتنَكَّرَتْ بُرهةً، ثمَّ سَكَنَ نفارُها، ومَشَتْ مَشْيَ المُسْمِحَةِ، وأنَّه وَرَدَ بها الحِلَّةَ وهو راكبٌ عليها، فعَجِبوا له كلَّ العَجَب، وصار ذلك مِن دلائله عندَهم. وحُدِّثتُ أيضاً أنَّه كانَ في ديوان اللَّاذقية، وأنَّ بعضَ الكُتَّاب انقَلَبَت على يدِه سِكِّينُ الأقلامِ فجَرَحَته جُرحاً مُفْرطاً، وأنَّ أبا الطَّيب تَفَلَ عليها مِن رِيقه، وشَدَّها غيرَ مُنْتَظِر لوقتِه، وقالَ للمَجْرُوح: لا تَحُلَّها في يومِكَ، وعَدَّ له أيَّاماً وليالي، وأنَّ ذلك الكاتبَ قَبِلَ منه، فَبَرىءَ الجُرْحُ، فصَاروا يعتقِدون في أبي الطَّيبِ أعظمَ اعتقَادٍ، ويقولونَ: هو كَمُحْيي الأموات.
المعري: وحدَّثَ رجلٌ كانَ أبو الطَّيِّب قد اسْتَخْفَى عنده في اللَّاذقية أو في غيرها مِن السَّوَاحل، أنَّه أرادَ الانتقالَ مِن مَوضِع إلى مَوضعٍ، فخَرَجَ باللَّيل ومعه ذلك الرَّجُل، ولَقِيَهما كلبٌ ألَحَّ عليهما في النُّباح ثمَّ انصرَفَ، فقالَ أبو الطَّيِّب لذلك الرَّجل وهو عَائدٌ: إنَّك ستجِدُ ذلك الكَلْب قد مَاتَ، فلمَّا عادَ الرَّجلُ ألْفَى الأمرَ على ما ذَكَرَ، ولا يمتَنِع أنْ يكونَ أعَدَّ له شيئاً مِن المَطاعِم مَسْموماً وألقاهُ له وهو يُخْفي عن صاحبِه مَا فَعَلَ.
الوشاية بأبي الطيب١ خبر
أنْبَأَنَا أبو محمَّد؛ عبدُ العزيز بن محمود بن الأخْضَر، قالَ: أخبَرَنا الرَّئيسُ؛ أبو الحَسَن؛ عليُّ بن عليِّ بن نَصْر بن سَعيد، قالَ: أخبَرَنا أبو البَرَكات؛ محمَّد بن عبد الله بن يحيى، قالَ: أخبَرَنا عليُّ بن أيُّوبَ بن الحُسَين، قالَ: أنشَدَنا أبو الطَّيِّب المُتنبِّي لنفسِه، وكانَ قومٌ في صِباه وَشَوا به إلى السُّلطان، وتَكَذَّبوا عليه، وقالوا له: قد انقَادَ لهُ خلْقٌ مِن العَرَبِ، وقد عَزَمَ على أخذِ بَلَدِكَ، حتى أوحَشُوه مِنه، فاعتَقَلَه وضَيَّقَ عليه، فكتبَ إليه يمدحُه:
قالَ فيها في ذِكْرِ المَمدُوح:
أبيات قيل إنها سبب تسميته بالمتنبي٥ أخبار
وذكَرَ أبو منصور الثَّعَالِبيُّ في (اليَتيمَة)، عن ابن جنِّي، أنَّه قالَ: سمعتُ أبا الطَّيِّب يقولُ: إنَّما لُقِّبْتُ بالمُتنبِّي لقَولي:
أخبَرَنا أبو هاشِم؛ عبدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عبدِ المُطَّلب الهاشِميُّ، قالَ: أخبَرنا أبو سَعْدٍ؛ عبدُ الكريم بن محمَّد بن منصور السَّمْعَانيُّ، قالَ: أنشَدَنا عُمرُ بن محمَّد السَّرْخَسِيُّ، قالَ: أنشَدَنَا الأستاذُ أبو عليٍّ؛ أحمدُ بن محمَّد المعروفُ بمِسْكَوَيْه، قالَ: أنشَدَنَا المُتنبِّي:
قالَ: قيلَ للمُتنبِّي: على مَن تنبَّأتَ؟. قالَ: على الشُّعَراءِ، فقيل لكلِّ نبيٍّ مُعجزةٌ، فما مُعْجِزتُك؟. قالَ: هذا البيتُ.
قالَ أبو الحَسَن؛ عليُّ بن محمَّد بن عليِّ بن فُوَرَّجَة:
ولَقِيتُ بعضَ المُتكلِّفين الذين يزعمون أنَّهم لقوا أبا الطَّيب، وقرؤا عليه شِعْرَه، يزعمُ أنَّه حُبِسَ على هذا البيت. وقالَ له عليُّ بن محمَّد الأنطاكي: ما هذه الجُرأة عليَّ، ومواجهتُكَ إيَّايَ بهذا المقال في السَّلاطين وأنا مِنهم؟!. فاعتذَرَ بأنْ قالَ: إنَّما عَنَيتُ مَقْتَهم إيَّايَ لا مَقْتِي لهم. وعَنَيتُ بالنَّسْر الأخذَ والاختطافَ. يقالُ: نَسَرْتُ أنسُرُ نَسْرًا؛ أي خَطَفْتُ. وعَنَيتُ بالجماجم الأكابرَ والسَّاداتِ. فقلتُ له: فما صَنَعَ بقوله:
فلَمْ يُحِرْ جوابًا. وهذا مِن الكذِبِ الذي لا يُبارِكُ اللَّه فيه؛ إذ الرَّجلُ له في ذاكَ عادةٌ، وهو يَعُدُّه جُرأةً وقدرةً وقلَّةَ احتفالٍ. ألا تراه يقولُ:
وقوله:
وقرَأتُ في رسالةِ عليِّ بن منصور الحَلَبيِّ؛ المعروفِ بدَوخَلَة، وهي التي كتبها إلى أبي العَلاءِ بن سليمانَ، وأَجَابَهُ عنها برسالة الغُفْران، وذمَّ فيها أبا الطَّيِّب المُتنبِّي، وقالَ: وذكرَ ابنُ أبي الأزْهَر، والقُطْرُبُّلِّيُّ في التَّاريخ الذي اجتمَعَا على تصنيفِه، أنَّ الوزيرَ عليَّ بن عيسى أحضَرَه إلى مجلِسِه، فقالَ له: أنتَ أحمَدُ المُتنبِّي؟. فقالَ: أنا أحمَدُ النَّبيُّ، ولِيَ علامةٌ في بَطْني؛ خاتَمُ النُّبوَّة، وأرَاهُم شَبيهًا بالسَّلْعَةِ على بَطْنِه فأمَرَ الوزيرُ بصَفْعِه، فصُفِعَ وقُيِّدَ، وأمَرَ بحبْسِه في المُطْبَق.
ابن العديم: ثمَّ طَالَعتُ التَّاريخَ المُشارَ إليه، فقَرأتُ فيه حوادثَ سنة اثنتين وثلاثِ مِئة، قالَ: وفيها جَلَسَ الوزيرُ عليُّ بن عيسى للنَّظَر في المَظالم، وأُحْضِرَ مَجْلِسَه المُتنبِّي، وكانَ محبوسًا؛ ليُخْلِي سبيلَه، فنَاظَرَه بحضرةِ القُضَاةِ والفُقهاءِ، فقالَ: أنَا أحمَدُ النَّبِيُّ، ولي علامةٌ في بطني؛ خاتمُ النُّبوَّة، وكشَفَ عن بطنِه، وأرَاهم شبيهًا بالسَّلْعَةِ على بطنِه، فأمَرَ الوزيرُ بصفْعِه فَصُفِع مئةَ صفعةٍ، وضَرَبَهُ وقيَّدَه، وأمرَ بحبسِه في المُطَبَّق.
ابن العديم: فبَانَ لي أنَّ أبا الحَسَن؛ عليَّ بن منصورٍ الحَلَبيَّ، رأى في تاريخ ابن أبي الأزهر والقُطْرُبُّلِّيِّ ذِكْرَ أحمَد المُتنبِّي، فظنَّه أبا الطَّيب؛ أحمَدَ بن الحُسَين، فوقَعَ في الغَلَطِ الفَاحِش؛ لجَهْلِه بالتَّاريخ، فإنَّ هذه الواقعة مذكورةٌ في هذا التَّاريخ في سنةِ اثنتين وثلاثِ مِئة، ولم يكن المُتنبِّي وُلِدَ بَعْدُ؛ فإنَّ مولِدَه، على الصَّحيح، في سنة ثلاثٍ وثلاثِ مِئةٍ، وقيلَ: إنَّ مولِدَه سنةَ إحدى وثلاثِ مِئةٍ، فيكونُ له مِن العُمْر سنةٌ واحدةٌ، وأبو محمَّد؛ عبدُ الله بن الحُسين، الكاتبُ القُطْرُبُّلِّيُّ ومحمَّدُ بن أبي الأزهر، ماتا جميعًا قبل أن يتَرَعْرَع المُتنبِّي ويُعْرَفَ.
ابن العديم: وهذا المُتنبِّي الذي أحضَرَه عليُّ بن عيسى، هو رجلٌ مِن أهل أصبَهان تنَبَّأَ في أيَّام المُقْتَدِر، يُقالُ له أحمَد بن عبد الرَّحيم الأصفهانيُّ. ووَجَدتُ ذِكْرَه هكذا منسوبًا في كتاب عبيد الله بن أحمد بن طاهر الذي ذيَّلَ به كتابَ أبيه في تاريخ بغدَاد.
وحُدِّثْتُ أنَّه كانَ إذا سُئِلَ عن حقيقة هذا اللَّقَب، قالَ: هو مِن النَّبْوَة؛ أي المُرْتَفِع مِن الأرض. وكانَ قد طَمِعَ في شيءٍ قد طَمْعَ فيه مَن هو دونَه، وإنَّما هي مقاديرُ يُديرُها في العُلُوِّ مُدِيرٌ، يَظْفَرُ بها مَن وُفِّقَ، ولا يُرَاعُ بالمُجتهد أنْ يُخْفِقَ. وقد دَلَّتْ أشياءُ في ديوانه أنَّه كانَ مُتَألِّهاً، ومِثْلَ غيرِه مِن النَّاس مُتَدَلِّهاً؛ فمِن ذلك قولُه:
وقولُه:
وإذا رُجِعَ إلى الحقائق، فَنُطْقُ اللِّسان لا يُنْبِئُ عن اعتقاد الإنسان؛ لأنَّ العَالَمَ مَجْبُولٌ على الكَذِبِ والنِّفاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُظْهِر الرَّجلُ بالقَول تَدَيُّناً، وإنَّما يجعَلُ ذلك تَزَيُّناً، يريدُ أنْ يَصِلَ به إلى ثَنَاءٍ، أو غَرَضٍ مِن أغراض الخَالِبَة أمِّ الفَنَاءِ، ولعَلَّه قد ذَهَبَ جماعةٌ همْ في الظَّاهر مُتَعَبِّدون، وفيما بَطَنَ مُلْحِدُون.
الخصومة حوله: الحسّاد والهجاء وسرقاته
كثرة الواشين الحاسدين له٣ أخبار
قالَ الوحيدُ الأزديُّ في بيت المتنبِّي:
كانَ مَحسُودًا بحَضْرَته؛ فكلٌّ يبغيه الغَوَائلَ، ويتبعُ عَثَراتِه، وكان قليلَ الحِلمِ والثبَّاتِ تحتَ مثلِ هذا، فإذا كثُرَ عليه الأذى مِن القومِ عادَ بالعِتابِ إلى سيفِ الدَّولةِ، وهو ظالمٌ له؛ لأنَّ سيفَ الدَّولةِ كانَ أعظمَ قدرًا وأكرمَ نفسًا مِن أنْ يدخُلَ في هذه الأمور، وكانَ يُنفِقُ مالَه للحَمدِ، ولا يسْتَذِمُّ إلى أحدٍ، وأرادَ هو مِنه النُّصْرَةَ عليهم، وكُلِّفَ مِن هذا شَطَطًا. وقالَ: في بيت أبي الطَّيِّبِ:
تعتَّبَ وتَظَلَّمَ، وكانَ هو الظَّالِمَ لنفسِه. كان المُتَنبِّي في طبعِه استدعاءُ عَداواتِ النَّاس؛ لأنَّه كانَ عِرِّيضًا كثيرَ التَّعريضِ والتَّصريحِ لِنُدماءِ سيفِ الدَّولةِ، شديد الزَّهو والافتخارِعليهم، فإذا جاءَ بمثلِ هذه المواضعِ عارضُوه، وخاضوا فيها فَيُثْمِرُ ذلك بينهم، وكانوا عُصبةً، فآلَ الأمرُ إلى أن غَلَبُوه وأزعجوهُ عن حضرةِ سيف الدَّولةِ، وأخرجوهُ مِن نعمتِه. وقالَ في بيت المتنبِّي:
هذا يدلُّ على أنَّه لم يظلِمْهُ، وإنَّما كان يُكَلِّفُ سيفَ الدَّولةِ التَّغيُّرَ على نُدماءَ صُحبتُهم له قديمةٌ، ولو شَاءَ المُتنبِّي لأصلَحَهم بالحِلم والصَّبر. وقالَ في قولِ أبي الطَّيِّبِ:
إنَّما يعني العبَّاسَ العلَويَّ؛ الذي بطَبَريَّةَ، هجاهُ ظالِمًا له، وله معه حديثٌ مشهورٌ، ولو لم يكن بين العَلَويِّ وبينَ الحسَن بن عبيد اللَّه عداوةٌ، ولكنَّها مِن عادَاتِ المتنبي أن يمدَحَ رجلًا، ويذكرَ غيرَه في شعره، كأنَّه يُخَوِّفُه مثلُ ذلك ويَهُزُّه.
وقالَ في قولِ أبي الطَّيِّبِ:
وربَّما أوهَمَ الممدوحَ أنَّه أشرفُ مِن المهجوِّ، على حسدٍ أو عداوةٍ، فيُغريه به.
قالَ لي أبي: فأمَّا أنا فإنِّي سألتُه بالأهواز في سنةِ أربعٍ وخمسينَ وثلاثِ مئة، عند اجتيازه بها إلى فارس، في حديثٍ طويلٍ جرى بيننا عن معنى (المُتنبِّي)؛ لأنِّي أردتُ أنْ أسمعَ مِنه هل تنبَّأَ أم لا؟. فأجابني بجوابٍ مُغالطٍ لي؛ وهو أنْ قالَ: هذا شيءٌ كان في الحَداثة أوْجَبَتْه الصُّورةُ، فاسْتَْحَييتُ أن أسْتَقْصي عليه وأمسكتُ. وقالَ لي أبو عليٍّ؛ ابنُ أبي حامِدٍ: قالَ لي أبي، ونحنُ بحَلَبَ، وقد سَمِعَ قومًا يحكُون عن أبي الطَّيِّب المُتنبِّي هذه السُّورةَ التي قدَّمنا ذكرَها: لولا جهلُه!. أينَ قولُه: امضِ على سَنَنِكَ... إلى آخر الكلام، مِن قولِ اللَّه تعالى: «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ»، إلى آخر القِصَّة، وهل تَتَقَارَبُ الفَصاحةُ فيهما!. أو يشتَبِه الكلامان؟!.
تزوير كتابٍ في سرقات المتنبي١ خبر
قالَ ياقوتُ الرُّوميُّ: وقرَأتُ في رسالةِ عليِّ بن منصور الحَلَبيِّ؛ المعروفِ بابنِ القَارحِ، ويُعْرَفُ بدَوخَلَةَ، قالَ: كانَ أبو محمَّد ابنُ وَكِيعٍ التِّنِّيسيُّ سِمْسَارًا فِي بَلَده، وكانَ متأدِّباً ظَريفاً، ويَقُولُ الشِّعرَ، وسَأَلَني يومًا أن أخرُجَ مَعَه إِلَى (تُوَنَة) لنَشْرَبَ، فَخَرَجتُ مَعَه، واستَصْحَبَ مُغَنِّياً يُعْرَفُ بِابْن دَيَّار، فلمَّا غَنَّى طَرِبَ، فأمَرَه ألَّا يُغَنِّيه إلَّا بِشِعْره، فغنَّى:
وكانَ قد عمِلَ كتابًا في سَرِقاتِ المتنبِّي وحافَ عليه كثيرًا، وعَذَلتُه فَلم يرجِعْ، فقلتُ لهُ: هَل تُثْقِلُ عَلَيْك الْمُوَاقَفَةُ؟. قَالَ: لَا، قلتُ: أبياتُكَ مَسروقةٌ؛ الأوَّلُ مِن قَولِه:
وَالثَّانِي مِن قَولِ رُؤْبَة:
فَقَالَ: وَاللَّه مَا سَمِعتُ بِهَذَا، فَقلتُ فَإِذا كَانَ الأَمرُ على هَذَا، فَاعْذُرِ المُتَنبِّي على مِثلِه، ولا تُبَادِر إلى الحَطِّ عليه ولا المؤاخَذَة له.
هجاء الشعراء لأبي الطيب، وإجابته لهم٩ أخبار
أخبَرَني ياقوتُ بن عبد اللَّه الحمَويُّ، قالَ: وَقَعَ لي كتابٌ مُصنَّفٌ في أخبارِ أبي الطَّيِّب، صغيرُ الحَجْم، تصنيفُ الأستاذ أبي القاسم؛ عُبيدِ الله بن عبد الرَّحيم الأصفهانيِّ، وذَكَرَ فيه ادِّعاءَه النُّبوَّة، وقالَ فيه: وقد هَجَاهُ الشُّعَراءُ بذلك، فقالَ الضَّبُّ الضَّريرُ الشَّاميُّ فيه:
ويُروَى: قَبْلَ العِشَاءِ، فأجابَه المُتنبِّي، فقالَ:
قالَ: وهَجَاهُ شاعرٌ آخرُ، فقالَ، وقيل: هو الضَّبُّ أيضًا:
فأجابَه بأبياتٍ، وهي:
أخبَرَنا أبو القاسِم؛ عبدُ اللَّه بن الحُسين بن عبد اللَّه بن رَوَاحة الحَمَويُّ، وأبو يعقوبَ؛ يوسفُ بن محمود السَّاويُّ الصُّوفيُّ، قالَا: أخبَرَنا أبو طاهرٍ؛ أحمدُ بن محمَّد بن أحمدَ السِّلَفِيُّ؛ إجازةً، إنْ لم يكُن سَمَاعًا، قالَ: سمِعتُ أبا عبد اللَّه، الحُسينَ بن عليِّ بن همَّام الحُسَينيَّ الطَّالَقَانيَّ، ببغدادَ، يقولُ: هجَا أبو عبد اللَّه ابن الحَجَّاج أبا الطَّيِّب المُتنبِّي لمَّا دَخَلَ بغدادَ بمُقَطَّعاتٍ؛ منها:
فلمَّا بَلَغَ أبَا الطَّيِّب، قالَ:
كذَا رَوَاهُ السِّلَفِيُّ (هُبِّي)، والمَحْفُوظُ (صُبِّي).
أنبَأَنا أبو الحَسَن؛ عليُّ بن أبي عبد اللَّه ابن المُقَيِّر، عن أبي عليٍّ؛ الحَسَن بن جعفر ابن المتوكل البغداديِّ، ونقَلْتُه مِن خَطِّه، قالَ: حدَّثني الشَّيخُ الإمامُ الفَصيحِيُّ، وقتَ قراءتي عليه ديوانَ أبي الطَّيِّب؛ أحمَد بن الحُسَين المُتنبِّي، وهو ابنُ عِيدَان السَّقَّاء، قالَ: قدِمَ بعضُ الأشراف مِن الكوفة فدَخَل إلى مجلِسٍ فيه المُتنبِّي، فَنَهَضَ النَّاسُ كلُّهم له سِوى المُتنبِّي، فجَعَل كلُّ واحدٍ مِن الحاضرين يسأَلُه عن الأحوال بالكوفة، ومَا تجَدَّد هناك، فقالَ له المُتنبِّي: يا شَريفُ كيف خلَّفتَ الأسعارَ بالكوفة؟. فقالَ: كلُّ رَاوِيَةٍ برَطْلَينِ خُبْزٍ فأخْجَلَه. وقَصْدُ الشَّريفِ أنْ يُعَرِّضَ بأنَّ أباهُ كانَ سَقَّاءً.
ذَكَرَ كمالُ الدِّين؛ أبو بكر ابن الشَّعَّار؛ في كتاب (تُحْفَة الوزراء)، وقالَ: قرأتُ في بعض المَجاميع أنَّ المُطَوَّقَ الشَّاعر شَخَصَ إلى مِصر، ودعاهُ الوزير أبو الفضل؛ جعفرُ بن الفَضْل؛ المعروف بابن حِنْزَابة، فقال له: أُحِبُّ أنْ تهجوَ المَتنبِّي ببيتين مِن الشِّعْر يسيران في ألْسُن العامَّة، وكانَ يشتهي أنْ يمدَحَه، فلَم يُجِبْهُ المُتنبِّي، فقالَ المُطَوَّقُ:
فلمَّا بَلَغَ ذلكَ المُتَنبِّي قالَ:
ذَكَرَ أبو عبد اللَّه؛ ابن خَالَوَيه في أماليَ أملَاها أنَّه جَرى بينَه وبينَ المُتنبِّي كلامٌ آلَ به إلى أنْ قالَ له في مَجْلِس سيف الدَّولة: وهذا ابن بطَّة يقولُ فيكَ؛ لأنَّ أباكَ عِيدانُ السَّقَّاء:
الطَّرسُوسيُّ النَّجْرانيُّ الشَّاعرُ: وقفتُ على شيءٍ مِن شِعره في أمالي أبي عبد اللَّه؛ ابن خَالَوَيه، بخطِّ عليِّ بن ثَرْوانَ الكِنْديِّ، ذَكَرَ أنَّه نقلَه مِن خطِّ ابن خَالَويه، قالَ في أثنَاء كلامٍ جرى بينَه وبينَ المُتنبِّي في مجلِس سيف الدَّولة ابن حمدان: وهذا الطُّرسُوسيُّ النَّجْرَانيُّ، يقولُ فيكَ يومَ أرْجَفَ بقتلِكَ:
قرأتُ في كتابِ أبي القاسِم؛ عبيد اللَّه بن عبد الرَّحيم الذي وضَعَه في أخبار الشُّعراء، قالَ: حدَّثني أبو نَصْرٍ؛ ابن نُبَاتَة، قالَ: كانَ الشَّيظَمِيُّ الشَّاعرُ أحدَ مُعَلِّمي سيفِ الدَّولة، وكانَ يتَبَسَّطُ عليه بدَالَّةِ التَّربيَة والصُّحْبة... وكانَ سيفُ الدَّولة، على مَا حُكِيَ، يُكَايِدُه بمَا يفْعَلُه مع المُتنبِّي، ويقصِدُ مُغَايَظَتَه، ويُنفِذُ إليه في اللَّيل مَن يَدُقُّ عليه بابَه، ويُزْعِجُه، بأنْ يقولَ له: إنِّي رسولُ الأمير إليك، فإذَا تكَلَّفَ الخروجَ إليه، واستعلامَ مَا حَضَرَ فيه، قالَ له: ألَسْتَ المُتنبِّي؟. فيقولُ: لا، ثمَّ يعودُ عليه بالشَّتْم، وعلى مَن أنفَذَه، وعلى المُتنبِّي الذي ذَكَرَه.
قالَ ابنُ نُبَاتَة: وحمَلَ إليه يومًا مع بعض أصحابه ثيابًا كثيرةً وطِيبًا، ودنانيرَ لها قَدْرٌ، ووصَّى رسُولَه بأنْ يُسَلِّم إليه الجَميعَ فإذا حَصَلَ في قَبْضَته، قالَ له: أليسَ الشَّيخُ هو المُتنبِّي؟. والْتَمَسَ خَطَّه بالوصُول، ففعل الرَّسولُ ما أمَرَه به، فعَظُمَ هذا على الشَّيظَميِّ وسَبَّه وألقى مَا سَلَّمَه إليه في وجهه فارتَجَعَه الرسَّول وانكَفَأَ به، فلمَّا كانَ في اللَّيل استدعاهُ، وداعَبَه وأعادَ إليه الصِّلةَ جميعَها.
قرأتُ في كتاب (المُفَاوضة)؛ تأليف أبي الحَسَن؛ محمَّد بن علي بن نصر الكاتب بخطِّه، وأخبَرَنا بذلك أبو اليُمْن؛ زيد بن الحَسَن الكِنديُّ؛ إذنًا، قالَ: كان الشَّيظَميُّ مُنقطعًا إلى سيف الدَّولة قبلَ وُرُود المُتنبِّي إليه، يقولُ شعرًا مُخْتَلَّ النَّسْجِ مُضْطَربَ النَّظم، حتَّى إذا قامت للمُتَنبِّي سُوقٌ عند سيف الدَّولة دَخَلَه شَبِيهُ شيطانٍ، فقالَ شعرًا جيِّدًا.
زعم فساد اعتقاد أبي الطيب من خلال شعره٤ أخبار
وقالَ لي ياقوتٌ الحمَويُّ: وذَكَرَ الأستاذُ أبو القاسم؛ عبيدُ اللَّه بن عبد الرَّحيم الأصفهانيُّ، في أخبار أبي الطَّيِّب، قالَ: وقد تعَلَّقَ قومٌ ممَّن يتَعَصَّبُ على المُتنبِّي فانتَزَعَ مِن شعرِه أبياتًا زعَمَ أنَّها تدُلُّ على فسَادِ اعتِقادٍ، وقد جَعَلَ لها مَن يَتَعَصَّبُ له وجهًا؛ منها:
قالُوا: هذا البيتُ مِن اعتقَادِ السُّوفُسْطَائيَّة. وقولُه في أُخرى:
قالُوا: فهذا يُنْبِئُ عن اعتقادِ الحَشِيشيَّة. وقولُه في أُخرى:
قالُوا: فهذا مَذْهبُ مَن يقولُ بالنَّفْس النَّاطِقَة. وقولُه في عضُد الدَّولة:
فهذا مَذْهَبُ الهَوَائيَّة وأصحابِ الفَضَاءِ. وقولُه في ابن العَمِيد:
قالُوا: فهذا مَذْهَبُ أهلِ النُّجُوم.
وهو في الجُملة خبيثُ الاعتقاد؛ حيثُ كانَ في صِغَره وَقَعَ إلى واحدٍ يُكَنَّى أبا الفَضْل بالكوفة؛ مِن المُتَفَلْسِفة، فهَوَّسَه وأضَلَّه كمَا ضَلَّ.
قالَ الوحيدُ الأزديُّ: وقد كانَ لعَمْري مُتَّهَمًا في دِينه.
قالَ الوحيدُ الأزديُّ: والمتنبي صَحِبَ الصُّوفيةَ بالشَّامِ سنينَ، وهم بالشَّام جمعٌ وَنَفَاقٌ عند أهله، وأغلاهم طائفةٌ يُقالُ لهم: أهلُ عين الجَمعِ، يرون أنَّ الحركَاتِ على اختلافها في الحواسِّ حركةٌ واحدةٌ مِن الأصلِ، وإنَّما تختلفُ على قدر الآلة التي تظهرُ منها الحركةُ، فالفيلُ عندهم والنَّملةُ حركتُهما واحدةٌ مِن الأصل، ثم يَرمون مَرْمًى لا تجوزُ حكايتُه، وكان المتنبي أغرَقَ في قولهم، فصحِبَتْهُ ألْفاظُهم بعد فراقِهم، وهو عيبٌ في صِناعةِ الشِّعرِ.
ترفعه عن إجابة الحساد٣ أخبار
قَالَ أبو بكر الخُوارزميُّ: وَلمَّا قَدِمَ أَبُو الطَّيب مِن مِصْرَ بَغْدَادَ، وتَرَفَّعَ عَن مدح المُهَلَّبيِّ الوَزير؛ ذَهَابًا بنَفسِهِ عَن مدح غير الْمُلُوك، شقَّ ذَلِك على المُهَلَّبيِّ، فأغْرَى بِهِ شُعَراءَ بَغْدَاد حَتَّى نَالوا مِن عِرْضِه، وتَبَارَوا فِي هِجائِه، وَفِيهِم ابنُ الحجَّاج، وَابنُ سُكَّرة؛ مُحَمَّدُ بن عبد اللَّه الهَاشِمِيُّ، والحَاتميُّ، وأسمَعُوه مَا يَكْرَه، وتَمَاجَنوا بِهِ، وتَنَادَروا عليهِ، فَلم يُجِبْهم، وَلم يُفَكِّر فيهم. وَقيلَ لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي فَرَغْتُ مِن إجابتِهم بِقَولِي لِمَنْ هم أرْفَعُ طَبقَةً مِنْهُم فِي الشُّعَرَاء:
وَقَوْلِي:
وَقَوْلِي:
قَالَ: وَبلَغَ أَبَا الحُسَيْن ابن لَنْكَك، بِالْبَصْرَةِ، مَا جرى على المُتَنبِّي مِن وقيعة شُعراء بَغْدَاد فِيهِ، واستحْقَارهم لَهُ، وَكَانَ حَاسِدًا لَهُ، طاعنًا عَليهِ، هَاجيًا إِيَّاه، زاعمًا أَنَّ أَبَاهُ كَانَ سَقَّاءً بِالكُوفَةِ، فشَمِتَ بِهِ، وَقَالَ:
قَالَ: وَمِن قَوْلِه فِيهِ:
ثمَّ إِنَّ أَبَا الطَّيب المُتنبِّي اتَّخَذَ اللَّيلَ جَمَلًا، وَفَارَقَ بَغْدَاد مُتَوَجِّهًا إِلَى حَضْرَة أبي الفضْل ابن العَميد، مُرَاغمًا للمُهَلَّبيِّ الوَزيرِ، فَوَرَدَ أرَّجَانَ وَأُحْمِدَ مَورِدُه.
الثعالبي: فيُحْكَى أَنَّ الصَّاحِبَ أَبَا الْقَاسِم طَمِعَ فِي زِيَارَة المُتَنبِّي إِيَّاه بأصْبَهان، وإجرائِه مَجْرى مَقْصُوديه مِن رُؤَسَاءِ الزَّمَان، وَهُوَ إِذْ ذَاك شَابٌ، وحالُه حُوَيلَةٌ، وَلم يكن اسْتَوْزَرَ بعدُ، وَكَتَبَ إِلَيهِ يُلاطِفُه فِي اسْتِدْعائِه، وتَضَمَّنَ لَهُ مُشَاطَرَتَه جَمِيع مَالِه، فَلمْ يُقِمْ لَهُ المُتنبِّي وَزْنًا، وَلم يُجِبهُ عَن كِتَابه وَلَا إِلَى مُرَاده، وَقَصَدَ حَضْرَةَ عَضُد الدَّولة بشِيرازَ، فأَسْفَرَت سَفْرَتُه عَن بُلُوغ الأُمْنيَّة، ووُرُودِ مَشْرَع المَنِيَّة، واتَّخَذَه الصَّاحِبُ غَرَضًا يَرْشُقُه بسِهَام الوَقيعَة، ويَتَتَبَّعُ عَلَيهِ سَقَطَاته فِي شِعْره وهَفَوَاته، ويَنْعِي عَلَيهِ سَيِّئاتِه، وَهُوَ أعرفُ النَّاس بحَسَنَاته، وأحفَظُهم لَهَا، وَأَكْثَرُهم اسْتِعْمَالًا إِيَّاهَا وتَمَثُّلًا بهَا فِي مُحاضَراتِه ومُكَاتبَاته، وَكَانَ مَثَلُه مَعَه كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وكمَا قَالَ الآخرُ:
وكانَ السَّبَبُ في قصْدِه أبا الفَضْلِ؛ ابنَ العَميد، على مَا أخبَرَني أبو عليِّ بن شَبِيب القَاشَانيُّ، وكانَ أحدَ تَلامِذَتي، ودَرَسَ عليَّ بقَاشَان، سنةَ ثلاثِ مئةٍ وسبعين، وتَوَزَّرَ للأصْفَهْبَد بالجبل، وأبوه؛ أبو القاسِم، تَوَزَّرَ لوَشْمَكير بجُرْجَان، عن العَلَويِّ العبَّاسِيِّ؛ نَديم أبي الفَضْل؛ ابن العميد، الذي يقولُ فيه:
أنَّ المَعروفَ بالمُطَوَّقِ الشَّاشِيِّ، كانَ بمِصْرَ وقتَ المُتَنبِّي، فعَمَدَ إلى قصيدتِه في كافور: (أُغالبُ فيك الشَّوقَ والشَّوقُ أغْلَبُ)، وجَعَلَ مكانَ (أبا المِسْك) أبَا الفَضْلِ، وسارَ إلى خُرَاسان، وحَمَلَ القصيدةَ عن المُتنبِّي إلى أبي الفَضْل، وزَعَمَ أنَّه رسُولُه، فوَصَلَه أبو الفَضْل بألفَي درهم، واتَّصَلَ هذا الخَبَرُ بالمُتنبِّي ببغدادَ، فقالَ: رَجُلٌ يُعْطي لحَامِل شِعري هذا فمَا تكونُ صِلَتُه لي.
ووَجدتُ في نُسخةٍ أخرى مِن شعره: حدَّثَ أبو جَعفر؛ محمَّد بن الحَسَن، قالَ: حضرتُ مجلِسَ المتنبِّي في دَخْلَتِه الثَّانية إلى بغداد، في دارِ أبي الحسنِ العروضيِّ، في رَبَضِ حُميد، وعِنْدَه جماعةٌ مِن الأدباءِ، ودخلَ عليه هارونُ بن المُنَجِّم، فَطَاوَلَه الحَديثَ، وكانَ يُنشِدُه مَا قالَه في وصف الحروب والخيل، فقالَ له هارونُ: أقولُ ما قال الشَّاعرُ:
فأُعجِبَ الخلقُ بهذا البيت، فأطرقَ المتنبِّي ساعةً، ثم قالَ:
فأُعْجِبَ مَن حَضَر بخاطِرِه وسرعةِ اقتِضَائِه هذا البيت، وإجازَتِه ما تقدَّمَ. (ابن أبي سعدة) قالَ أبو عبد اللَّه؛ ياقوتُ الحَمويُّ: وكانَ ابنُ العميدِ كثيرَ الانتقَادِ لشعرِ المتنبِّي؛ فلمَّا أنشَدَه القصيدة الأولى، قالَ له: يا أبا الطَّيِّب أتقولُ:
ثمَّ تقولُ بعدَه:
فسُرعانَ ما نَقَضْتَ ما ابتَدَأتَ به!. فقالَ: تلكَ حالٌ وهذه حالٌ، وقد تخْتَلفُ المقاصدُ.
شخصه وأدبه وفروسيته
إعجاب أبي الطيب بنفسه، وتيهه بها٢ خبران
قالَ الحَاتميُّ: ولمَّا وَرَدَ أحمَدُ بن الحُسَين المُتَنبِّي، ويُلَقِّبُه أحداثُ الشَّام والسَّوَاحِل (المُطَمِّع)؛ لقولِه:
مدينةَ السَّلام، مُنْصَرفاً عن مِصْرَ، ومُتَعَرِّضاً للوزير أبي محمَّدٍ المُهَلَّبي؛ للتَّخْييم عليه والمُقَام لَديه = الْتَحَفَ رِداءَ الكِبْر، وأذَالَ ذُيولَ التِّيه، وصَعَّرَ للعِراقِيينَ خَدَّه، وأرْهَفَ للخِصَامِ حَدَّه، ونَأَى بجَانبِه اسْتكبارًا، وثَنَى عِطْفَه جَبْريَّةً وازْورارًا، فكانَ لَا يُلاقي أحدًا إلَّا أعْرَضَ عنه تيهاً، وزَخْرَفَ القَولَ عليه تَمْويهاً يُخَيِّلُ عُجْباً إليه أنَّ الأدبَ مقصورٌ عليه، وأنَّ الشِّعْرَ بَحْرٌ لم يَرِدْ نَمِيرَ مائِهِ غيرُه... فَغَبَرَ جارياً على هذه الوَتيرة مُدَيدةً أجْرَرْتُه رَسَنَ البَغْي فيها، فظَلَّ يمْرَحُ في تِيهِهِ حتَّى تَخَيَّلَ أنَّه السَّابقُ الذي لَا يُجَارى في مِضْمَارٍ، ولَا يُسَاوَى عِذَارُه بعِذَارٍ، وأنَّه ربُّ الكلام، ومُفْتَضُّ عَذارى الألفاظ... وساءَ مُعِزَّ الدَّولة؛ أحمدَ بن بُويه، وقد صُوِّرَتْ حالُه؛ أنْ يَرِدَ حَضْرَتَه؛ وهي دارُ الخِلافة، ومُسْتَقَرُّ العِزِّ، وبيضَةُ المُلْك، رجُلٌ صَدَرَ عن حَضْرة سَيفِ الدَّولة؛ وكانَ عَدُوًّا مُبَايناً، فلَا يَلْقى أحدًا بمَمْلَكتِه يُسَاويه في صِنَاعته، وهو ذو النَّفْس الأبيَّة والعزيمة الكسرويَّة. (الحاتمي) وتخيَّلَ أبو محمَّد المُهَلَّبي، رجماً بالغيب، أنَّ أحدًا لا يستطيعُ مُسَاجَلَتَه، ولَا يَرى نفسَه كفوًا له، ولَا يَضْطَلِعُ بإعْنَاتِه، فضلًا عن التَّعَلُّق بشيءٍ مِن مَعَانيه، وللرُّؤَساءِ مَذاهِبُ في تعظيم مَن يُعَظِّمونَه، وتَفْخيمِ مَن يُفَخِّمُونه وتَكْرِمَة مَن يُرَاعُونَه ويُكَرِّمونَه. وربَّما حَالَت بهم الحَالُ وأوشَكُوا عَن هذه الخَليقَةِ بالانتِقَال، وتلكَ صورةُ الوزير أبي محمَّدٍ في عَوْدِهِ عن رأيه هذا فيه. (الحاتمي) فَنَهَدْتُ له مُتتبِّعًا عُوَارَه، ومُقَلِّمًا أظفَارَه، ومُذيعًا أسرارَه، وناشِرًا مَطَاويه، ومُنتَقِدًا مِن نظْمِه ما تَسَمَّحَ فيه، ومُتَحَيِّنًا أنْ تجْمَعَنا دارٌ يُشَارُ إلى ربِّها، فأجْري أنا وهو في مِضْمَارٍ يُعْرَفُ به السَّابقُ مِن المَسْبوق، واللَّاحِقُ مِن المُقَصِّر عَن اللُّحُوق... حتَّى إذا عَدَتْ عن اجتِماعنا عَوَادٍ مِن الأيَّامِ، قَصَدْتُ مُسْتَقَرَّه، وتحتي بَغْلَةٌ سَفْواءُ... يعلوها مركَبٌ رائعٌ كأنَّه كوكَبٌ وقَّادٌ... وبينَ يديَّ عِدَّةٌ مِن الغِلْمان الرَّوقَةِ، مماليكُ وأحرارٌ... ولم أورِدْ هذا مُتَبَجِّحًا ولَا مُتَكَثِّرًا بذِكْره، بل ذَكَرْتُه؛ لأنَّ أبا الطَّيِّب شَاهَدَ جَميعَه في الحَال، ولم تَرُعْهُ روعَتُه، ولا اسْتَعْطَفَه زِبْرِجُهُ، ولا زادَهُ ما شاهَدَ مِن تلكَ الجُملةِ الجَميلة التي مَلَأت أبَّهَةً طَرْفَهُ وقلبَه إلَّا عُجْبًا بنفْسِه، وسَحْبًا لِرِدَاءِ تِيهِه، وإعْرَاضًا عنِّي بوجْهِه. (الحاتمي) وقد كانَ أقامَ هناكَ سوقًا عندَ أُغَيْلِمَةٍ لم تَرُضْهُم العُلَماءُ، ولا عَرَكَتْهم رَحَى النُّظَرَاءِ، ولا أنْضَوا أفكارًا في مُدَارَسَة الأدب، ولا فَرَّقُوا بين حُلوِ الكلام ومُرِّه، وسَهْلِه ووَعْرِه، وإنَّما غايةُ أحدِهم مُطَالعةُ شِعْر أبي تمَّام، وتَعَاطي الكلام على نُبْذٍ مِن معَانيه، وعلى مَا تُعَلِّقُه الرُّواةُ ممَّا تَجَوَّزَ فيه، فألْفَيتُ هناكَ فِتيةً تأخذُ عنه شيئًا مِن شِعْره. (الحاتمي) فحينَ أوذِنَ بحُضُوري، واستُؤذِنَ عليه لدُخُولي، نَهَضَ مِن مَجْلِسِه مُسْرعًا، ووَارَى شَخْصَه عنِّي مُسْتَخْفيًا، وأعْجَلْتُه نازلًا عن البَغْلَةِ، وهو يَراني لانتهائي بها إلى حيثُ أخذَها طَرْفُة، ودخَلْتُ فأَعْظَمَتِ الجماعةُ قَدْري، وأجْلَسَتني في مَجْلِسِه، وإذا تحتَه أخْلاقُ عبَاءةٍ قد ألَحَّتْ عليها الحَوادثُ؛ فهي رُسُومٌ داثرةٌ وأسْلَاكٌ مُتَناثِرةٌ، فكان مِن سوءِ أدبه عندَ اللقاءِ ما أطويه ولا أُطيلُ عِنانَ القولِ فيه. فلم يَكُنْ إلَّا ريثَمَا جَلَسْتُ حتَّى خَرَجَ إليَّ، فَنَهَضْتُ فوَفَّيتُه حقَّ السَّلام غيرَ مُشَاحٍّ له في القيام؛ لأنَّه إنَّما اعتَمَدَ بنُهُوضِه عن الموضعِ ألَّا يَنْهَضَ إليَّ، والغَرَضُ كانَ في لقائِه غير ذلك. وحينَ لَقِيتُه تَمَثَّلْتُ بقولِ الشَّاعر:
فتَمَثَّلَ بقولِ الآخر:
وإذا به لَابِسٌ سَبعَةَ أقْبِيَةٍ، كلُّ قَبَاءٍ منها لَونٌ، وكُنَّا في وَغْرَةِ القَيظِ وجَمْرةِ الصَّيف... فجَلَسْتُ مُسْتَوفِزًا، وجَلَسَ مُتَحَفِّزًا، وأعْرَضَ عنِّي لاهياً، وأعْرَضْتُ عنه سَاهياً، أؤَنِّبُ نفسي في قصْدِه، وأُسَخِّفُ رأيَها في تَكَلُّف مُلاقاتِه. فَغَبَرَ هُنَيهَةً ثانيًا عِطْفَه لا يُعِيرني طَرْفَه، وأقبَلَ على تلكَ الزِّعْنِفَةِ التي بينَ يديه، وكلٌّ يومىءُ إليه ويوحي بلَحْظِه، ويشُيرُ إلى مكاني بيدِه، ويوقِظُه مِن سِنَةِ جهلِه، ويأبَى إلَّا ازْورارًا ونِفَارًا، وعُتُوًّا واستِكْبارًا. ثمَّ رأى أنْ يثْني جَانِبَه إليَّ، ويُقْبِلَ بعضَ الإقبالِ عليَّ، فأقسَمْتُ بالوفاءِ والكرمِ؛ فإنَّهما مِن مَحَاسِن القَسَم، أنَّه لم يَزِدْ على أنْ قالَ: أَيش خَبَرُكَ؟. فقلتُ: بخيرٍ، لولا مَا جَنَيتُ على نفسي مِن قصْدِك، ووَسَمتُ به قَدْري مِن مَيْسَم الذُّلِّ بزيارتِكَ، وتَجَشَّمْتُ رأيي مِن السَّعي إلى مثلكَ؛ ممَّن لم تُهَذِّبه تجربةٌ، ولا أَدَّبَتْهُ بَصيرَةٌ، ثمَّ تَحَدَّرتُ عليه تحدُّرَ السَّيل إلى قَرَارةِ الوادي، وقلتُ له: أبِنْ لي مِمَّ تِيْهُكَ وخُيَلاؤكَ وعُجْبُكَ وكِبرياؤكَ؟. ومَا الذي يوجِبُ ما أنت عليه مِن الذَّهاب بنفسِكَ، والرَّميِ بهمَّتكَ إلى حيثُ يقصُرُ عنه بَاعُكَ، ولا تَطولُ إليه ذِراعُك؟. هلْ هاهُنا نَسَبٌ انتَسَبْتَ إلى المَجْدِ بهِ، أو شَرَفٌ عَلِقْتَ بأذيَاله، أو سُلْطانٌ تَسَلَّطْتَ بِعِزِّه، أو عِلْمٌ تَقَعُ الإشارةُ إليكَ به؟. (الحاتمي) إنَّكَ لو قَدَّرتَ نفسَكَ بقدرِها، أو وَزَنْتَها بميزانها، ولم يذهَبْ بكَ التِّيهُ مذهبًا، لمَا عَدَوتَ أنْ تكونَ شاعرًا مُتَكَسِّبًا، فامْتُقِعَ لَونُه، وعَصَبَ ريقُه، وجعَلَ يَلينُ في الاعتذَار، ويرغَبُ في الصَّفْح والاغْتفَار، ويُكَرِّرُ الأيمانَ أنَّه لم يُثْبِتْني، ولا اعتَمَدَ التَّقصيرَ بي، فقلتُ: يا هذا إنْ قَصَدَكَ شريفٌ في نسبِه تجاهَلْتَ نسبَه، أو عظيمٌ في أدبِه صغَّرتَ أدبَه، أو مُتَقَدِّمٌ عند سُلطانِه خَفَضْتَ منزلتَه، فهل المجدُ تُراثٌ لكَ دونَ غيركَ؟. كلَّا واللَّه، لكنَّكَ مَدَدْتَ الكِبْرَ سِترًا على نقْصِكَ، وضَرَبتَه رُواقاً حَائلًا دونَ مُبَاحَثَتكَ، فعَاوَدَ الاعتذارَ، فقلتُ: لا عُذْرَى لك مع الإصرار. (الحاتمي) وأخَذَت الجماعةُ في الرَّغبة إليَّ في مُيَاسَرَتِه وقبولِ عُذْره، واستعمالِ الأنَاةِ التي يسْتَعْمِلُها الحَزَمَةُ عند الحفيظة، وأنَا على شَاكِلَةٍ واحدةٍ في تقريعِه وتوبيخِه وذمِّ خليقتِه، وهو يؤكِّدُ القَسَمَ أنَّه لم يَعْرفْني معرفةً ينتهِزُ معها الفُرصَةَ في قضَاءِ حقِّي، فأقولُ: ألم يُسْتأذَنْ عليكَ باسْمي ونسَبي؟. أمَا في هذه الجماعةِ مَن كانَ يعرِفُني لو كنتَ جَهلتَني؟. وَهَبْ أنَّ ذلكَ كذلكَ، ألَم تَرَ شَارَتي؟. أمَا شَمَمْتَ نَشْرَ عِطري؟. ألم أتَمَيَّز في نفسك عن غيري؟. وهو في أثناء ما أخاطَبُه به وقد ملأتُ سمعَه تأنيباً وتفنيدًا، يقولُ: خَفِّضْ عليك!. اكْفُفْ مِن غَرْبِكَ!. ارْدُدْ مِن سَورَتِكَ!. اسْتَأْنِ؛ فإنَّ الأناةَ مِن شَيَم مِثْلكَ. (الحاتمي) فأَصْحَبَ حينئذٍ جَانبي له، ولَانَتْ عريكتي في يدِه، واستَحيَيتُ مِن تَجَاوز الغاية التي انتَهيتُ إليها في مُعاقَبَته، وذلكَ بعد أنْ رُضْتُه رياضَةَ القَضيب مِن الإبل، والفِلو المُفْتَلَى عن أمِّه مِن الخيل، وأقبَلَ عليَّ مُعَظِّماً، وتَوَسَّعَ في تقريظي مُفَخِّماً، وأقسَم أنَّه يُنَازِعُ مُنْذُ ورَدَ العِراقَ مُلاقَاتي، ويَعِدُ نفسَه بالاجتماع معي، ويُشَوِّقُها التَّعَلُّقَ بأسبابِ مَوَدَّتي.
قالَ الرَّبَعِيُّ: وحُكِيَ عنْ بَعْضِ مَن كَانَ يأنَسُ إليه ابنُ العَميد، قالَ: دَخَلتُ يومًا إليه، قبلَ أنْ يتَّصِلَ به المُتنبِّي، فوجَدْته وَاجِمًا، وكانت قد مَاتت أختُه عن قريب، فظَنَنتُه واجدًا لأجلِها، فأخذْتُ أُعزِّيه وأُسَلِّيه، فقالَ: ويحَكَ، ما وُجُومي لأجلِ مَا ظَنَنْتَ!. فقُلتُ له: فلا يَحْزُنِ اللَّه الوزيرَ مَا الخَبْرُ؟. قالَ: إنَّه لَيَغِيظُني أمرُ هذا المُتنبِّي، واجتهادي في أنْ أُخْمِلَ ذِكْرَه، وقد وَرَدَ عليَّ نَيِّفٌ وستُّون كتابًا في التَّعْزيَة مَا مِنها كتابٌ إلَّا وقد صُدِّرَ بقولِ المتنبِّي:
فكيف السَّبيلُ إلى ما اعْتَمَدنا عليه في إخْمَادِ ذِكْره؟. فقلتُ: القَدَرُ لا يُغَالَبُ، والرَّجُلُ ذو حظٍّ مِن إشاعَةِ الذِّكْر، واشتِهَار الاسم، فالأولى ألَّا يُشْتَغَلَ بمَا هذا سَبِيلُه.
حسن تصرفه في العربية٢ خبران
قالَ ابنُ جنِّي في بيتِ المتنبِّي:
وبَلَغَني أنَّ بعضَ مَن قَرَأَ على المتنبِّي شعرَهُ، رواهُ عنهُ بِفَتْحِ اللَّامِ مِن حرفِ (لالِنْتِظَارُ). وقال هذا الرَّاوي أيضًا: سَألتُ المتنبيَ عَن فَتْحِ اللَّامِ مِن (لالِنْتِظَارُ)، فقالَ: اجتمعَ ساكِنَانِ هي والنُّونُ فتَحَرَّكَتْ بحركةِ ما قبلها وهي اللَّامُ مِن (لا)، ولو كانتْ مكسورةً لَكُسِرَتْ، كقولِكَ: لِلاِنْتِظَارِ. هذا لفظُهُ الذي حكاهُ عنهُ نصًّا. ولم يجرِ بيني وبينَ المُتنبي في هذا شيءٌ وقْتَ القراءَةِ ولا بعدَ ذلكَ. وظَنِّي أنَّهُ لو كانَ يَرَى هذا القولَ المَحْكِيَّ عنْهُ لَجَارَانِيهِ؛ لأنَّهُ لم يَكُنْ يَتَجاوزُ شيئًا من شِعْرِهِ فيهِ نَظَرٌ إلَّا ويَطولُ القولُ فيهِ جِدًّا حتَّى ينقطعَ بِهِ الوقْتُ، ولَقَدْ كانَ يسْتَدْعِي تَنْكِيتِيَ عليهِ، ويَبْعَثُنِي على البحثِ عنه؛ لِمَا كانَ يَنْتَتِجُ بَينَنَا، ولِمَا كُنْتُ أُورِدُهُ عليهِ مِمَّا لم يكُنْ عِنْدَهُ أنَّ مِثْلَهُ مِمَّا يُسْألُ عنْهُ؛ لينظُرَ فيهِ ويَتَأَمَّلَهُ قبلَ أنْ يُضْطَرَّ إلى الجَوابِ عنهُ في وقتٍ ضَيِّقٍ أو محْفَلٍ كبيرٍ، فلا يَكُونُ قَدَّمَ الرَّوِيَّةَ والنَّظَرَ فيهِ، فَيَلْحَقَهُ خَجَلٌ أو انْقِطَاعٌ؛ لكَثْرَةِ خُصُومِهِ، وتَوفُّرِ حُسَّادِهِ. ولقدْ جَرَى بيني وبينَه ما يَطُولُ تَعْدَادُهُ. (الفسر) فقالَ الوحيدُ الأزديُّ: الحقُّ أنَّ المتنبِّي مع سَعَة أدبِه وعلمِه، كانَ نَفَّاخًا بَذَّاخًا، يُري مَن يُخاطِبُه أنَّه يُحسِنُ أضعافَ ما يَظُنُّه به، وقد شهِدتُه بمِصرَ ورجلٌ يقرأُ عليه شِعرَه، فيسألُه عن أشياءَ غريبةٍ، فما كانَ جوابُه إيَّاه جوابَ مُتقِنٍ. وصاحبُ الكتابِ [ابن جني] نحويٌّ مُتقِنٌ، وكان قد عَرَفَه وعرَف مقدارَ علمِه، فكان مُتخوِّفًا مِنه، فلمَّا قَرَأَ عليه بِكسرِ اللَّام عَرَفَ أنَّه الصَّحيحُ، فأغمَضَ، وإنَّما كانَ يستدعي مُجاراتَه؛ للفائِدةِ مِنه، ويدلُّكَ على قِلَّةِ عِلمِه شِعْرُهُ وما فيه مِن العُيوبِ مِمَّا لا يجوزُ وممَّا لا يَقنَعُ فيه الماهرُ بعلمِ العربيَّة، فهذا ما شاهدتُه أنا مِنه، ورأيتُه عليه.
وقالَ لي ياقوتٌ الحمويُّ: نقَلْتُ مِن خطِّ أبي الرَّيحان؛ محمَّدِ بن أحمدَ البَيرونيِّ، في رسالةٍ له؛ سمَّاها: (التَّعَلُّل بإجَالَة الوَهْم في معاني نُظُوم أُولي الفَضْل)، قالَ في أثناءِ كلامٍ ذَكَرَهُ: ثمَّ إنَّ لي مِن أخلاقِهم؛ يعني الشُّعَراءَ، أُسْوَةً حسَنةً، ومَسْلَاةً أكيدَةً، بإمام الشُّعراءِ؛ الذي طَرَّقَ لهم ولِمَن بعدَه إلى طريقته المُختَرَعَة في الشِّعْر، وخَلَّفَهم مِن معاني كلامِه في بُروقٍ تَخطَفُ أبصارَهم وبصائرَهم؛ «كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا» — أبي الطَّيِّب المُتنبِّي، حتَّى إنَّ أفاضِلَ أهل زمانِنا؛ كأحمَد بن فَارسٍ، يحسُدُه على ما آتاه اللَّه مِن فضْلِه، ويقولُ: إنه مَبْخُوتٌ وإلَّا. قالَ لي ياقوت: كذا رأيتُه مُبَيَّضًا بخَطِّه. ويقولُ البيرونيُّ: سألتُ أبا الفَضْل؛ ابنَ العَميد عن معنى قولِه:
فأجَابَني بأنَّ المُتنبِّي خَرَجَ مِن الدُّنيا بعد ستِّين سنة عاشَها ولم يَكُنْ وَقَفَ على مَعْنَاه!.
ابن العديم: وقالَ: وكانَ أبو الطَّيِّب، على ضِيْقِ عَطَنِهِ، رفيعَ الهِمَّة في صناعتِه، فاقتَصَرَ لها في رحلتِه بمَدْحِ عضُد الدَّولة ووزيره؛ ابن العَميد. ورَاوَدَه الصَّاحِبُ؛ إسماعيلُ بن عبَّاد، على التَّزَاور؛ رغبةً في مديحه، فأبَى الانْحِطَاطَ إلى الكَتَبَة، وهذا مَا حَمَلَه على الخَوض في مسَاوئِ شعْرِه. وليسَ يتَرَفَّعُ عن حَلِّه ونثْرِه في أثناءِ كتابَتِه، ومُشاركةِ الحَاتميِّ في إدَامَةِ حَلِّ نَظْمِه في رسائله بعدَ مقالتِه التي عَمِلَها فيه؛ مُحَرِّضًا عليه، ومُتَنادِرًا به كَنَوَادِر المُخَنَّثينَ، كمَا حَمَلَ مثلَه أبا محمَّد المُهَلَّبيَّ؛ مُسْتَوزِرَ بَخْتيَار بن مُعِزِّ الدَّولة، على إغراء سُفَهاءِ بغدَاد عليه، ومُعاملتِه بالسُّخْف الذي أعْرَضَ بوجهِه عنه وعنهم، ولم يَزدْ في الجواب على الخَسَأ؛ تَرَفُّعًا وتَنَزُّهًا واكتفاءً مِن مُهاجاتِهم على مَا في خِلال شعْرِه مِن مِثْل قولِه:
وذَكَرَ أبياتًا مِثْلَه، وقالَ: ثمَّ مَا يُدْريني هل كانَ سَبَبُ الفَتْكِ به مِن الأعرابيِّ نُبَذًا مِن ذلك الإغْرَاءِ؛ فالقائلُ بالشَّرِّ غيرُ مُبَالٍ أيضًا بفِعْلِه، وخاصَّةً عند اسْتِماع مَا كانَ حَظِيَ به لدى المَقْصُودين مِن القَبُول والإقْبَال حتَّى إنَّه قالَ عند دُخُولِه إلى شِيرازَ: أنا لا أُنْشِدُ مَاثِلًا، فأَمَرَ عضُدُ الدَّولة بكُرْسيٍّ له، فلمَّا دَخَلَ ورآه أنْشَدَه قائمًا، فأمَرَه بالجُلوس، فأبى، وقالَ: هَيبَتُكَ تَمْنَعُ عن ذلك، فوَقَعَ قولُه وفِعْلُه مِنه أحْسَنَ المَوَاقِع. وكانَ المُهَلَّبيُّ مع بَخْتِيارِه يُنْكِران أنَّ عضُدَ الدَّولة فَعَلَ ذلك؛ حنقًا وجهلًا بالقَدْر.
ابن العديم: قالَ: وممَّا يَغِيظُني حقًّا قومٌ مُتَّسِمونَ بالفَضْل يُكابِرونَ عقولَهم في أمْرِه، ويرتَبكُونَ في إطفاءِ نوره؛ كشَمْسِ المَعالي؛ قابوسٍ؛ فقد كانَ يقولُ: ليسَ للمُتنبِّي في ديوانه مَا يَسْوَى اسْتِماعًا إلَّا أربعةُ أبياتٍ، ثمَّ لم يكُن يبتَدِئُ مِن ذات نفسِه بالإشارةِ إليها، وكان سُوءُ خُلُقِه يمنَعُني مِن سُؤاله عنها، وكأبي الفَتْح البُسْتِيِّ؛ في قولِه:
قالَ: ولو كانَ قَلَبَه؛ فقالَ: إنَّ مَوَاضِعَ مِنه فَسْلٌ، وسَائرَ مَا قَالَه فَصْلُ خِطَابٍ، لكانَ أبعَدَ عن الإثْم، وأقربَ إلى الصِّدْق والصَّواب.
جلوسه إلى طاهر العلوي ومدحه٤ أخبار
وقرأتُ في بعض مُطَالعاتي أنَّ المُتَنبِّي لمَّا اجْتَازَ بالرَّملة ومدَحَ طاهرَ بن الحُسين بن طاهر بن يحيى العَلَويَّ، أجلَسَه طاهرٌ في الدُّسْتِ، وجَلَسَ بين يديه حتَّى فَرَغَ مِن مِدْحَته.وقرأتُ في كتاب (نُزهة عيون المُشتاقين)؛ لأبي الغنائِم الزَّيديِّ، قالَ: حدَّثني جماعةٌ أنَّ المُتنبِّي لمَّا مَدَحَ طاهرَ بن الحُسين بن طاهر أجَازَهُ ألفَ دِينَارٍ.
ابن العديم: قلتُ: والقصيدةُ التي مَدَحَه بها هي القصيدةُ البَائيَّةُ التي أوَّلُها:
وقالَ ابنُ فُوَرَّجَة، في كتاب (التَّجَنِّي على ابن جِنِّي): حدَّثني الشَّيخُ أبو عليٍّ؛ أحمدُ بن محمَّد بن يعقوبَ مِسْكَوَيه، بأصبهانَ، وكانَ تَربيَةَ ابنِ العَميد ونَدِيمَه، قالَ: حضَرتُ مَجلِسَ ابنِ العَميد بأَرَّجَانَ، وقد دخلَ عليه أبو الطَّيِّب، وكانَ يَسْتَعْرِضُ سُيُوفًا، فلمَّا بَصُرَ بأبي الطَّيِّب نَهَضَ مِن مَجْلِسِه، وأجْلَسَه في دُسْتِه، ثمَّ قالَ لأبي الطَّيِّب: اختَرْ سيفًا مِن هذه السُّيوف، فاخْتَارَ مِنها واحدًا ثقيلَ الحَلْي، واختارَ ابنُ العَميد آخرَ غيرَه، فقالَ كلٌّ مِنهما: سيفي الذي اخترتُه أجودُ، ثمَّ اصطَلَحا على أن يُجَرِّباهما، فقالَ ابنُ العميد: فبماذا نُجَرِّبهما؟. فقال أبو الطَّيِّب: في الدَّنانير، فيُؤْتَى بها فيُنْضَدُ بعضُها على بعض، ثمَّ تُضربُ به، فإن قدَّها فهو قاطعٌ، فاسْتَدعى ابنُ العميد بعشرين دينارًا، فنُضِدَت ثمَّ ضَرَبها أبو الطَّيِّب فقدَّها، وتفرَّقت في المَجْلِس، فقامَ مِن مجلِسه المُفَخَّم يَلْتَقِطُ الدَّنانير المُتَبَدِّدَة في كُمِّه، فقالَ ابنُ العميد: ليَلْزَمَ الشَّيخُ مجلِسَه؛ فإنَّ أحدَ الخُدَّام يلتقِطُها ويأتيه بها، فقالَ: بل صاحبُ الحاجةِ أولى بها.
قالَ أبو عليٍّ؛ محمَّدُ بن أحمدَ بن فُوَرَّجَة: كانَ المُتَنَبِّي رجلًا داهِيَةً، مُرَّ النَّفْسِ شُجاعًا عالي الهمَّة، حُفَظَةً للآداب، عارِفًا بأخْلاقِ الملوكِ، ولم يكن فيه ما يَشينُه ويُسقِطُه إلَّا بُخْلُه وشَرَهُه على المالِ.
فحدَّثَني المؤيَّدُ أبو البركاتِ؛ ابن أبي الفَرجِ؛ المعروف بابن زيدٍ التَّكْرِيتيُّ الشَّاعرُ، قالَ: بَلَغَني أنَّه قيلَ للمتنبِّي: قد شاعَ عنكَ مِن البُخلِ ما قد صارَ سَمَرًا للرِّفاقِ، وأنتَ تمدَحُ في شِعرِكَ الكرَمَ وأهلَه، وتذُمَّ البُخلَ وأهلَه، ومعلومٌ أنَّ البُخْلَ قبيحٌ، ومِنكَ أقبَحُ؛ لأنَّكَ تتَعَاطى كِبَرَ النَّفْسِ وعُلُوَّ الهِمَّةِ، وطَلَبَ المُلكِ، والبُخْلُ يُنافي سائرَ ذلكَ!. فقالَ: إنَّ لبُخْلي سَببًَا؛ وذلكَ أنَّني أذكرُ وقد وَرَدْتُ في صِبَايَ مِن الكوفة إلى بغدادَ، فأخذتُ خمسةَ دراهم في جَانب مِنْديلي، وخَرَجتُ أمشي في أسواق بغداد، فمَرَرتُ بصاحب دُكَّان يبيعُ الفاكهةَ، فرأيتُ عِندَه خَمسةً مِن البطِّيخِ باكورةً، فاسْتَحْسَنتُها، ونوَيتُ أنْ أشتَريَها بالدَّراهم التي معي، فتقَدَّمتُ إليه، وقلتُ: بكم تبيعُ هذه الخَمسة بطاطيخ؟. فقالَ بغير اكترَاثٍ: اذهبْ فليسَ هذا مِن أكلِكَ، فتَمَاسَكْتُ معه، وقلتُ: يا هذا دَعْ مَا يَغيظُ واقْصدِ الثَّمَنَ، فقالَ ثَمَنُها عشرةُ دراهم، فلشِدَّة مَا جَبَهَني به مَا استَطَعتُ أنْ أخاطِبَه في المُحَاطَطةِ، فوقفتُ حائرًا، ودَفَعتُ له خَمسةَ دراهم فلم يقبَلْ، وإذَا بشيخٍ مِن التُّجَّار قد خَرَجَ مِن الخَان ذاهبًا إلى داره، فَوَثَبَ إليه صاحبُ البطِّيخ مِن الدُّكَّان، ودَعَا لهُ، وقالَ: يا مَولاي بطِّيخٌ باكورٌ، بإجازتِك أحْمِلُه إلى البيت، فقالَ الشَّيخُ: ويحَكَ بكم هذا؟. قالَ: بخمسة دراهم، قالَ: بل بدرهمين، فبَاعَه الخمسةَ بدرهمين، وحمَلَه إلى داره، ودَعَا له، وعادَ إلى دُكَّانه مَسرورًا بمَا فَعَلَ. فقلتُ له: يا هذا!. مَا رأيتُ أعجَبَ مِن جهلك!. اسْتَمْتَ عليَّ في هذا البطِّيخ، وفعلتَ كيتَ وكيتَ، وكنتُ قد أعطيتُكَ في ثمنه خمسةَ دراهم، فبعتَهُ بدرهمين مَحمولًا!. فقالَ: اسْكُتْ!. هذا يملِكُ مئةَ ألف دينار، قلتُ: وإذا كانَ معه أضعافُ ذلكَ، هل يدفعُ لك إلَّا الدِّرهمين؟!. فلم يزدني على أنْ قالَ: دعْ ذا عنكَ فإنَّه يملِكُ مئةَ ألف دينار. فعَلِمْتُ أنَّ النَّاس لا يُكْرِمونَ أحدًا إكرامَهم مَن يعتقِدُونَ أنَّه يمْلِكُ مئةَ ألف دينار، وأنَا لا أزالُ على مَا تَراهُ حتَّى أسْمَعَ النَّاسَ يقولونَ: إنَّ أبا الطَّيب قد مَلَكَ مئةَ ألفِ دينارٍ.
تمكن أبي الطيب من أدواته الأدبية٤ أخبار
قالَ أبو بكرٍ الخُوَارزميُّ: كانت أدواتُ المتنبِّي كلُّها جيِّدةً، نظْمُه ونثرُه، وعربيَّتُه ولُغَتُه، وكانَ شُجاعًا حَسَنَ العقْلِ، حَسَنَ المُدَارَاة للملوكِ، عارفًا بطريقِ انتزاعِ الأموال منهم، ولم يكُنْ فيه ما يُعابُ سوى بُخْلِه. ولقد حضَرتُ عندَه يومًا بحلبَ، وقد أُحْضِرَ مالًا مِن صِلاتِ سيفِ الدَّولة ابن حمدان، فَصُبَّ بين يديه، فَوَزَنَ وأعادَه إلى الأكياس، وإذا بقطعةٍ مِن تلكَ الدَّراهم قد تَخَلَّلت خَلَلَ الحَصيرِ، وانسَابَت فيه، فأَكَبَّ المُتنبِّي عليها بِسائرهِ، وجَعَل يُنَقِّبُ عنها بأصبُعِه، ويُعَالِجُ اسْتِنْقَاذَها من الحصير إلى أن ظهَرَتْ بعض الظُّهُور، فسُرَّ بذلكَ، ورَفَعَ إلينا رأسَه وهو يتَمَثَّلُ بيبت ابنِ الخَطيم:
فلم يزَلْ يبحَثُ عنها حتَّى استخرَجَها مِن الحصير وأودَعَها الكيسَ، فعَذَلَه بعضُ جُلسائِه على هذا الفعلِ، فقالَ: أمَا يكفيكَ ما في هذه الأكياس حتَّى أدْميتَ إصبعَكَ لأجل هذه القِطْعَةِ!. فقالَ: مَه!. فإنَّها تُخَضِّرُ المائدةَ.
قَرأتُ على ظهر نُسخةٍ قديمةٍ مِن شِعْر المُتنبِّي مَا صُورتُه: وحكَى أبو بكر الخُوارزميُّ؛ أنَّ المُتنبِّي كانَ قاعدًا تحتَ قولِ الشَّاعر:
وإنَّما أعرَبَ عن طريقتِه وعادتِه بقوله:
قالَ: فحضَرتُ عنده يومًا وقد أُحْضِرَ مالٌ مِن صِلاتِ سيفِ الدَّولة، فَصُبَّ بين يديه على حَصِيرٍ قد افتَرَشَه، فَوُزِنَ وأُعيدَ في الكِيس، وتَخَلَّلت قِطعةٌ كأصغَرِ مَا تكونُ خِلالَ الحَصِير، فأَكَبَّ عليه بمَجَامِعه يُعَالِجُ؛ لاسْتِنْقَاذِها منه، ويشتغِلُ عن جُلَسائِه حتَّى تَوَصَّلَ إلى إظهار بعضِها، وأنشَدَ قولَ قيسِ بنِ الخَطيم:
ثمَّ استخرَجَها وأمَرَ بإعادَتِها إلى مكانها، وقالَ: إنَّها تُخَضِّرُ المائدةَ.
أنبَأَنا أحمدُ بن أزْهَر بن عبد الوَهَّاب البغداديُّ، في كتابه، عن أبي بكرٍ؛ محمَّد بن عبد الباقي الأنصاريِّ، قالَ: أخبَرَنا أبو غالبٍ؛ ابنُ بِشْران؛ إجازةً، قالَ: أخبَرَنا محمَّد بن عليٍّ بن نَصْرٍ الكاتبُ، قلتُ: ونقلتُه مِن خَطِّه ببغداد، قالَ: حدَّثني أبو الفَرَج؛ عبدُ الواحد بن نصر؛ الببَّغاءُ، قالَ: كانَ أبو الطَّيِّب المُتنبِّي يأنَسُ بي، ويشكو عندي سيفَ الدَّولة، ويأمَنُني على غِيبَته له، وكانت الحالُ بيني وبينه صافيةً عامرةً دونَ باقي الشُّعراء، وكان سيفُ الدَّولة يغتَاظُ مِن عَظَمَته وتعَاليه، ويجفو عليه إذا كلَّمَه، والمُتنبِّي يُجِيبُه في أكثر الأوقاتِ، ويتَغَاضى في بعضِها.
ابن العديم: قالَ: وأذكرُ ليلةً، وقد اسْتَدعى سيفُ الدَّولة بَدْرَةً فشَقَّها بسكين الدَّواةِ، فمدَّ أبو عبد اللَّه ابن خَالَوَيه النَّحويُّ جَانِبَ طَيْلَسَانه، وكانَ صوفًا أزرقَ، فحَثَا فيه سيفُ الدَّولة صالحًا، ومَدَدْتُ ذَيلَ دُرَّاعتي، وكانت دِيباجًا، فَحَشَا لي فيها، وأبو الطَّيِّب حاضِرٌ، وسيفُ الدَّولة ينتظِرُ منه أن يفْعَلَ مِثلَ فِعْلِنا، أو يطلُبَ شيئًا مِنها، فمَا فَعَلَ، فغَاظَه ذلك، فنثَرَها كلَّها، فلمَّا رأى أنَّها قد فَاتَتْه زاحَم الغِلمَانَ يلتَقِطُ معهم، فغَمَزَهم عليه سيفُ الدَّولة، فدَاسُوه وركِبُوه، وصارتْ عِمَامتُه وطُرْطُورُه في حَلْقِه، واسْتَحْيَا، ومَضَتْ به ليلةٌ عظيمةٌ، وانصرفَ فخَاطَبَ أبو عبد اللَّه ابن خَالَوَيه سيفَ الدَّولة في ذلك، فقالَ: مَن يتَعَاظَمُ تلك العَظَمَة، يَتَّضِعُ إلى مِثل هذه المَنْزلة، لولَا حَمَاقَتُه!.
ابن العديم: وممَّا يُحْكَى مِن بُخْلِه وشُحِّه مَا قرأتُه في تاريخ أبي غالبٍ؛ همَّام بن الفضْل ابن المُهَذَّب المَعَرِّيِّ، سَيَّره إلى بعض الشِّرَاف بحَلَبَ، قالَ: وكانَ سيفُ الدَّولة قد أقطَعَه؛ يعني المُتنبِّي، ضيعةً تُعْرَفُ بِ(بَصِّف) مِن ضِياع مَعَرَّة النُّعمان القِبْليَّة، فكانَ يتَرَدَّدُ إليها، وكانَ يُوصَفُ بالبُخْل فمِمَّا ذُكِرَ عنه: مَا حدَّثوه جماعةٌ مِن أهل (بَصِّف) أنَّ كلبًا مِن كلاب الضَّيعة المعروفةِ ب(صَهْيَان) كانَ يطرُقُ تِينَ (بَصِّف)، فذُكِرَ ذلك لأبي الطَّيِّب المُتنبِّي، فقالَ للنَّاطُور: إذا جاءَ الكلبُ فعَرِّفْني به، فلمَّا جاءَ عَرَّفَه، فقالَ: شُدُّوا على الحِصان، وخرجَ إليه فطَرَدَه أميالًا، ثمَّ عادَ لا يعْقِلُ مِن التَّعَب وقد عَرِقَ فرَسُه، فقالَ له أهلُ (بَصِّف): يا أستاذ كيفَ جرى أمرُ الكَلْب؟. فقالَ: كأنَّه كانَ فارسًا؛ مَرَّةً إنْ جِئتُه بالطَّعنة عن اليَمين عادَ إلى الشَّمال، وإن جئتُه مِن الشَّمال عادَ إلى اليمين.
قالَ أبو غالبٍ؛ همَّامُ المَعَرِّيُّ: وحدَّثوا عنه، أنَّ أبا البهاءِ ابن عَدِيٍّ؛ شيخَ رَفَنِيَّةَ، وكانَ صديقًا له، فنَزَلَ عندَه ب(بَصِّف)، فسَمِعوه وهو يقولُ له: يا أبا البهاءِ أوجِزْ في أكلِكَ؛ فإنَّ الشَّمعةَ تَتْوَى. وسَمِعُوه يُحَاسِبُ وكيلًا له، وهو يقولُ: والحَبَّتان ما فعَلَتا؛ يعني فِضَّةً.
قبول أبي الطيب للصلة على شعره؛ ولو قليلة١ خبر
أخبَرَني ياقوتُ بن عبد اللَّه مولى الحَمويِّ، قالَ: قرأتُ في أخبار المُتنبِّي؛ تصنيف أبي القاسم؛ عبيدِ اللَّه بن عبد الرَّحيم الأصفهانيِّ، قالَ: وأخبرني أبو الحَسَن الطَّرَائِفيُّ ببغدادَ، أنَّه قالَ: رأيتُ المُتنبِّي وقد مَدَحَ رجلًا بقوله:
فأُعطِي دُونَ الخَمسة دَراهم وقَبِلَها. قالَ: وأخبَرَني الطَّرائفيُّ، قالَ: حدَّثني المُتنبِّي، قالَ: أوَّلُ يوم وَصَلْتُ بالشِّعر إلى مَا أردتُه أنِّي كنتُ بدمشق فمَدَحْتُ أحدَ بني طُغُجَّ بقصيدتي التي أوَّلُها:
فأَثابَني الممدوحُ بمِئة دينارٍ، ثمَّ ابيضَّت أيَّامي بعدَها. قالَ أبو القاسِم بن عبد الرَّحيم: واتَّصَلَ بعد هذا بأبي العشائر؛ الحُسَين بن عليِّ بن الحُسَين بن حَمْدان، ونَفَقَ عليه نَفَاقًا تَامًّا، فأجرى ذِكْرَه عند سيفِ الدَّولة؛ أبي الحسَن، عليِّ بن حمدان، فأمرَه بإحضَارِه عندَه، فاشْتَطَّ المُتنبِّي عليه، واشْتَرَطَ أنْ يُنْشِدَه جالسًا، وأنْ لا يُكَلَّفَ بتقبيلِ الأرضِ بينَ يديه، فأجابَه إلى ذلك، وأنشَدَه، فصَادَفَ مِن سيف الدَّولة رجلًا قد غُذِيَ بالعلم، وحُشِيَ بالفَهم، فأعجبَه شِعْرُه، واسْتَخْلَصَه لنفسِه، وأجزَلَ عطاءَه، وأكرمَ مثوَاه، ووَصَلَه بِصِلاتٍ كثيرةٍ، وسلَّمَه إلى الرُّوَّاض فعلَّموه الفُروسيَّة، وصحِبَ سيفَ الدَّولة في عدَّة غزوات إلى بلد الرُّوم؛ منها (غزوةُ الفَنَاءِ) التي لم يَنْجُ منها إلَّا سيفُ الدَّولة بنفسِه، وأخذَتْ عليه الرُّومُ الطُّرُقَ، فجرَّد السَّيفَ وحَمَلَ على العَسْكَر، وخَرَقَ الصُّفوفَ ونجَا بنفسِه.
فروسية أبي الطيب٧ أخبار
ولمَّا أنشدَ (واحرَّ قلباه) وانصَرفَ، كانَ في المَجلِس رجلٌ يُعادِيه، فكتَبَ إلى أبي العشائرِ بأنطَاكيَّة، على لِسَان سيفِ الدَّولةِ، كتابًا يشرَحُ له فيه ذكرَ القصيدةِ، وأغْرَاهُ به، فَأنْفَذَ أبو العشائر عشرةً مِن خَاصَّةِ غِلمانِه، فوَقَفُوا بِبابِ سيفِ الدَّولة أوَّلَ الليلِ، وجاءَه رسولُ سيفِ الدَّولة، فسَار إليه، فلمَّا قَرُبَ منهم ضَرَبَ راجِلٌ منهم بيدهِ إلى عِنَان فرسِه، وسَلَّ أبو الطَّيِّبِ السَّيفَ، فَوَثَبَ الرَّاجِلُ، وتقدَّمتْ فَرَسُه به الخيلَ، فعَبَرَ قنطرةً كانت بين أيديهم، واجتَرَّهم إلى الصَّحراء، فأصابَ أحدُهم نُحْرَةَ فرسِه بسَهْمٍ فأنفَذَهُ، فانتَزَعَ أبو الطَّيِّب السَّهمَ ورمَى به. واستَقَلَّت الفَرَسُ، وتَبَاعَد بهم ليَقْطَعَهم عن مَدَدٍ، إنْ كانَ لهم، ثمَّ ردَّ عليهم بعدَ أن فَنِيَ النُّشَّابُ، فضَرَبَ أحدَهم فقَطَعَ الوَتَرَ وبعضَ القَوسِ، وأسرعَ السَّيفُ في ذِراعِه، فوقفوا على المَضروب، فسَارَ وتركَهم. فلمَّا يئِسوا منه، قالَ له أحدُهم في آخر الوقتِ: نحنُ غِلْمانُ أبي العَشَائِرِ، وذَكَرَ لهُ أنَّهُ هو الذي أمرَهم بذلكَ، فقالَ أبو الطَّيِّب:
وقالَ الوحيدُ الأزديُّ: ولمَّا سَمِعَ هذه الأبيات أبو العشائرِ، تنَكَّرَ له، وقالَ: وجعَلَني في موضعِ هذا؟. ومِمَّن يُفْسِدُ إحسانَه أو يُتبِعُه الأذى؟. واستنقَصَ النَّاسُ رأيَه فيها، وكانَ الأحْزَمُ أن يُكَذِّبَ عنه، ولو كان فعلَ ذلك، وكيفَ ولم يكن فَعَل ولا عَلِمَ!. وتمَّ لحُسَّادِه الكيدُ الذي كادوهُ؛ لأنَّهم أرادوا إفسادَ ما بينهما، فقد كانَ رُكنًا له، فلمَّا فَسَدَ ما بينهما ضَعُفَ رُكنُه، وكانَ سببَ انصِرافِهِ.
قالَ الوحيدُ الأزديُّ، في بيت المتنبِّي:
ليسَ كلَّما جمعَ الشَّاعرُ في بيته من هذه الأمورِ فقد أدركَ الإحسانَ، والذي جمعَه فيه ما بعضُه ينوبُ عن بعضٍ؛ فهو كالمُعادِ، ولكنَّ العجَبَ أنَّه أنشدَه سيفَ الدَّولةِ الذي كانَ نهايةً في الفروسيَّةِ والشَّجاعةِ، والمُنْشِدُ بالضِّدِّ مِن ذلك، ولولا أنَّني رأيتُ المتنبِّي وجالستُه لظنَنتُ أنَّ وجهَه بعضُ الأحجارِ. وكان سيفُ الدَّولةِ؛ لِمَا يسمَعُ مِنه مِن أشباهِ هذا، يستَصحِبُه معه في الغزواتِ ليرى بعضَ ما يدَّعيه. فسمعتُ أبا فِراسٍ بِمَنبِجَ يتحدَّثُ بحديثِه، ويقولُ: ما كُنَّا نعلمُ أسيفُه حديدٌ أم خَشَبٌ؛ لأنَّه كانَ ما جرَّدَه قَطُّ ونحنُ نراهُ، ولقد حصَلَ في مواضعَ تُحوِجُ النَّجِدَ إلى القِتالِ، فما عُرِفَ ذلكَ منه، وهذا ممَّا يُسيءُ حظَّ الإنسانِ عند رئيسه ومأمولِه ويَغِيضُه، فكان هذا أحدَ ما دعا سيفَ الدَّولةِ إلى تركِ الانتصارِ له من خصومِه.
الوحيد: وقالَ أيضا في بيتِه:
أمَّا قَطْعُ المفَاوز فقد قطَعَ، ولكنَّ الحربَ ما شاهَدَها، وقد كانَ يخرجُ مع سيفِ الدَّولةِ، فما وقَفَ قطُّ بين الصَّفَّينِ، ولا شهرَ سيفَه، وسمعتُ أبا فِراسٍ يُحدِّثُ حديثَ المتنبي، ويتعجَّبُ مِن شعره، ويقولُ: ما كُنَّا نظنُّ سيفَه إلَّا خشبًا؛ لأنَّا ما رأيناه مُجرَّدًا قطُّ.
ونجَمَ خَارجيٌّ في بني كِلابٍ بظهرِ الكوفَةِ، وذَكَرَ لهم أنَّ خَلقاً مِن أهلِها قد أجَابُوه وحَلَفوا له، فسَارَت إليها بنو كِلاب معه؛ ليَأُخذَها، ورُفِعت الرَّاياتُ، وخَرَجَ أبو الطَّيِّبِ على الصَّوت مِن ناحية (قَطَوَان)، فَلَقِيَته قِطْعَةٌ مِن الخَيل في الظُّهْرِ، فقاتَلَها سَاعةً مِن نهارِه، فانْكَشَفَت وقد جَرَحَ فيها وقَتَلَ مِنها. وسَارَ في الظُّهر حتى دَخَلَ إلى جَمْع السُّلطان والرَّعِيَّة مِن (دَرْبِ البَرَاجِم). ووَقَعَت المُرَاسَلةُ سَائِرَ اليوم، وعَادوا مِن غدٍ فاقتَتَلُوا إلى آخر النَّهار، فلم يَصْنَع الخَارجِيُّ شيئاً، ورَجَعَ وقد اختَلَفَت فيه بنو كِلاب، وتَبَرَّأ بعضُها مِنه، وعادَ بعد أربعةِ أيَّامٍ فالْتَقَوا في الظُّهر، فوقَعَت في السُّلطان والعامَّة جِرَاحٌ، وقُتِلَ مِن بني كِلاب وَجُرِح أناسٌ، وطُعِنَ فَرَسٌ تَحتَ غُلامٍ لأبي الطَّيِّب في لَبَّتِهِ فمَاتَ لوَقْته، فحَمَلَه الشَّريفُ؛ أبو الحَسَنِ؛ محمَّدُ بن عُمرَ على فرَسٍ، وجَرَحَ غُلامٌ له فَرَسَينِ وقَتَلَ رجلًا.وعَادوا مِن غدٍ فالتَقَى النَّاسُ عندَ (دَار أَسْلَمَ)، وبينَهُم حَائطٌ فقُتِلَ مِن بني كِلاب بالنُّشَّابِ جَمَاعةٌ، فانصَرفوا ولم يَقِفوا لقِتَالٍ. ووَرَدَت الأخبَارُ إلى بغْدَادَ، فسَارَ أبو الفَوَارِس؛ دَِلَّيْرُ بن لَشْكَرْوَزَّ في جماعةٍ مِن القُّوَّادِ، فوَرَدَ الكوفةَ بعدَ رَحيل بني كِلاب عنها، فأنفَذَ إلى أبي الطَّيِّب ساعةَ نَزَلَ ثياباً نفيسةً مِن ديباجٍ روميٍّ وخزٍّ ودَبِيقِيٍّ، فقال يمدحُه، وأنشَدَه إيَّاها في المَيدان وهُمَا على فَرَسَيهمَا، وكانَ تحتَ دَلَّيرَ فَرَسٌ أصفَرُ جوادٌ كريمٌ بِمَرْكَبٍ ثَقيلٍ، فقادَه إليه، وذلكَ في ذي الحجَّة، مِن سنةِ ثلاثٍ وخَمسينَ وثلاثِ مئةٍ:
قرأتُ بخطِّ محمَّد بن عليِّ بن نَصْرٍ الكاتبِ، في كتابه المَوسوم ب(بالمُفَاوَضَة)، وأخبَرَنا به أبو حفصٍ؛ عمَرُ بنُ محمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد، وغيرُه إجازةً عن أبي بكرٍ؛ محمَّد بن عبد الباقي الأنصاريِّ، قالَ: أنبَأَنا أبو غالبٍ؛ ابنُ بِشْران، قالَ: أخبَرَنَا ابنُ نَصْرٍ، قالَ: حدَّثني أبو القاسِم الرَّّقيُّ المُنَجِّمُ، عن سيف الدَّولة أنَّه انْهَزَم في بعض السِّنين وقد حُلِّلَت الصَّناديقُ عن بِغَاله في بعض دُرُوب الرُّوم، وأنَّها مَلَأت الدُّرُوبَ، وكان على فَرَسٍ له يُعْرفُ بالثُّريَّا، وأنَّه حَرَّكَ عليها نحوَ الفَرْسِخ حتَّى نَزَلَ، ولم يَعْثُر ولم يتَلَعْثَم.
ابن العديم: وأخبَرَني أنَّه بقيَ في هذه السَّفْرَة في تِسْعَة أنْفُسٍ أحدُهم المُتنبِّي، وأنَّه كانَ يُحدِّثُ أبا عبد اللَّه ابن خَالَوَيه النَّحويَّ حديثَ الهزيمة، وأنَّ المُتنبِّي كانَ يجري بفَرَسِه فاعتَلَقَت بعِمامتِه طَاقَةٌ مِن الشَّجَر المعروفِ ب(أمِّ غَيْلان)، فكلَّما جرى الفَرَسُ انتشَرت العِمامةُ، وتَخَيَّلَ المُتنبِّي أنَّه قد ظُفِرَ به، فكانَ يصيحُ: الأمَانَ يا عِلْجُ!. قالَ: فهَتَفْتُ به، وقلتُ: أيُّمَا عِلْجٍ، هذه شجرةٌ قد عَلِقَت بعِمَامَتك، فوَدَّ أنَّ الأرضَ سَاخَتْ به وما سَمِعتُه يقول ذلك. فقالَ له ابنُ خَالَوَيه: أيُّها الأميرُ أفَلَيس قامَ معكَ حتَّى بقِيَ في تِسعةِ أنفُسٍ؟!. تكفيه هذه الفَضِيلةُ.
ابن العديم: وقرأتُ في مجموعٍ بخطِّ بعض الفُضَلاءِ؛ أنَّه لمَّا فَعَل ذلكَ لَحِقَه سيفُ الدَّولة، وضَحِكَ مِنه، وقالَ له: يا أبا الطَّيِّب أين قولُك:
ولم يَزَلْ يضحَكُ مِنه بقيَّةَ يومِه في مُنْهَزَمِه.
وَقَالَ بعضُ مَن شَاهَدَه: إِنَّه لم تكُن فِيهِ فُرُوسيَّةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ سيفُ الدَّولة سَلَّمَه إِلَى النَّخَّاسينَ والرُّوَّاض بحَلَبَ، فاسْتَجْرَأَ على الرَّكضِ والحُضْر، فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ السِّلَاح فَلم يكُنْ مِن عَمَله.
ذكَرَ ابنُ فُوَرَّجَة في (التَّجَنِّي على ابن جنِّي)، وقالَ: وأمَّا مَحَلُّه؛ يعني المُتنبِّي في العِلْم، فقالَ الحَسَنُ بن عليٍّ ابن الحَلَّابِ: سَمعتُه يقولُ: مَن أرادَ أنْ يُغْرِبَ علي بيتًا لَا أعرِفُه فليَفْعَل، قالَ: وهذه دَعْوًى عظيمةٌ، ولا رَيْبَ أنَّه صادقٌ فيها.
حسن التخلص باستعمال العربية٥ أخبار
وقرأتُ في بعض كلام أبي العلاء: قد عُلِمَ أنَّ أحمَد بن الحُسَين كانَ شَديدَ التَّفَقُّد لمَا يَنْطِقُ به مِن الكلام؛ يُغَيِّر الكلمةَ بعدَ أنْ تُرْوَى عنه، ويَفِرُّ مِن الضَّرورة وإنْ جَلَبَ إليها الوَزْنُ. سمعتُ شيخنَا ضِياءَ الدِّين؛ الحَسَنَ بن عمرو المَوصِليَّ، المعروفَ بابنِ دُهْن الحَصَى، يقولُ: كان أبو العَلاءِ المَعَرِّيُ يُعَظِّمُ المُتنبِّي، ويقولُ: إيَّايَ عَنَى بقوله:
وقَرَأتُ على أبي العلاءِ المَعَرِّيِّ، ومنزلَتُه في الشِّعر ما قد عَلِمَهُ مَن كان ذا أدَبٍ، فقُلتُ له يومًا في كَلمةٍ: ما ضَرَّ أبا الطَّيِّب لو قالَ مكانَ هذه الكلمة كَلمةً أخرى أورَدْتُها، فأبَانَ لي عُوَارَ الكلمة التي ظَنَنْتُها، ثمَّ قالَ لي: لا تَظُنَّنَّ أنَّكَ تقدِرُ على إبْدَال كَلمةٍ واحدةٍ مِن شِعْره بما هو خَيْرٌ مِنها فَجَرِّبْ إنْ كنتَ مُرْتابًا، وها أنَا أُجَرِّبُ ذلك منذُ العهد فَلَم أعْثُر بكلمَةٍ لو أبْدَلتُها بأخرى كانَ ألْيَقَ بمكانِها، وليُجَرِّبْ مَن لم يُصَدِّقْ يَجِد الأمرَ على مَا أقولُ.
قَالَ ابنُ الشَّجري؛ الشَّريفُ هبةُ اللَّه الحَسَنيُّ: مَا عُمل فِي ذمِّ الدُّنْيَا مثل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ:
وَصدق فِي قَوْله. وَبَلغنِي أَنَّ رَسُولَ الإفرَنج دَخَلَ على المَلك النَّاصِر؛ صَلَاح الدِّين؛ يُوسُفَ بن أَيُّوب، فَذَكَر هذَيْن البَيْتَيْنِ، فَقَالَ: وَحقِّ ديني مَا فِي الإنجِيل مَوعظةٌ أبلَغُ مِن هذه المَوعِظة.
قَالَ ضِيَاء الدِّين ابن الأَثِير: وكُنتُ سَافَرتُ إِلَى مِصْرَ، سنةَ ستٍّ وتسعينَ وخَمسِ مئةٍ، وَرَأَيْت النَّاسَ مُكبِّينَ على شِعْر أبي الطَّيِّبِ المُتنبِّي دونَ غيرِه، فَسَأَلتُ جماعةً مِن أدَبائها عن سَبَبِ ذلكَ، وقُلتُ: إن كانَ لأنَّ أبا الطَّيِّبِ دخلَ مِصْرَ، فقد دخَلَها مَن هو مُقَدَّمٌ عليه؛ وهو أبو نُواس؛ الحسنُ بن هانئ، فلم يذكروا لي في ذلك شيئًا، ثمَّ إنِّي فاوضْتُ عبدَ الرَّحيم بن عليٍّ البَيْسَانيَّ (رحمَه اللَّه) في هذا، فقالَ: إِنَّ أَبَا الطَّيب ينْطِقُ عَن خَوَاِطر النَّاس. ولقد صَدَقَ فيما قالَ، وأذْكَرَني بقوله هذا كلامًا كُنتُ جاريتُ فيه بعضَ الأدباءِ بالموصلِ، وقد سألني عن الكاتبِ مَن هوَ؟. ومَن الذي يستحِقُّ هذا الاسمَ؟. فقلتُ له: الكاتبُ عندي مَن إذا كَلَّفتَه أن يَكتُبَ عنكَ كتابًا في أمرٍ مِن الأمورِ، وأفضيتَ إليه بالمَعنى جُملةً واحدةً، فصَّلَه وأتى به على وجهٍ إذا تَأمَّلتَه، قُلتَ: هكذا كانَ في نَفسي ولكنَّني لم أقْدِر أنْ أُعَبِّرَ عنه؛ فهو ينطِقُ عن خاطِركَ بما لا تقدِرُ أنتَ أن تَنطِقَ به.
وليسَ في المُوَلَّدينَ أشهرُ اسماً مِن الحَسَن أبي نُواس، ثمَّ حبيبٍ والبُحتُريِّ، ويُقَالُ: إنَّهما أخمَلا في زمانِهما خَمْسَ مِئة شاعر؛ كلُّهم مُجِيدٌ، ثمَّ تبِعَهُما في الاشتِهار ابنُ الرُّومي وابنُ المُعْتَزِّ، فطَارَ اسمُ ابن المُعْتَزِّ حتَّى صارَ كالحَسَن في المُوَلَّدينَ وامرِئ القيس في القُدَماءِ، فإنَّ هؤلاءِ الثَّلاثة لا يكادُ يجْهَلُهم أحدٌ مِن النَّاس، ثمَّ جاءَ المُتَنَبِّي فمَلَأَ الدُّنيا وشَغَلَ النَّاسَ.
ذهاب كثير من شعر أبي الطيب٣ أخبار
وأخْبَرَني أبو الفتح؛ عُثْمانُ بن جِنِّي، أنَّ المُتَنَبِّي أسْقَطَ مِن شِعْره الكثيرَ وبقِيَ مَا تَدَاوَلَه النَّاسُ. وأخبَرَني الحَلَبِيُّ أنَّه قيلَ للمُتَنبِّي: معنى بيتِكَ أخذْتَه مِن قولِ الطَّائيِّ، فأجَابَ المُتَنبِّي الشِّعْرُ جَادَّةٌ، وربَّما وَقَعَ حَافرٌ على حَافرٍ. وكانَ المُتنبِّي يحفَظُ ديوانَي الطَّائيَّينِ ويَسْتَصْحِبُهما في أسفاره ويَجْحَدُها، فلمَّا قُتِلَ تُوُزِّعَت دَفَاتِرُه فوَقَعَ ديوانُ البُحتُريِّ إلى بعض مَن دَرَسَ عليَّ، وذَكَرَ أنَّه رأى خطَّ المُتَنبِّي وتصحيحَه فيه.
أنبَأَنَا أحمدُ بن أزهَر بن عبد الوهَّاب السَّبَّاكُ، قالَ: أخبَرَنَا أبو بكرٍ؛ محمَّدُ بن عبد الباقي الأنصاريُّ؛ إجازةً عن أبي عليٍّ التَّنوخِيِّ، قالَ: حدَّثني أبو عبد اللَّه؛ الحسَنُ بن محمَّد بن الصَّقر الكاتبُ؛ رجلٌ مِن أهل (مَعَلْثَايَا)، وممَّن نشَأَ بالمَوصِل، وكانَ أبوهُ عاملًا لسَيف الدَّولة على أنطاكية، وهو مِن أهل الأدب، قالَ: جَرَى ذِكْرُ أبي الطَّيِّب المُتنبِّي بين يَدَي أبي العبَّاس النَّامي المِصِّيصِيِّ، فقالَ لي النَّامي: كان قد بقِيَ مِن الشِّعْر زاويةٌ دَخَلَها المُتنبِّي. قالَ: وقالَ لي في هذا المَجْلِس: كنتُ أشتَهي أن أكونَ قد سَبَقتُه إلى مَعْنَيين قالَهما مَا سُبِقَ إليهما، ولَا أعلَمُ أنَّ أحدًا اخْتَرَعَهما قبْلَه، فقلتُ: مَا هما؟. قالَ: أمَّا أحدُهما فقولُه:
والآخرُ قولُه:
أنشَدَني القاضي؛ أبو محمَّد؛ الحَسَنُ بن إبراهيم بن سَعيد؛ ابن الخَشَّابِ الحَلَبيُّ، قالَ: أنشَدَني الوَجيهُ ابنُ أبي القاسِم؛ الحُنَيكُ، بحلب قالَ: أنشَدني ابنُ مُنيرٍ لنَفسِه، وقد اجْتَمَعتُ بالوَجيه ابنِ الحُنَيكِ في دار قاضي العَسْكر؛ محمَّد بن يوسف بن الخَضِر، وهو يُذاكِرُه بأَقْطَاعٍ مِن شِعْرِ ابنِ مُنِيرٍ، فلا أتَحَقَّقُ هل كانت هذه الأبياتُ فيها أم لَا؟. وهذه الأبياتُ مدَحَ بها ابنُ مُنيرٍ نُورَ الدِّين؛ محمودَ بن زَنْكي؛ وقد كَسَرَ عَسْكَرَ الفِرنج بالرُّوج، وقتَلَ مَلِكَهم البِرنْسَ:
قالَ لي القاضي أبو محمَّد: قالَ لي ابنُ الحُنَيك حينَ أنشَدَني هذه الأبيات: مَا يَقْدِرُ ابنُ عُوَيدَان السَّقَّاءِ يقولُ مِثْلَ هذا؛ يعني أبَا الطَّيِّبِ المُتَنبِّي.
بين المتنبي وأبي علي الفارسي٧ أخبار
أخبَرَني ياقوتُ بن عبد اللَّه الحَمَويُّ، قالَ: حكى لي بعضُ الفُضَلاءِ في المُذَاكَرَة، قالَ: لمَّا وَرَدَ المُتنبِّي إلى شِيرازَ مادحًا لعضُد الدَّولة كانَ يَجْتَازُ على مَجْلِس أبي عليٍّ، وقد اجتمَعَ إليه أعيانُ أهل العِلْم. وكانَ زِيُّ المُتنبِّي زيًّا عجيبًا؛ يَلْبَسُ طُرْطُورًا طويلًا وقَبَاءً، ويعمَلُ له عَذَبَةً طويلةً؛ تَشَبُّهًا بالأعراب، فكانَ أبو عليٍّ يَسْتَثقِلُه، ويَكْرَهُ زِيَّه، ويَجِدُ في نفسِه نُفُورًا منه، وكانَ إذا اجتازَ عليهم، يقولُ أبو عليٍّ لتلاميذه: إذَا سَلَّمَ عليكم فأوجِزُوا في الرَّدِّ؛ لئَلَّا يَسْتَأْنِسَ فيَجْلِس إلينا. وكان أبو الفَتح؛ عُثمان بن جِنِّي يُعْجَبُ بشِعْره ويُحِبُّ سَمَاعَه، ولَا يقْدِرُ على مُرَاجَعة شَيخِه فيه، فقالَ أبو عليٍّ يومًا: هاتوا بيتًا تُعْربُونَه، فابتَدَرَ أبو الفتح فأنشَدَ للمُتنبِّي:
فقالَ أبو عليٍّ: أعِدْ أعِدْ!. فأعَادَه، فقالَ: وَيحَكَ!. لِمَنْ هذا الشِّعْرُ فإنَّه غَريبُ المعنى؟. قالَ: هو للَّذي يقولُ:
قالَ: فازْدَادَ أبو عليٍّ عَجَبًا، وقالَ: مَا أعجَبَ هذه المَعاني وأغْرَبَها!. مَن قائلُها؟. قالَ: الذي يقولُ:
قالَ: فاسْتْخَفَّ أبا عليٍّ الطَّرَبُ، وقالَ: ويحَكَ!. مَن قائلُ هذا؟. قالَ: الذي يقولُ: قالَ: ونَسِيَ البيتَ الذي أنشَدَه، قالَ: فقالَ أبو عليٍّ: أحسَنَ واللَّه، وأَطَلْتَ أنتَ، مَن يكونُ هذا؟. قالَ: هو صاحبُ الطُّرْطُور الذي يَمُرُّ بك فتَسْتَثقِلُه، ولا تُحِبُّ مُحاضَرَتَه، قالَ: ويحَكَ أهذَاكَ يقولُ هذا؟!. فقالَ: نعم، قالَ أبو عليٍّ: واللَّه مَا ظَنَنتُ أنَّ ذلكَ يأتي بخيرٍ أبدًا. إذا كانَ في الغَدِ ومَرَّ بنا فاسأَلوه أنْ يجلِسَ إلينا لنَسْمَعَ منه، فلمَّا كانَ الغَدُ ومرَّ بهم كلَّمُوه وسألُوه النُّزولَ عندَهم ففَعَلَ، واسْتَنْشَدَه أبو عليٍّ فملأَ صدْرَه وأحبَّه، وعَجِبَ منه ومِن فَصَاحتِه وسَعَة عِلْمه، فكلَّم عضُد الدَّولة فيه حتَّى أحسَنَ إليه وضَاعَفَ جائزَتَه.
ابن العديم: قلتُ: وهذه الحكايةُ لَا يقبَلُها القَلْبُ، ولا تَكادُ تثبُتُ؛ فإنَّ أبا عليٍّ الفارسيَّ كانَ يعرِفُ المُتنبِّي قبل أن يَصِيرَ بشيراز؛ حين كانا بحلَبَ، وقد حكى أبو الفتح؛ عثمان بن جنِّي عن أبي عليٍّ الفارسيِّ في كتابِ (الفَسْر) مَا يشهَدُ بخِلافِ ما تَضَمَّنته الحكايةُ.
ولقد ذَاكَرْتُ بِهِ شَيخَنَا أبَا عَليٍّ؛ الحسنَ بن أحمدَ الفَارسِيَّ، بمدينَةِ السَّلامِ ليلًا وقَدْ أَخْلَينَا، فأخَذَ يُقَرِّظُهُ ويُفَضِّلُهُ، وأنْشَدتُهُ مِن حِفْظي ميميَّتَهُ: (واحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلبُهُ شَبِمُ)، فَجَعَلَ يستَحْسِنُها، فَلمَّا وصَلتُ إلى قولِهِ:
لَمْ يَزَلْ يسْتَعِيدُهُ مِنِّي إلى أنْ حَفِظَهُ، وقالَ: مَا رَأيتُ رَجُلًا في مَعْنَاهُ مِثلَه، فَلَو لم يكُنْ لهُ مِنَ الفَضِيلةِ إلَّا قولُ أبي عليٍّ هذا فيهِ لَكَفَاهُ؛ لأنَّ أبا عليٍّ، مَعَ جَلالَةِ قدْرِهِ في العلمِ، ونَبَاهَةِ مَحَلِّهِ، واقتِدَائِهِ بِسُنَّةِ ذَوي الفَضْلِ مِن قَبْلِهِ، لَمْ يكنْ ليُطْلِقَ هذا القَول عليه إلَّا وهو مُسْتَحِقٌّ لهُ عِندَهُ، فَمَاذا يُتَعَلَّقُ بِهِ مِن غَضِّ أهلِ النَّقْصِ مِن فضْلِهِ وهذه حَالُهُ في نَفْسِ فَرْدِ الزَّمَانِ في عِلْمِهِ، والمُجْتَمَعِ على أصَالَتِهِ وحِلْمِهِ. ومَنْ ذَا الذي يَسْلَمُ مِن قَالَةِ الخِسَاس وحَسَدَتِهِم؟. وهَلْ خَلا الصَدْرُ الأعْظَمُ، والجمهُورُ الأفْخَمُ مِن أهْلِ العلمِ وذَوي الألبَابِوالفَهْمِ، مِن هذهِ المُنَاقَفَةِ والمُنَاقَضَةِ والتَّعَصُّبِ والتَّحَزُّبِ على قَدِيمِ الوقْتِ وإلى زمَانِنَا هذا؟.
وذَكَرَ عليُّ بن عيسى الرَّبَعِيُّ في كتاب (التَّنبيه)؛ الذي ردَّ فيه على ابن جنِّي في كتاب (الفَسْر)، قالَ: كنتُ يومًا عند المُتنبِّي بشيراز، فقيلَ له: أبو عليٍّ الفارسيُّ بالباب، وكانت بينهما مَوَدَّةٌ، فقالَ: بادِروا إليه فأنْزِلُوه، فدَخَلَ عليه أبو عليٍّ وأنا جالسٌ عنده، فقالَ: يا أبا الحَسَن خُذْ هذا الجُزْءَ، فأعطاني جُزءًا مِن كتاب (التَّذْكِرة)، وقالَ: اكتب عن الشَّيخ البيتين اللَّذين ذاكَرْتُك بهما؛ وهما:
فهُما مُثبَتان في التَّذكرةِ بخَطِّي. قالَ: وهذا مِن فِعْلِ الشَّيخ أبي عليٍّ الفارسيِّ عظيمٌ. قالَ الرَّبَعيُ: وكانَ قَصْدُ أبي عليٍّ الفارسيِّ نَفْعهُ لَا التَّأَدُّبَ والتَّكثُّرَ، وأيًّا قصَدَ فهو كثيرٌ.
وحَدَّثَنِي أَبُوعَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجتُ بِحَلَبَ أُرِيدُ دَارَ سَيفِ الدَّولَةِ، فَلَمَّا بَدَرْتُ مِنَ السُّورِ إِذَا أَنَا بِفَارِسٍ مُتَلَثِّمٍ قَد أَهْوى نَحْوِي بِرُمحٍ طَوِيلٍ وسَدَّدَهُ إِلَى صَدْرِي، فَكِدْتُ أَطرَحُ نَفسِي عَنِ الدَّابَّةِ فَرَقًا، فَلَمَّا قَرُبَ مِنِّي ثَنَى السِّنَانَ وحَسَرَ لِثَامَهُ، فَإِذَا المُتَنَبِّي، وأَنشَدَنِي:
ثُمَّ قَالَ لِي: كَيفَ تَرَى هَذَا القَولَ، أَحَسَنٌ هُو؟. فَقُلتُ ويحَكَ، قَتَلتَنِي يَا رَجُلُ!. فَحَكَيتُ أَنَا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ هَذِهِ الحِكَايَةَ لِأَبِي الطَّيِّبِ، فَعَرَفَهَا، وضَحِكَ لَها، وذَكَرَ أَبَا عَلِيِّ مِنَ التَّقرِيظِ والثَّنَاءِ بِمَا يُقالُ فِي مِثلِهِ.
وحدَّث رجلٌ ثقةٌ، أنَّ أبا الطَّيِّب لمَّا أنشَدَ هذا البيت:
قيلَ له: هذا مِن قول الأوَّل:
فقالَ: الشِّعرُ طريقٌ، وربَّما وقَعَ الحافرُ على الحافر.
وقالَ ابنُ مِسْعَر التَّنوخيُّ المعرِّيُّ: وحدَّثني عبدُ العزيز بن المبارك؛ وكانَ يَصْحَبُ المتَنبِّي وينظُرُ له في الضَّيعةِ ب(بَصِّف) مِن معرَّةِ النُّعمان، قالَ: قُلتُ له: أتقولُ:
بعدَ قولِ الأوَّلِ:
فقالَ: يا أبا الخير، الشِّعْرُ مَحَجَّةٌ، يقعُ فيها الحافِرُ على الحافرِ.
وجرَى للمُتَنبِّي مع ابنِ خَالَوَيْه مثلُ هذه الواقعة التي حكاها أبو عليٍّ؛ فإنَّني نقَلْتُ مِن خطِّ أبي الحَسَن؛ عليِّ بن مُرْشِد بن عليِّ بن مُقَلَّد بن نصر بن مُنْقِذٍ، الكنانيِّ المالكيِّ مِن كتابه الموسوم ب(البِداية والنِّهاية في التاريخ)، قالَ فيه: حدَّثني أبي، قالَ: حدَّثني، وبيَّضَ ولم يذكُر مَن حَدَّث أباه، قالَ: حدَّثني ابنُ خَالَوَيْه، وكانَ نديمًا ومُجالسًا لسَيف الدَّولة، قالَ: خرجتُ في بعض الأيَّام إلى ظاهر حَلَبَ، فقَعَدتُ أُطالعُ في كتابٍ، وأنظُرُ إلى (قُويقٍ)، فما رَفَعتُ رأسي إلَّا مِن وَقْعِ فَرَسٍ، فنظرتُ فإذا بفارسٍ مُسَدِّدٍ نحويَ رُمحَه، فقلتُ: واللَّه ما أعرفُ بيني وبين واحدٍ مِن النَّاس ما يوجِبُ هذا، ورأيتُ الفَارسَ مُتَلَثِّمًا، فلمَّا دنَا حَطَّ لثَامَه فإذا بأحمَدَ بن الحُسين المُتنبِّي، فسَلَّم عليَّ، فردَدْتُ السَّلامَ وجارَيتُه الحديثَ، فقالَ: كيفَ رأيتَ قصيدتي التي أنشدتُها أوَّلَ أمس الأميرَ سيفَ الدَّولة؟. فقلتُ: واللَّه إنَّها لمَلِيحةٌ، وإنَّ أوَّلَها لا يحتاجُ إلى تَمَامٍ في قولكَ:
وفيها كذا وكذا، فقالَ: ما رأيتَ إلَّا مليحًا، والذي فيه مَا سبَقَني إليه مَنْ أحْسَن فيه مِن ذِكْرِ الدَّراهم؛ فإنَّها لا تأتي في شِعْرٍ إلَّا بَرَّدَته وضعَّفته، إلَّا مَا جاءني:
من صفات أبي الطيب٤ أخبار
وكانَ أبو الفَضْل؛ ابنُ العَميد، يَخْرُجُ في السَّنة مِن الرَّيِّ خَرْجَتَين إلى أرَّجَان؛ يَجْبِي بها أربعَ عشرةَ مَرَّةً ألفَ ألفَ درهمٍ، فنَمَى حديثُه إلى المُتنبِّي بحصولِه بأرَّجَان، فلمَّا حَصَلَ المُتنبِّي ببغداد، نَزَلَ رَبَضَ حُمَيد، فَرَكِبَ إلى المُهَلَّبيِّ، فأذِنَ له، فدَخَل وجَلَسَ إلى جَنْبِه، وصَاعِدٌ؛ خليفَتُه دُونَه، وأبو الفَرَج الأصفَهانيُّ؛ صاحبُ كتاب الأغاني، فأنشَدوا هذا البيتَ:
وقَالَ المُتنبِّي: هوَ جُرابًا، وهذه أمكنةٌ قتلْتُها عِلماً، وإنَّما الخَطأُ وقَعَ مِن النَّقَلةِ، فأنْكَرَه أبو الفَرَج الأصفهانيُّ. قالَ الشَّيخُ: هذا البيتُ أنشَدَه أبو الحَسَن الأخفش؛ صاحبُ سيبويه، في كتابهِ جُرَامًا؛ بالميم، وهو الصَّحيحُ، وعليه عُلماءُ اللُّغة. وتفَرَّقَ المَجْلِسُ عن هذه الجُمْلة. ثمَّ عَاوَدَه اليومَ الثَّاني، وانتَظَرَ المُهَلَّبيُّ إنشَادَه فلَم يفْعَل؛ وإنَّما صَدَّه مَا سَمِعَه مِن تَمَادِيه في السُّخْفِ، واسْتِهْتَاره بالهَزْل، واستيلاءِ أهلِ الخَلاعَة والسَّخَافة عليه.
الأصفهاني: وكانَ المُتَنبِّي مُرَّ النَّفْسِ، صَعْبَ الشَّكيمَةِ، حَادًّا مُجِدًّا، فخَرَجَ. فلمَّا كانَ اليومُ الثَّالثُ أغْرَوا به ابنَ الحَجَّاجِ، حتَّى عَلَّقَ لِجَامَ دَابَّته في صِينيَّة الكَرْخِ، وقد تَكَابَسَ النَّاسُ عليه مِن الجَوانِب، وابتَدَأَ يُنْشِدُه:
فصَبَرَ عليه المُتنبِّي سَاكتاً ساكناً إلى أنْ أنْجَزَها، ثمَّ خَلَّى عِنَانَ دَابَّته، وانصَرَفَ المُتنبِّي إلى منزله، وقد تيَقَّنَ استقرارَ أبي الفَضْل ابن العَميد بأرَّجَان وانتظارَه له، فاستَعَدَّ للمَسير.
وحدَّثَنا أبو الفتح؛ عثمان بن جنِّي، عن عليِّ بن حمزةَ البَصْريِّ، قالَ: كنتُ مع المُتنبِّي لمَّا وَرَدَ أرَّجَان، فلمَّا أشْرَفَ عليها وجَدَها ضَيِّقَةَ البُقْعَة والدُّور والمَسَاكن، فضَرَبَ بيدِه على صَدْرِه، وقالَ: تَرَكْتُ مُلوكَ الأرض وهم يتَعَبَّدُون لي، وقصدتُ ربَّ هذه المَدَرةِ، فمَا يكونُ مِنه. ثمَّ وقَفَ بظَاهِر المَدينة وأرسَلَ غُلاماً على راحلته إلى أبي الفضل ابن العميد، فدَخَلَ عليه، وقالَ: مَولاي أبو الطَّيب المُتنبِّي خارجَ البِلادِ، وكانَ وقتَ القَيلُولة، وهو مُضْطَجِعٌ في دَسْتِه، فثَارَ مِن مَضْجَعه أبو الفَضْل، واسْتَثْبَتَه، ثمَّ أمرَ حَاجِبَه (كِيَارُووين) باسْتِقبَاله، فرَكِبَ واسْتَركَبَ مَن لَقِيه في الطَّريق، ففَصَلَ عن البَلد بجَمعٍ كثيرٍ، فَتَلَقَّوه وقضَوا حقَّه، وأدخلُوه البلدَ فدَخَلَ على أبي الفَضْل، فقامَ له مِن الدَّسْت قياماً مُستوياً، وطُرِحَ له كُرسِيٌّ عليه مَخَدَّةُ دِيبَاجٍ، وقالَ أبو الفَضْل: كُنتُ مُشتاقاً إليك يا أبا الطَّيب، ثمَّ أفَاضَ المُتنبِّي في حديثِ سَفَره، وأنَّ غُلاماً له احتَمَلَ سيفاً وشذَّ عنه. وأخرجَ مِن كُمِّه عَقِيبَ هذه المُفَاوضَة دَرْجاً فيه قصيدتُه:
فوَحَى أبو الفضل إلى حَاجِبه، فجاءَ بقِرطاسٍ فيه مِئتا دينارٍ وسيفٌ غِشَاؤُه فِضَّةٌ، وقالَ: هذا عِوَضٌ عن السَّيف المَأخُوذ، وأَفْرَدَ له دَارًا نَزَلَها. فلمَّا استراحَ مِن تَعَبِ السَّفَر، كانَ يَغْشَى أبا الفَضْل كلَّ يومٍ، ويقولُ: مَا أزُورُكَ إكباباً إلَّا لشَهْوَة النَّظَر إليك، ويُؤَاكِلُه.
وكان أبو الفَضْل يقرأُ عليه ديوانَ اللُّغة الذي جمَعَه، ويتَعَجَّبُ مِن حِفْظِه وغَزَارةِ عِلْمِه، فأظَلَّهُم النَّيرُوزُ، فأرسَلَ أبو الفضل بعضَ نُدَمائِه إلى المُتنبِّي: كانَ يَبْلُغُني شِعرُك بالشَّام والمَغْرب، ومَا سَمِعْتُ دُونَه، فلَم يُحِرْ جَوَاباً إلى أنْ حَضَرَهُ النَّيروزُ، وأنشَدَه مُهنِّئاً ومُعْتَذرًا، فقالَ:
فأخبرني البَديهيُّ سنةَ ثلاث مِئة وسَبعينَ، أنَّ المُتنبِّي قالَ بأرَّجَان: المُلُوكُ قُرودٌ يُشْبِهُ بعضُهم بعضاً، لا على الجَوْدَةِ يُعْطُونَ. وكانَ حَمَلَ إليه أبو الفَضْلِ خَمْسِينَ ألفَ دينار، سِوى تَوَابِعها، وهو مِن أَجَاودِ زَمَانِ الدَّيْلَم.
من قصائد أبي الطيب٤ أخبار
قالَ أبو عبد اللَّه: وجدتُ ديوانَ أبي الطَّيِّبِ بخطِّ أبي بكرٍ؛ محمَّد بن هاشم؛ أحد الخَالديَّين، وقد كتَبَه بيدِه، في سنة خمسٍ وخمسينَ وثلاثِ مئةٍ، بالمَوصلِ. قالَ فيه عندَ فراغِهِ مِن مَدَائحِ سيفِ الدَّولةِ، ما حِكَايَتُه على وجهِهِ حَرفًا حرفًا: هذا آخِرُ ما عَمِلَه المُتَنَبِّي في مولانا الأميرِ، أطالَ اللَّه تعالى بقاءَه، وكَبَتَ أعداءَه، وكُنَّا شاهَدْنَاهُ في سَنَة ثمانٍ وثلاثينَ وثلاثِ مئةٍ، بميَّافارقين، ومولانا أدامَ اللَّه عِزَّه، فَعَمِلَ عِدَّةَ أشعارٍ وهو مُقيمٌ بها، أنشَدَنا مِنها: (إِذَا كَانَ مَدْحٌ فَالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ)، ومنها: (أيَقْدَحُ في الخَيمَةِ العُذَّلُ)، وغير ذلك. وأنشدَنا أيضًا ممَّا عَمِلَه في مولانا، أيَّدَه اللَّه تعالى، في غير ميَّافارقين، قصائدَ كثيرةً في مجالِسَ مُتَفَرِّقةٍ، وكلُّ ذلكَ بحضْرةِ مولانا أدام الله عِزَّه. فَمِمَّا أنشدَنا قولُه: (وفَاؤُكُمَا كَالرَّبْعِ أَشْجَاهُ طَاسِمُهْ)، ومنه: (رُويدَكَ أيُّها المَلِكُ الجَليلُ)، ومِنه مرثيَّةٌ في والِدَةِ مولانا أطالَ اللهُ بقاءَه، ورَضِيَ عنها، ونضَّرَ وجهَهَا؛ التي أوَّلُها: (نُعِدُّ المَشرَفيَّةَ والعَوالي)، ومنه: (غَيرِي بِأكْثَرِ هذا النَّاسِ يَنْخَدِعُ)، ومنه: (عَواذِلُ ذَاتِ الخَالِ فِيَّ حَواسِدُ)، ومنه: (لِعَينَيكِ مَا يَلْقَى الفُؤَادُ ومَا لَقِي)، ومنه: (لَيَاليَّ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ شُكُولُ)، ومنه: (دُرُوعٌ لمَلْكِ الرَّومِ هذي الرَّسائِلُ)، ومنه: (تَذَكَّرْتُ مَا بَينَ العُذَيبِ وبَارِقِ)، ومنه: (طِوالُ قَنًى تُطَاعِنُهَا قِصَارُ)، وغير ذلك ممَّا كانَ يُنشِدُه سيِّدَنا أيَّدَه اللَّه، ونحنُ حُضُورٌ. وأمَّا غيرُ هذا مِن شِعْرِه، فإنَّه أنشَدَناهُ في مواضِعَ كُنَّا نجتَمعُ فيها للمُذاكَرَةِ عندَنا وعِندَه.
المتطبِّب: وكانَ، رضيَ اللَّه عنه، وقَتَلَ قاتِلَه، مُحِبًّا لنا، مائِلًا إلينا، يُكْثِرُ وَصْفَنَا وتَقْرِيظَنا في مجلسِ مولانا سيفِ الدَّولة، أدامَ اللهُ تعالى تأييدَه، وفي غيره. ولمَّا افتَرَقنا، كانَ يُكاتِبُنا بأخباره وحاجَاتِه مِن مِصرَ والكوفَةَ وبغداد. وكان رحمَه الله تعالى مُفْتَنًّا في علم اللُّغة والمعرفة بالشِّعرِ وما يُشْكِلُ مِن معانيه، ويدِقُّ مِن مَعرفتِه، كثيرَ الرِّوايةِ، جيِّدَ النَّقدِ.
المتطبِّب: ولقد حَكَى بعضُ مَن كانَ يَحْسُدُه أنَّه كانَ يضَعُ مِن الشُّعراءِ المُحْدَثينَ، ويَغُضُّ مِنهم، ورُبَّما قالَ: أنشِدُوني لأبي تَمَّامِكم شيئًا؛ حتَّى أعرِفَ مَنزلتَه في الشِّعرِ. فتذاكَرْنا ليلةً في مجلسِ مولانا أدام اللهُ عِزَّه، بميَّافارقين، وهو معنا، فأنشدَ أحدُنا مولانا أيَّدَه الله شعرًا له فيه، قد ألَمَّ فيه بمعنًى لأبي تمَّام، فاستحسَنَه مولانا أدامَ اللَّه تعالى تأييدَه، واستجادَه واستعادَه. فقالَ المتنبِّي، وكان ذلكَ أوَّلَ ليلةٍ التَقينا به: نعم هذا يُشبِهُ قولَ أبي تمَّام، وأتى بالبيت المَأخُوذ منه المعنى، فقلنا: قد سُررْنا يا أبا الطَّيِّبِ لأبي تمَّام إذ عرَفتَ شِعْرَه!. فقالَ: يا إخوتي، أو يجوزُ للأديبِ أن لا يعرِفَ أبا تمَّام، ويَروي شِعْرَه!. وهو أستاذ كلِّ مَنْ قالَ الشِّعرَ بعدَه؟!. فقُلنا: إنَّ إنسانًا ذكَرَ أنَّكَ تقولُ كيتَ وكيتَ، فأنكرَ ذلك وَحَلَفَ مُجتَهِدًا أنَّ هذا شيءٌ ما نَطَقَ به قَطُّ. ومَا زالَ بعد ذلك إذا التَقَينا يُنشِدُنا بدائعَ أبي تمَّام ويتَعَجَّبُ مِنها، وكان يروي شعْرَه بأسْرِه أو أكثَرَه. وهذا الخبرُ نقلتُه من خطِّ الخالديِّ حرفًا حرفًا. وهو ردٌّ على أبي الحَسَن المغربيِّ والحاتميِّ وغيرهما؛ فإنَّهم ادَّعَوا أنَّ المتنبيِّي كان يضعُ مِن أبي تمَّام، ويرى نفسَه فوقَه بكثير.
وقالَ ابنُ مِسْعَر التَّنوخيُّ المعرِّيُّ: وذكرَ بعضُ مَن يختصُّ بالحضور عنده، أنَّه كانَ يرَى في يدِه دفترًا صغيرًا ينظرُ فيه على مَمرِّ الأوقاتِ، وأنَّه كان يستحي مِنه أنْ يسألَه عنه، فقام لبعضِ ما يعرِضُ للإنسانِ، فنظَرَ الرَّجُلُ إلى ترجَمَة الدَّفترِ، فإذا عليه: (ديوان الطَّائي).
أنبأنا أبو اليُمْنِ الكنديُّ، تاجُ الدِّين الكِنْدِيُّ؛ زَيد بن الحسَن بن زيد بن الحسَن الحِمْيَريُّ البَغداديُّ (٥٢٠-٦١٣ه)،عن الشَّيخ أبي منصور؛ مَوهوب بن أحمَد الجَوَاليقيِّ؛ قالَ: قالَ عليُّ بن حمزةَ البَصْريُّ؛ صاحبُ أبي الطَّيِّب المُتنبِّي، أو غيرُه ممَّن صَحِبَ المُتنبِّي، شَكَّ فيه أبو منصور، قالَ: بَلَوتُ مِن أبي الطَّيِّب ثلاثَ خِلَالٍ محمودةٍ، وتلكَ: أنَّه مَا كَذَبَ، ولَا زَنَى، ولَا لَاطَ، وبَلَوتُ مِنه ثلاثَ خِلَالٍ ذَميمةٍ كلَّ الذَّمِّ، وتلكَ أنَّه: ما صَامَ، ولَا صَلَّى، ولَا قَرَأَ القرآنَ، عفَا اللَّهُ عنَّا وعنه آمين.
وحُدِّثْتُ أنَّ أبا الطَّيِّب أيامَ كانَ إقطاعُه ب(بَصِّف)، رُؤيَ يُصَلِّي بموضعٍ بمعرَّة النُّعْمان يُقالُ له (كنيسةُ الأعراب)، وأنَّه صَلَّى ركعتين، وذلك في وقت العَصْر؛ فيجوزُ أن يكونَ رأى أنَّه على سَفَرٍ، وأنَّ القَصْرَ له جائزٌ.
تباعد أبي الطيب عن الفحشاء٤ أخبار
قالَ الوحيدُ الأزديُّ: وأمَّا المُتنبي فقد كانَ عفيفَ الفرْجِ، نزيهَ النَّفسِ عن أشياءَ كثيرةٍ، كذا أعرِفُهُ.
وذكَرَ ابنُ فُوَرَّجَة، في كتاب (التَّجَنِّي على ابن جنِّي)، عن أبي العَلاءِ؛ أحمدَ بن عبد الله بن سُليمان المَعَرِّيِّ، عن رجُلٍ مِن أهل الشَّام كانَ يتَوَكَّلُ لأبي الطَّيِّب في داره، يُعْرَفُ بأبي سَعْدٍ، قالَ: وبقِيَ إلى عَهدِنا، قالَ: دعاني أبو الطَّيِّب يومًا ونحنُ بحلَبَ، أظنُّه قالَ، ولم أكُنْ عرفْتُ مِنه المَيلَ إلى اللَّهو مع النِّساءِ ولَا الغِلْمان، فقال لي: أرأيتَ الغُلامَ ذا الأصْدَاغ الجَالِسَ إلى حانوت كذا مِن السُّوق، وكانَ غُلامًا وَسيمًا فَحَّاشًا فيما هو بِسَبيلِه، فقلتُ: نعم وأعرِفُه، فقالَ: امْضِ فأْتِني به، واتَّخِذْ دَعْوةً وأنْفِقْ وأكثِرْ، فقلتُ: وكم قَدْرُ ما أُنْفِقُه، فلم يزدْني على قولِه: أنْفِقْ وأكْثِرْ، وكنتُ أسْتَطْلِعُ رأيَه في جميع مَا أُنْفِقُ، فمَضَيتُ، واتَّخَذتُ له ثلاثةَ ألوانٍ مِن الأطعِمة وصَحْفَاتٍ مِن الحَلْوَاء، واستدعيتُ الغُلامَ، فأجابَ وأنا مُتَعَجِّبٌ مِن جميع مَا أسمَعُ منه؛ إذْ لم تَجْرِ له عادةٌ بمِثْله، فعادَ مِن دار سيف الدَّولة آخرَ النَّهار وقد حَضَرَ الغُلامُ، وفُرِغَ مِن اتِّخاذِ الطَّعام، فقالَ: قدِّم مَا يؤكَلُ ووَاكِلْ ضَيفَكَ، فقدَّمتُ الطَّعامَ فأَكَلَا وأنَا ثَالثُهما. ثمَّ أجَنَّ اللَّيلُ، فقَدَّمتُ شَمعةً ومِرْفَعَ دَفَاتِره، وكانت تلكَ عادتُه كلَّ ليلةٍ، فقالَ: أحْضِرْ لضَيفِكَ شَرابًا، واقْعُد إلى جانِبه فنَادِمْهُ، ففَعَلتُ مَا أمَرَني به، كلُّ ذلك وعينُه إلى الدَّفتر يدْرُسُ ولَا يَلْتَفت إلينا إلَّا في الحِين بعدَ الحين، فمَا شَرِبنا إلَّا قليلًا حتَّى قالَ: افْرِشْ لضَيفكَ وافْرِش لنَفْسِك وبِتْ ثالثَنا، ولم أكنْ قبلَ ذلك أُبَايتُه في بيته، ففعَلْتُ وهو يدْرُس حتَّى مضى مِن اللَّيل أكثرُه، ثمَّ أوَى إلى فِراشِه ونامَ، فلمَّا أصبَحنا قلتُ له: مَا يصْنَعُ الضَّيفُ؟. فقالَ: احْبُه واصْرفْهُ، فقلتُ له: وكم أُعطِيه؟. فأطرقَ ساعةً، ثمَّ قالَ: أَنْطِهِ ثلاثَ مئةِ درهم، فتَعَجَّبتُ مِن ذلك، ثم جَسَّرتُ نفسي فدَنَوتُ إليه، وقلتُ: إنَّه ممَّن يُجِيبُ بالشَّيءِ اليَسير، وأنتَ لم تَنَلْ منه حظًّا، فقَطَّبَ، ثمَّ قالَ: أتظُنُّني مِن هؤلاءِ الفَسَقَة!. أَنْطِه ثلاثَ مئةِ درهم وليَنْصَرِف راشدًا، قالَ: ففعَلْتُ مَا أمَرَني به، وصَرَفتُه. قالَ: وهذا مِن بديع أخبَارِه، ولولَا قُوَّةُ إسْنَادِه لمَا صَدَّقتُ به.
أنبَأنَا أبو الحَسْن؛ ابن المُقَيِّر، عن أبي الفتح؛ ابن البَطِّيِّ، عن أبي نصرٍ الحُمَيديِّ، قالَ: أخبَرَني غَرْسُ النِّعْمةِ؛ أبو الحَسَن؛ محمَّد بن هِلال بن المُحَسِّن بن أبي إسحاق الصَّابئُ، قالَ: وحدَّثني رضي اللَّه عنه؛ يعني والدَه هِلالَ بن المُحَسِّن، قالَ: حَدَّثَ الرَّضِيُّ؛ أبو الحُسين؛ محمَّد بن الحُسَين المُوسَويُّ، قالَ: حَدَّثني أبو القاسِم؛ عبدُ العزيز بن يوسف الحَكَّار، قالَ: لمَّا وَصَلَ أبو الطَّيِّب المُتنبِّي إلى حَضْرَة عضُد الدَّولة في أوَّل مجلِس شَاهَدَه فيه، قالَ لي عضُدُ الدَّولة: اخْرُج واستَوقِفه واسْأَله: كيفَ شَاهدَ مجلِسَنا؟. وأينَ الأمراءُ الذين لَقِيَهم في نفسِه مِنَّا؟. قالَ: فامْتَثَلْتُ ما أمرني به، ولحِقْتُه وجلَستُ معه، وحَادَثتُه وطاوَلْتُه وأطَلْتُ معه في المعنى الذي ذكرتُه، فكانَ جوابُه عن جميع ما سَمِعَه مِنِّي أنْ قالَ: مَا خَدَمَتْ عينَايَ قلبي كاليوم، فجاءَ بالجَوابِ مَوزُونًا، واسْتَوفى القولَ في اختصارٍ مِن اللَّفْظ.
قالَ أبو منصور الثَّعالبيُّ: أَخْبَرنِي جمَاعَةٌ مِن أهل الْأَدَب أَنَّ المُتنبِّي لمَّا عُوتِبَ فِي آخر أَيَّامه على تَرَاجُعِ شِعْره، قَالَ: قد تَجَوَّزْتُ فِي قَولي، وأَعْفَيتُ طَبْعِي، واغْتَنَمْتُ الرَّاحَةَ مُنْذُ فَارَقتُ آل حمدَان، وَفِيهِمْ مَن يَقُولُ:
يَعْنِي أَبَا زُهَيْر؛ مُهَلْهِل بن نَصْر بن حَمْدَان. وَمِنْهُم مَن يَقُولُ؛ يَعْنِي أَبَا العشَائر:
إصابته بالحمى٤ أخبار
قرأتُ في مَجموع صالح بن إبراهيم ابن رِشْدِين بخطِّه، قالَ لي أبو نَصْرٍ؛ ابن غِياث النَّصرَانيُّ الكاتبُ: اُعْتُلَّ أبو الطَّيِّب المُتنبِّي بمِصْرَ العِلَّةَ التي وَصَفَ الحُمَّى في أبياتِه مِن القصيدة المِيميَّة، فكنتُ أوَاصِلُ عيَادَتَه وقضاءَ حقِّه فيها، فلمَّا تَوَجَّهَ إلى الصَّلاح وأَبَلَّ أَغْبَبْتُ زيارتَه؛ ثقةً بصَلاحِه، ولشُغْلٍ قَطَعَني عنه، فكتَبَ إليَّ: وَصَلتَني، وَصَلَكَ اللَّه، مُعتَلًّا، وقطعتَني مُبِلًّا، فإنْ رأيتَ أنْ لَا تُحَبِّبَ العِلَّةَ إليَّ، ولَا تُكَدِّر الصِّحَّةَ عليَّ، فعَلتَ إن شَاء اللَّه.
ونقَلتُ مِن هذا المَجموع بخَطِّه: ذَكَرَ لي أبو العبَّاس؛ ابن الحَوتِ الورَّاقُ (رحمَه اللَّه)، أنَّ أبا الطَّيِّب المتنبِّي أنشَدَهُ لنفسِه هذين البيتين:
أنشَدَنا أبو حفصٍ؛ عمرُ بن عليِّ؛ ابن قُشَام الحَلَبيُّ؛ قراءةً عليه بها، قالَ: أنشَدَنا الحافظُ أبو بكرٍ؛ محمَّد بن عليِّ بن ياسر الجَيَّانيُّ الحافظُ، قالَ: أنشَدَني أبو القاسِم؛ زَاهِرُ بن طاهرٍ، قالَ: أخبَرَنا أبو الحُسَين البَحِيريُّ، قالَ: أنشَدَنا محمَّد بن الحُسين بن موسى السُّلَميُّ، قالَ: أنشَدَني محمَّدُ بن الحُسين البَغْدَادي، قالَ: أنشَدَني المُتنبِّي:
أخبَرَنا الشَّيخُ الصَّالحُ؛ أبو محمَّد؛ عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عُلْوَان الأسديُّ، قالَ: أخبَرَنا محمَّد بن محمَّد بن عبد الرَّحمن؛ أبو عبد الرَّحمن الخَطِيبُ، قالَ: أخبَرَنا أبو بكرٍ؛ محمَّد بن منصور بن محمَّد السَّمعانيُّ، قالَ: سمِعتُ الشَّيخَ أبا الحَسَن؛ عليَّ بن أحمد المَدِينيَّ، قالَ: سَمِعتُ أبا عبد الرَّحمن السُّلَميَّ، قالَ: سَمِعتُ السَّيِّدَ أبا الحَسَن؛ محمَّد بن أبي إسماعيل العَلَويَّ، يقولُ: دَخَلَ المُتنبِّي على الأستاذ الرَّئيس؛ أبي الفَضل؛ محمَّد بن الحُسَين، وبين يديه مَجَامِرُ مِن آسٍ ونَرْجِسٍ، قد أُخْفِيَ فيها مَواضِعُ النَّار؛ لا تُرَى النَّارُ وتُشَمُّ رائحةُ النَّدِّ، فقالَ: يا أبا الطَّيِّب، قُلْ فيه شيئًا، فأنشَأَ يقولُ:
مع سيف الدولةفي القصّة
اتصاله بسيف الدولة وكافور١ خبر
واتَّصَلَ بالأمير أبي الحسَن؛ ابن حَمْدان؛ المعروف بسيف الدَّولة، وانقطَعَ إليه، وأكثَرَ القولَ في مديحه، ثمَّ مضى إلى مصر، فمَدَحَ بها كافورًا الخادمَ، وأقامَ هناك مُدَّةً، ثمَّ خرجَ مِن مِصْرَ ووَرَدَ العراقَ، ودخَلَ بغدادَ، وجَالَسَ بها أهلَ الأدب، وقُرِئَ عليه دِيوانُه. فحدَّثني أحمدُ بن أبي جعفر القَطِيعيُّ، عن أبي أحمَدَ؛ عُبيد الله بن محمَّد بن أبي مُسلِم الفَرَضِيُّ، قالَ: لمَّا وَرَدَ المُتنبِّي بغدادَ سَكَنَ في (رَبَضِ حُمَيد)، فمضيتُ إلى الموضِع الذي نَزَلَ فيه؛ لأسمَعَ مِنه شيئًا مِن شِعْرِه، فلم أُصَادِفْه، فجلستُ أنتَظِرُه، وأبطَأَ عَلَيَّ، فانصرفتُ مِن غير أنْ ألقَاهُ، ولم أعُدْ إليه بعدَ ذلك. وقد كانَ القاضي أبو الحُسين؛ محمَّد بن أحمد بن القاسِم المَحَامِلِيُّ سَمِعَ مِنه ديوانَه ورَوَاهُ عنه.
بين المتنبي وأبي فراس٣ أخبار
قالَ أبو عبد اللَّه الرُّوميُّ: وقَرَأتُ في كتابِ (المُفَاوَضَة): حدَّثني الحَلَبيُّ المؤدِّبُ، قالَ: كانَ سيفُ الدَّولة يَمِيلُ إلى أبي العبَّاس النَّامي الشَّاعرِ ميلًا شديدًا، إلى أنْ جَاءَهُ المُتنبِّي، فمَالَ عنه إليه، فغَاظَ ذلك أبا العبَّاس، فلمَّا كانَ ذاتَ يومٍ خَلا به وعَاتَبَه، وقالَ: أيُّها الأميرُ، كَم تُفَضِّلُ عَلَيَّ ابنَ عِيْدَان السَّقَّاء!. فأمسَكَ سيفُ الدَّولة عن جَوَابه، فَلَجَّ وأَلَحَّ عليه وطَالَبَه بالجواب، فقالَ له: لأنَّكَ لا تُحْسِنُ أنْ تقولَ:
فَنَهَضَ مِن بين يديه مُغْضَباً، واعْتَقَدَ ألَّا يمْدَحه أبدًا.
المتطبِّب: قَالَ: وذَكَرَ الشَّيخُ ابنُ الدَّهَّان؛ سعيدُ بن المُبارك، في كتابه (المَآخِذ الكِنْديَّة مِن المَعاني الطَّائيَّة): أنَّه قالَ أبو فِراس لَسيف الدَّولة: إنَّ هذا المُتَشَدِّقَ كثيرُ الإدْلَال عليكَ، وأنتَ تُعْطيه كلَّ سنةٍ ثلاثةَ آلافِ دينار، عَن ثلاثِ قصائدَ، ويُمْكِنُ أنْ تُفَرِّقَ مِئتي دينارٍ على عشرين شاعرًا يأتُونَ بمَا هو خيرٌ مِن شِعْره!. فتَأثَّر سيفُ الدَّولة مِن هذا الكلام، وعَمِلَ فيه، وكانَ المُتنبِّي غائباً، وبَلَغَتُه القِصَّةُ، فدَخَلَ على سيف الدَّولة، وأنشَدَه:
فَأَطْرَقَ سيفُ الدَّولة ولم ينْظُرْ إليه كعادتِه، فخرجَ المُتنبِّي مِن عنده مُتَغَيِّرًا، وحَضَرَ أبو فِرَاس وجماعةٌ مِن الشُّعراء، فبَالغُوا في الوَقيعة في حقِّ المُتنبِّي، وانقَطَعَ يَعْمَلُ في القصيدةَ التي أوَّلُها: (واحَرَّ قَلْبَاهُِ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ)، وجاءَ فأنْشَدَها، وجَعَلَ يَتَظَلَّمُ فيها مِن التَّقصير في حقِّه، فَهَمَّ جماعةٌ بقَتْلِه في حضرةِ سيفِ الدَّولة؛ مِمَّا وَجَدُوا مِن شِدَّة إدْلَالِهِ وإعْرَاضِ سَيف الدَّولة عنه، فلمَّا وَصَلَ في إنشَادِه إلى قوله:
فقالَ أبو فِراس: مَسَخْتَ قولَ دِعْبِلٍ وادَّعَيتَهُ؛ وهو:
فقالَ المتنبِّي:
فعَلِمَ أبو فراس أنَّه يَعْنِيه، فقالَ: ومَن أنتَ يا دَعِيَّ كِنْدَةَ!. حتَّى تَأخُذَ أعْرَاضَ أهلِ الأمير في مَجْلِسِه؟. فاسْتَمَرَّ المُتنبِّي في إنشَاده ولَم يَرُدَّ عليه، إلى أنْ قالَ:
فزَادَ ذلكَ غيظاً في أبي فِراس، وقالَ: سَرَقْتَ هذا مِن عمرِو بن عُرْوَة بن العَبْد؛ في قوله:
فلمَّا وَصَلَ إلى قوله:
قالَ أبو فِراس: ومَا أبقَيتَ للأمير؛ إذا وَصَفْتَ نفسَكَ بالشَّجاعة والفَصاحة والرِّياسَة والسَّماحة، تمْدَحُ نفْسَكَ بمَا سَرَقْتَه مِن كلام غيركَ، وتأْخُذُ جوائزَ الأمير؟. أمَا سَرَقْتَ هذا مِن قول الهَيثَم بن الأسوَدِ النَّخَعيِّ الكُوفِيِّ المعروف بابن العُرْيَان العثمانيِّ، وهو:
فقالَ المُتنبِّي:
قالَ أبو فِراس: وسَرَقتَ هذا مِن مَعْقِلٍ العِجْليِّ؛ وهو:
ولمُحمَّد بن أحمد بن أبي مُرَّةَ المَكِّيِّ مثلُه؛ وهو:
فغَضِبَ سيفُ الدَّولة مِن كثرةِ مُنَاقَشَتِه في هذه القَصيدة، وكَثْرَة دَعَاويه فيها، وضَرَبَه بالدَّوَاةِ التي بينَ يديه، فقالَ المُتنبِّي في الحال:
فقالَ أبو فِراس: أخَذتَ هذا مِن قول بشَّار:
ومثلُه لابن الرُّوميِّ؛ وهو:
فلَمْ يَلْتَفِت سيفُ الدَّولة إلى مَا قالَه أبو فِراس، وأعْجَبَه بيتُ المُتنبِّي، ورَضِيَ عنه في الحال، وأدْنَاهُ إليه، وقَبَّلَ رَأسَه، وأجَازَهُ بألف دِينار، ثمَّ أردَفَهُ بألفٍ أُخرى، فقالَ المُتنبِّي:
وحدَّثَ عبدُ الصَّمَد بنُ بَابَك، قالَ: حَضَرَ المُتنبِّي مَجْلِسَ أبي أحمَدَ بن نَصْر البَازِيَار؛ وزيرِ سيف الدَّولة، وهناك أبو عبد اللَّه ابن خَالَوَيه النَّحويُّ، فتَمَاريَا في أشْجَع السُّلَميِّ وأبي نُوَاس البَصْريِّ؛ فقالَ ابنُ خَالَوَيه: أشجَعُ أشْعَرُ؛ إذْ قالَ في هارون الرَّشيد:
فقالَ المُتنبِّي: لأبي نُوَاس مَا هو أحسَنُ في بني بَرْمَك؛ حيثُ يقولُ:
قَرَأتُ بخطِّ محمَّد بن عليِّ بن نَصْرٍ الكاتبِ، في كتاب (المُفاوضة): وأنبَأَنا المُؤيَّدُ بن محمَّد بن عليٍّ، عن أبي بكرٍ؛ محمَّد بن عبد الباقي الأنصاريِّ، قالَ: أخبَرَنا أبو غالبٍ؛ ابنُ بِشْرَان، إجازةً، قالَ: حدَّثنا محمَّدُ بن عليِّ بن نَصْرٍ، قالَ: حدَّثني أبو الفَرَج البَبَّغاءُ، قالَ: قصَدتُ يومًا أبا العبَّاس النَّامي المِصِّيصيَّ بعد تأَخُّره عن سيف الدَّولة؛ لأجلِ مَا كانَ تَنَجَّزَ بينهما في معنى المُتَنبي وتقدِيمِه له عليه، فعرَّفتُه خبَرَه، وتَفاوضْنَا مَا جَرى مع سيف الدَّولة، فقالَ: يا أبا الفَرَج، خدَمتُه الدَّهر الأطْوَلَ ومَا رَعى، واسْتَجْمَلَ أنْ يقولَ لي: قالَ المُتَنبِّي، وأنَا الذي أقولُ:
من أخبار سيف الدولة مع المتنبي٧ أخبار
وأحضَرَ إليَّ عِمَادُ الدِّين؛ أبو القاسِم؛ عليُّ بن القاسِم بن عليِّ بن الحَسَن الدِّمشقيُّ، وقد قَدِمَ علينا حَلَبَ في رحلته إلى خُراسان = جُزءًا فيه أخبارُ سيف الدَّولة ابن حَمْدان، تأليف أبي الحَسَن؛ عليِّ بن الحُسَين الدَّيلَميِّ الزَّرَّادِ، فَنَقَلتُ منه: وكانَ لسيف الدَّولة مجلِسٌ يحضُرُه العلماءُ كلَّ ليلة، فيتكَلَّمون بحضرَتِه، وكانَ يحضُره أبو إبراهيم، وابنُ مَاثِلٍ القاضي، وأبو طالب البغداديُّ، وغيرُهم، فوقَعَ بين المُتنبِّي وبين أبي عبدِ اللَّه؛ الحُسينَ بن خَالَوَيه كلامٌ، فوَثَبَ ابنُ خَالَوَيه على المُتنبِّي، فضَرَبَ وَجْهَه بمفتاح كان معه، ففَجَّهُ وخرجَ دَمُه يسيلُ على ثيَابه فَغَضِبَ المتنبِّي مِن ذلكَ؛ إذْ لم ينتصِر له سيفُ الدَّولةِ قولًا ولا فعلًا، فخرَجَ مِن فورِه إلى دِمَشقَ، وقَصَدَ كافورًا بمِصرَ.
قالَ الوحيدُ الأزديُّ: لو كانَ موَفَّقًا لَلَزِمَ سيفَ الدَّولةِ، فإنَّه كانَ واحدَ الزَّمانِ، ولكنَّ سوءَ الرَّأي شبَّهَ له، وأطمَعَه في خَلَفٍ مِنه، وقد كانَ كافورٌ كريمًا، ولا قياسَ على سيف الدَّولةِ، ولكنَّه أفسَدَه على نفسِه مِن حيثُ ظنَّ أنَّه يُصلِحُه.
أنبَأَنا أبو القاسِم؛ عبدُ الصَّمد بن محمَّد القاضي، عن أبي الحَسَن؛ عليِّ بن أحمدَ بن منصورٍ الغَسَّانيِّ، وأبي الحَسَن؛ عليِّ بن المُسَلَّم السُّلَميِّ، قالَا: أخبرنا أبو نَصْر؛ ابن طَلَّاب، قالَ: أمَلى علينا أبو عبد اللَّه؛ المُحَسِّنُ بن عليِّ؛ ابنُ كُوجُك، وأخبَرَنا أنَّ أبَاه حدَّثه، قالَ: كنتُ بحضرةِ سيف الدَّولة، وأبو الطَّيِّب اللُّغوي، والمُتنبِّي، وأبو عبد اللَّه ابن خَالَوَيه، وقد جَرَتْ مسألةٌ في اللُّغة تكَلَّمَ فيها ابنُ خالَوَيه مع أبي الطَّيِّب اللُّغويِّ، والمُتنبِّي ساكتٌ، فقالَ له الأميرُ سيفُ الدَّولة: ألَا تتكَلَّم يا أبا الطَّيِّب، فتكلَّم فيها بما قَوَّى حُجَّةَ أبي الطَّيِّب اللُّغوي، وأضعَفَ قولَ ابنِ خالَوَيه، فَحَرِدَ منه، وأخرجَ مِن كُمِّه مفتَاحَ حديدٍ لبيتِه ليَلْكُمَ به المُتنبِّي، فقالَ له المُتنبِّي: اسكُتْ ويحَكَ؛ فإنَّك عَجَمِيٌّ، وأصلُكَ خُوزِيٌّ، وصنعَتُكَ الحِياكةُ، فما لكَ وللعربيَّة!.
قالَ الوحيدُ الأزديُّ في قول المتَنَبِّي:
فَسَادُ البيتِ من قوله: (فوقَ)؛ أي: نَومي أمثلُ وأعلى مِن معرفتي بأنَّكَ لا تُؤتَى مِن الزَّللِ، ولو قالَ: بعد معرفتي، تخلَّصَ، وهذا ممَّا قدَّمتُ ذكرَه مِن استرسالِه إلى الكلامِ، ولا أحسِبُه قَصَدَ إلى الاعتذارِ؛ لأنَّ سيفَ الدَّولةِ كان فَهِمًا، وحوله مَن حولَه من الفُهماءِ، وقد كانوا نَعَوا عليه هذا بحَلَبَ، ونسبُوه إلى الغِشِّ فيه والدَّغَل، وتفاوضَ نُدماؤه فيه وشُعراؤه، فكانَ عندَ المُتنبِّي مِن هذا أمرٌ عظيمٌ، حتَّى بَلَغَ بينَه وبينَهم مَا كانَ سببَ خُروجِه.
وقالَ الوحيدُ الأزديُّ في بيت أبي الطَّيِّبِ:
إنَّما هو ذَا يهجو؛ لأنَّ أهلَ الحِلمِ والوَقَارِ والأناةِ، ومَن يرغبُ في العفوِ واسْتصلاحِ صديقِه وعَشيرِه، مَن يعْلَمُ أنَّ القوَّةَ للحِلْمِ، واجتَنَبَ المتنبي فِعلَ هذا؛ لأنَّ طباعَه تُنافيه، فقد كان مِن الخُرْقِ على حالٍ عجيبةٍ.
وقالَ الوحيدُ الأزديُّ في بيت أبي الطَّيِّبِ:
هذا هو المتنبي؛ وذلك أنَّه أساءَ فاستَوحَشَ.
ودَفَعَ إليَّ بعضُ الشِّرَافِ مِن أهل حَلَبَ كتابًا فيه تاريخٌ جمَعَه أبو غالبٍ؛ همَّامُ بن الفَضْل بن جعفر بن عليِّ بن المُهذَّب المَعَرِّيُّ، قالَ في حوادث سنة سبع وثلاثين وثلاثِ مئةٍ: وفيها وَصَلَ أبو الطَّيِّب المُتنبِّي الشَّاعرُ إلى سيف الدَّولة، ومدَحَه بالقصيدة الميميَّة:
بعدَ انصرافِه مِن حِصْن (بَرْزَوَيه). وَوَقَعَ إليَّ أجزاءٌ مِن تاريخ مُخْتَارِ المُلْك؛ محمَّد بن عبيد اللَّه بن أحمَدَ المُسَبِّحيِّ، فقرأتُ فيه قصيدةً لأبي الطَّيِّب يرثي بها أبا بكرِ؛ ابن طُغُجَّ الإخشيدَ، ويُعَزِّي ابنَه أونوجور بمِصْرَ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ وثلاثِ مِئة، والقصيدةُ ليست في ديوانِ شِعْره، فقد كانَ أبو الطَّيِّب صَعِدَ إلى مِصْرَ مرَّةً أخرى قبلَ هذه المَرَّة التي ذكرنَاها، وأوَّلُ القصيدةِ:
وهي طَويلةٌ. وقالَ في حوادِث سنة ستٍّ وأربعين وثلاثِ مئةٍ: فيها سارَ المُتنبِّي مِن الشَّام إلى مِصْرَ.
مع كافور في مصر وخروجه منهافي القصّة
بقاء المتنبي على كره عند كافور في مصر٢ خبران
ثمَّ أقامَ المُتنبِّي عندَ سيف الدَّولة على التَّكْرِمَة البَليغةِ في إسْنَاءِ الجَائزةِ، ورفْع المَنزلة، ودخَلَ مع سيف الدَّولة بلادَ الرُّوم في غَزْوَتي (المُصيبة) و(الفناءِ)، وتأَمَّلَ حالًا في جَنَبَتِه بعد أنْ كانَ حَوِيلَه. وكانَ سيفُ الدَّولة يَسْتَحِبُّ الاستكثارَ مِن شِعْره والمُتنبِّي يَسْتَقِلُّه، وكانَ مُلَقًّى مِن هذه الحَال يشْكُوها أبدًا، وبها فَارَقَه حيثُ أنشَدَه:
وآخِرُها:
وقالَ في أُخْرَى:
وقالَ في أُخْرى:
وقالَ في أُخْرى:
فلمَّا انتَهَتْ مُدَّتُه عندَ سيفِ الدَّولة، استَأْذَنَه في المَسِير إلى إِقْطَاعِه، فأذِنَ له، وامتَدَّ باسِطاً عِنَانَه إلى دِمَشقَ إلى أنْ قصَدَ مِصْرَ مُلِمًّا بكافورٍ، فأنْزَلَه، وأقَامَ مَا أقَامَ إلَّا أنَّ أوَّلَ شِعْرِه فيه دليلٌ على نَدَمِه لفِرَاق سَيف الدَّولةِ؛ وهو:
حتَّى انتَهَى إلى قولِه:
فأخْبَرني بعضُ المُوَلَّدين ببغدادَ، وخالُه أبو الفَتح يَتَوَزَّرُ لسيف الدَّولة، أنَّ سيفَ الدَّولة رَسَمَ لي التَّوقيعَ إلى ديوان البِرِّ بإخراج الحَالِ فيما وُصِلَ به المُتنبِّي، فخَرَجَتْ بخمسَةٍ وثلاثينَ ألفَ دينارٍ، في مُدَّةِ أربع سنين.
الأصفهاني: ثمَّ لمَّا أنشَدَ الثَّانيةَ كافورًا خَرَجَتْ مُوَجَّهةً يشْتَاقُ سيفَ الدَّولة، وأوَّلُها:
وأقَامَ على كُرْهٍ بمِصْرَ إلى أنْ وَرَدَ فَاتِكٌ؛ غُلامُ الإخْشِيد، مِن الفَيُّوم وهي وَبِئَةٌ، فَنَبَتْ به واجْتَوَاها، وقَادُوا بين يديه في مَدْخَله إلى مِصْرَ أربعةَ آلافِ جَنِيبَةٍ مُنْعَلَةٍ بالذَّهب، فسَمَّاه أهلُ مِصْر بفَاتكٍ المَجْنُون، فَلَقِيَه المُتنبِّي في المَيدان على رِقْبَةٍ مِن كافور، فقالَ:
فوَصَلَ إليه مِن أنواعِ صِلاتِه وأصنافِ جَوَائِزِه مَا تَبْلُغُ قيمتُه عشرينَ ألفَ دينارٍ. ثمَّ مَضَى فاتكٌ لسَبيله، فرَثَاهُ المُتنبِّي، وذمَّ كافورًا؛ حيثُ يقولُ:
فاحتَالَ بعدَه للخَلَاصِ مِن كافور، فانتَهَزَ الفُرصةَ في العيدِ، وكانَ رَسْمُ السُّلطان أنْ يُسْتَقْبَلَ العيدُ بيومٍ، تُعَدُّ فيه الخُلَعُ والحُمْلَانَاتُ وأنواعُ المَبَارِّ، لرَابِطَةِ جُنْدِه وراتِبَة جَيشه، وصَبِيحَة العيدِ تُفَرَّقُ، وثاني يومٍ يُذْكَرُ له مَن قَبِلَ ومَنْ رَدَّ واسَتَزادَ = فَاهْتَبَلَ المُتنبِّي غَفْلَةَ كافور، ودَفَنَ رمَاحَه بَرًّا، وسَارَ ليلتَه، وحَمَّلَ بغالَه وجِمَالَه وهو لَا يألُو سَيرًا وسُرَى هذه الثَّلاثةَ أيَّامٍ حتَّى وقَعَ في تِيهِ بني إسرائلَ، إلى أنْ جَازَهُ على الحِلَل والأحيَاءِ، والمَفَاوزِ المَجَاهِيلِ، والمَنَاهِلِ والأوَاجِنِ، ونَزَلَ الكُوفةَ، وقالَ يَقُصُّ حالَه:
وفيها يقولُ:
وسَمِعْتُ مَن قالَ: إنَّ كافورًا لمَّا سمعَ قولُه: (إذا لم تُنِطْ بي...) يَلْتَمِسُ ولايةَ صَيدا، فأجابَه: لسْتُ أجْسُرُ على توليتِكَ صَيدا؛ لأنَّك على مَا أنتَ عليه تُحَدِّثُ نفسَكَ بمَا تُحَدِّثُ، فإنْ وَلَّيتُكَ صيدا، مَن يُطِيقُكَ. وسمعت أنَّه قيلَ للمتنبِّي: قولُك لكافور:
ليس قولَ مُمْتَدِحٍ ولا مُنْتَجِحٍ، إنَّما هوَ قولُ مُضَادٍّ ومُنَاوئٍ. فأجابَ المُتَنبِّي أنْ قالَ: هذه القُلوبُ كمَا سَمِعْتَ؛ أحدُها يقولُ:
وأحدُها يقولُ:
ثمَّ مدَحَ بالكوفةِ دَِلَّيْرَ بن لَشْكَرْوَزَّ، وأنشَده في الميدان فحَمَلَه على فَرَسٍ بمَرْكَبِ ذَهَبٍ.
رحلة أبي الطيب بين البلدان٤ أخبار
ودَخَلَ أبو الطَّيِّبِ في صِباه إلى الشَّام، وجَالَ في أقطَارها، وصَعَّدَ بعدَ ذلكَ إلى مِصْرَ، وكانَ بها في سنة خمسٍ وثلاثينَ وثلاثِ مِئة، وقَدِمَ وافدًا على سَيف الدَّولة ابن حَمْدان بحَلَبَ، في سنة سبعٍ وثلاثينَ وثلاثِ مئةٍ، فأكرَمَه ونَفَقَ عليه إلى أنْ خَرجَ مِن حَلَبَ غَضبانَ بسبَب كلامٍ وَقَعَ بينَه وبينَ أبي عبد اللَّه ابن خَالَوَيه، في مَجْلِس سيفِ الدَّولة، فضَرَبَه ابنُ خَالَوَيه بمِفْتاحٍ، في سنة سِتٍّ وأربعينَ وثلاثِ مئةٍ.
وصَارَ إلى مِصْرَ مرَّةً ثانيةً، ومَدَحَ الأستاذَ أبَا المِسْك؛ كافورًا الإخشيديَّ، ولم يمدَحْ بمِصْرَ غيرَه سِوى فاتِك الإخشيديِّ؛ المعروفِ بالمَجْنُون، عندَما بَعَثَ إليه مِن الفَيُّوم، وكانَ مُقيمًا بها، مالًا كثيرًا وكِسْوَةً وجِمالًا، ومبلغُ ذلك ستُّ مِئة دينار؛ وذلكَ أنَّه بَلَغَه تًقْصيرُ كافورٍ به، فمَدَحَه بقصيدةٍ أوَّلُها:
وكانَ يقفُ بين يدي كافور وفي رجليه خُفَّان، وفي وسطِه سيفٌ ومِنطَقَةٌ، ويركَبُ بحاجِبين مِن ممَاليكه وهما بالسُّيوفِ والمَنَاطِق.
وكانَ المُتَنبِّي يقِفُ بين يدَي كافور، وهو مُتَّكئٌ على سَيفِه في عَشِيَّة كلِّ عِيدٍ، والشُّعَراُء تُنْشِدُ مَدَائحها في كافور، فكلَّما فَرَغَ شَاعرٌ مِن إنشاده، رَفَعَ كافورٌ رأسَه إلى المُتَنبِّي، وقالَ: إيشْ تقولُ يا أبا الطَّيِّب في هذا الشَّاعِر؟. فيقولُ له مَا يُمْكِنُه. ومَا زَالَ مع كافور كذلك إلى أنْ هَرَبَ ليلةَ عيد النَّحْر، سنةَ خمسينَ وثلاثِ مِئةٍ. وسَبَبُ هربِه تقصيرُ كافورٍ في حَقِّه؛ فإنَّه طَلَبَ مِنه أنْ يُوَليِّه عَمْلًا مِن أعمال مِصْر فلَم يُجِبْه إلى ذلكَ فَسَخِطَ. وعندَما عَزَمَ على الهَرَب مِن مِصْرَ، أرْسَلَ إلى أبي بَكْر الفَرْغَانيِّ؛ أحدِ جُلَسَاءِ كافورٍ، يقولُ له: إنِّي أَجِدُ وَجَعًا، وللأُستاذِ عندِي رُقعةٌ فيها مُهِمٌّ، فتَدْفَعها إليه عَشِيَّةَ العيدِ عندَ العَتْمَةِ إذَا خَلَا: فقد هَنَّأتُه بالعيد، وذَكَرْتُ عُذْري في التَّأخُّر. فأَخَذَ الفَرْغَانيُّ الرُّقْعَةَ، وهَرَبَ المُتَنبِّي مِن سَاعتِه. وأصبَحَ النَّاسُ بِشُغْلِ العِيدِ، وجَلَسَ كافورٌ عَشِيَّةَ العيد للشُّعراء، فسَأَلَ عن المُتَنبِّي، وقالَ: سَلُوا عنه!. فَتَوَانى مَن قِيلَ له، وتَوَانَى الفَرْغَانيُّ أيضًا تلكَ اللَّيلة في إيصَال الرُّقْعة إلى كافور، فلَم يُوصِلْها إليه إلَّا مِن الغد. فجاءَ بها كافورًا مع العَتْمَة، وقالَ له، والشَّمْعُ بين يديه: دَفَعَ لي عبدُك أبو الطَّيِّب المُتنبِّي رُقْعَةً، وهو ضَعيفٌ مِن شيءٍ يجِدُه، وعَرَّفَني أنَّ فيها مُهِمًّا، فاتَّهَمَه كافور أنَّه قد هَجَاه في الرُّقْعَة، فأخَذَها بيدِه وقالَ: أرسِلوا إلى أبي الطَّيِّب، سَلُوا عنه!. فمَضَى عِدَّةٌ مِن الرُّسُل في طَلَبه، فانْكَشَفَ الأمرُ أنَّه هربَ، فوَضَعَ كافور الرُّقعةَ في الشَّمعة وأحْرَقَها بيدِه، وعَلِمَ أنَّه هَجَاه، وأخَذَ يَسُبُّ مَن حَسَّنَ له التَّقصيرَ في أمره، وتَحَسَّرَ عليه وقَلِقَ بذَهَابِه.
طلب أبي الطيب للإمارة٤ أخبار
قالَ أبو عبد اللَّه: وقرأتُ في سيرةِ بعضِ أهلِ الأدبِ، أنَّ أبا الطَّيِّبِ سألَ كافورًا أنْ يولِّيه (صَيدَاءَ) مِن بلاد السَّاحلِ، أو غيرها مِن نواحي الصَّعيدِ، فقالَ له كافور: أنت في حالِ الفَقْر وسُوءِ الحَالِ، وعدَمِ القُوَّةِ والمُعينِ، سَمَتْ نفْسُكَ إلى النُّبُوَّةِ، فضلًا عن المُلكِ والإمارةِ، فإنْ أصَبْتَ ولايةً، وصارَ لك أتباعُ، فَمَن يُطيقُكَ؟!. ثمَّ وقعتِ الوَحْشَةُ بين المُتَنَبِّي وكافورٍ، حتَّى إنَّ كافورًا وَضَعَ عليه العُيونَ والأرصَادَ؛ خوفًا مِنه، وأحَسَّ المتنبِّي بالشَّرِّ، فكتَمَ أمُورَه عنه، ولم يزَلْ في تَسَتُّرٍ مِن أمورِه، وطالَ تَحَفُّظُه على كافورٍ، واشْتَغَلَ عنه، فهَرَبَ المتنبِّي مِن مِصرَ، ولمَّا أحَسَّ كافور بهَربِه، بَذَلَ في طَلَبِه الأموالَ، وسَرَّحَ العيونَ والخُيولَ فلم يظفرْ به.
قالَ أبو عبد اللَّه الرُّوميُّ: وكانَ ابنُ حِنْزَابَةَ، وابنُ العَميدِ، وأبو محمَّد المُهلَّبيُّ، ثلاثَتُهم، يحُطُّونَ على المتنبِّي وينتَقِصونَ مِنه، وينقُدُونَ عليه معاني شِعرِه، ويُؤَاخِذُونَه بها، وثلاثَتُهم كانوا وُزَراءَ فُضَلاء.
أنشَدَ أبو الطَّيب هذه القصيدة (لكل امرئٍ) سيفَ الدَّولة في المَيدان، وعادَ إلى الدَّار فاستعادَها إيَّاه فأنشَدَها، وكثُرَ النَّاسُ، فقال قائلٌ مِنهم: إنَّ أكثرَ النَّاس مَا يَسمَعُ، فلَو أنشدَها قائماً لأسمَعَ؛ يريدُ بذلكَ كَيْدَ أبي الطَّيب، فقالَ أبو الطَّيب: أمَا سَمِعْتَ أوَّلَها: (لكلَّ امرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَّودَا)؛ فأُفْحِمَ الرَّجلُ، وضَحِكَ سيفُ الدَّولة.
وحدَّثَ محمَّدُ بن الحَسَن الخُوَارزميُّ، قالَ: مَرَرْتُ بمحمَّد بن موسى؛ المُلَقَّب بسِيبَوَيه المُوَسْوس، وهو على مسجد عَفَّان، وهو يقولُ: مَدَحَ النَّاسُ المُتَنبِّي؛ حيثُ قَالَ:
ولو قالَ: مَا مِن مُدَارَاتِه بُدُّ، لكانَ أجودَ وأحسَنَ. قالَ: واجتَازَ المُتنبِّي بمسْجِد ابن عُمَرَ وبسيبَوَيه المُوَسْوِس، فوَقَفَ عليه، وقالَ: أيُّها الشَّيخُ، كنتُ أحِبُّ أنْ أرَاكَ، فقالَ له: رَعَاكَ اللَّه وحَيَّاكَ!. فقالَ له: بَلَغَني أنَّكَ أنْكَرْتَ عليَّ قَولي: (ومِن نَكَدِ الدُّنيَا)، فمَا كانَ الصَّوابُ عِندكَ؟. فقالَ له: إنَّ الصَّداقةَ مُشتقَّةٌ مِن الصِّدق في المَوَدَّة، ولا يُسَمَّى الصَّديقُ صديقًا وهو كاذبٌ في مَوَدَّتِه؛ فالصَّدَاقَةُ إذن ضِدُّ العَدَاوةِ، ولا مَوْقِعَ لها في هذا المَوْضِع. ولو قُلتَ: مَا مِن مُداراتِه بُدُّ، أو مُدَاجَاتِه، أو مُحَابَاتِه، لأَصَبْتَ، وهذا رَجُلٌ مِنَّا، وكنَّى عن نفسِه قد قَالَ:
فقالَ المُتنبِّي: مَعَ هذا غيرُه؟. قالَ: نعم:
فتَبَسَّمَ المُتنبِّي وانصَرَفَ، وسيبَوَيه يصِيحُ: انْبَكَمَ الرَّجُلُ وجَلالِ اللَّه!.
خروج أبي الطيب من مصر سرًّا١ خبر
وقرأتُ في كتاب أبي القاسِم؛ يحيى بن عليِّ الحَضْرَمِيِّ؛ الذي ذَيَّلَ به تاريخ أبي سعيدٍ؛ ابن يونس، وذَكَرَ فيه مَن دَخَلَ مِصْرَ مِن الغُرباءِ، فقالَ: أحمدُ بن الحُسين بن الحَسَن الكوفيُّ الشَّاعِرُ، أبو الطَّيِّب، يُعْرف بالمُتنبِّي، رحَلَ مِن مِصْرَ سِرًّا مِن السُّلطان ليلةَ النَّحْر سنةَ خمسينَ وثلاثِ مئة، ووَجَّه الأستاذُ كافورٌ خلْفَهُ رَوَاحِلَ إلى جِهَاتٍ شَتَّى، فلَم يُلْحَقْ. أنشَدَنَا عليُّ بن أحمدَ المَادَرَائيُّ، قالَ: كَتَبَ إليَّ أبو الطَّيِّب؛ أحمدُ بن الحُسين المُتنبِّي في حاجةٍ كانت له إليَّ بالرَّملة:
قالَ: وكانَ يَتَشَيَّعُ، وقيلَ: كانَ مُلحِدًا، واللَّه أعلَمُ. قلتُ: وسنَذْكُرُ في ترجَمةِ طاهرِ بن الحَسَن بن طاهر حكايةً عن الخَالدِيَّين تدُلُّ على أنَّ المُتنبِّي كانَ مُخالفًا للشِّيعة.
رحلته الأخيرة إلى فارس ومقتلهفي القصّة
تقدير ابن العميد لأبي الطيب١ خبر
وذكَرَ ابنُ الصَّابي، في كتاب الوزراء، أنَّ ابنَ العَميد كانَ يُجْلِسُ المُتنبِّي في دَسْتِه ويقعُدُ بين يديه، فيقرأ عليه (الجَمهرة) لابن دُرَيد؛ لأنَّ المُتنبِّي كانَ يحفَظُها عن ظَهْر قَلْبٍ.
شغف الوزير المهلبي بأبي الطيب٥ أخبار
أخبَرَنا أبو محمَّد؛ عبدُ اللَّطيف بن يوسف بن عليٍّ؛ إذنًا، عن أبي الفتح؛ محمَّد بن عبد الباقي بن البَطِّيِّ، عن ابنِ أبي نَصْرٍ الحُمَيديِّ، قالَ: أخبَرَنا غَرْسُ النِّعْمَةِ؛ محمَّدُ بن هِلال بن المُحَسِّن بن أبي إسحاقَ الصَّابئ، قالَ: وحدَّثني رضي اللَّه عنه؛ يعني أباه هلالَ بن المُحَسِّن، قالَ: حدَّثني أبو إسحاق؛ جَدِّي، تجاوَزَ اللَّه عنه، قالَ: لمَّا وَرَدَ أبو الطَّيِّب؛ أحمدُ بن الحُسين المُتنبِّي إلى بغدادَ مُتَوجِّهًا إلى حضرة المَلك عضُدِ الدَّولة بفارسَ، أعَدَّ له أبو محمَّد عشرةَ آلافِ درهم، وثيابًا كثيرةً مَقْطُوعةً وصِحَاحًا، وفَرَسًا بِمَرْكَبٍ ليُعْطِيَه ذلك عندَ مديحه له، فأَخَّرَ المُتنبِّي مِن ذاك مَا كانَ مُتَوَقَّعًا منه، وحضَرَ مجلِسَ أبي محمَّد للسَّلام عليه؛ الذي لم يَخْلِطْ به غيرَه، فغَاظَ أبا محمَّد فعْلُه، وخَاطَبتُ المُتنبِّي على استعماله مَا استعمل وتأخيرِه مِن خِدمة الوزير مَا أخَّرَ، فقالَ: لم تجْرِ عادتي بمدح مَن لم يتقدَّم له إليَّ جَميلٌ، فقلتُ: إنَّ الوزيرَ شديدُ الشَّغَفِ بمَورِدِكَ، ومُعتقدٌ فيك الزِّيادةَ بكَ على أَمَلِكَ، والامتناعُ مِن خِدمته، إلَّا بعدَ الاسْتِسْلافِ لِصِلَتِه، غيرُ مُسْتَحْسنٍ مِنك، بل مُسْتَقبَحٌ لك، فقالَ: ليس إلى مُخالفَة عادتي سبيلٌ. واتَّصَلَ ذلكَ بأبي محمَّد مِن غير وِجْهَتي، فأَكَّدَ غَيظَه، وأظهَرَ الإقْلالَ به، والاطِّراحَ له، وفَرَّقَ مَا كانَ أعَدَّه على الشُّعراء، وزادَهم، مُدَّةَ مُقَام أبي الطَّيِّب، مِن الإحسان والعطاءِ. وتَوَجَّه أبو الطَّيِّب إلى شِيراز، ثمَّ عادَ منها، فكانت وفاتُه في الطَّريق بين دَيْرِ العَاقولِ ومدينةِ السَّلام، على ما شُرِحَ في أخباره؛ وقد كانَ أبو محمَّد اعتقدَ أن يَقْطَعَه بالفَعَال الجَميل، والحِبَاء الجزيل عن قَصْدِ شِيراز، فلمَّا جرى أمرُه على ما جرى، تغيَّرت نيَّتُه، واستحالت تلك العزيمةُ منه. قُلتُ: وهذا الوزيرُ أبو محمَّد؛ هو المُهَلَّبيُّ.
ابن العديم: قالَ: وحدَّثني، قالَ: حدَّثني أبو عليٍّ؛ والدي، قالَ: حدَّثني أبو إسحاق؛ والدي، قالَ: رَاسَلتُ أبا الطَّيِّب المُتنبِّي في أنْ يمدَحَني بقصيدَتين، وأعطيتُه خمسةَ آلافِ درهم، ووَسَّطْتُ بيني وبينَه صديقًا له ولي، فأعادَ الجوابَ بأنَّني ما رأيتُ بالعراق مَن يَسْتَحِقُّ المدحَ غيرَك، ولا مَن أوجَبَ عليَّ حقًّا سِوَاكَ، وإنْ أنَا مدَحْتُك تَنَكَّرَ لك الوزيرُ أبو محمَّد المُهَلَّبي؛ لأنَّني لم أمدَحه، وجرى بيننا في ذاك ما قد عَرَفْتَه، فإنْ كنتَ لا تُراعي هذه الحالَ، ولَا تُبَاليها فَعَلْتُ، ولم أُرِدْ منك عِوَضًا مِن مالٍ. قالَ: فنَبَّهني واللَّه إلى ما كانَ ذَهَبَ عنِّي، وعَلِمتُ أنَّه نَصَحَني، فلم أُعَاوِده.
وحَدَّثَنِي الصُّوري، قَالَ: ذكر لي الحَسَنُ بن حامد، أنَّ المُتنبِّي لمَّا قَدِمَ بغدادَ نَزَلَ عليه، وأنَّه كانَ القيِّمَ بأمُوره، وأنَّ المُتنبِّي قَالَ لَهُ: لو كُنْتُ مَادحًا تَاجِرًا لمَدَحْتُكَ.
قرأتُ بخطِّ يحيى بن سَلامةَ بن الحُسين بن محمَّد الحَصْكَفِيِّ، في تعليقٍ له: حُكِيَ أنَّ السَّريَّ الرَّفَّاءَ، حينَ قَصَدَ سيفَ الدَّولة ابن حَمْدان (رحِمَه اللَّه)، أنشَدَه بديهًا بيتين هما:
ثمَّ أنشَدَه بعد ذلكَ مَا كانَ قالَ فيه مِن الشِّعر، وبعدَ يومين أو ثلاثةٍ، أنشَدَه أبو الطَّيِّب المُتنبِّي:
إلى أنْ انتَهى إلى قوله:
قالَ: فقالَ السَّريُّ: هذا واللَّه معنى ما قَدِرَ عليه المُتقدِّمون، ثمَّ إنَّه حُمَّ في الحال حَسَدًا، وتحَامَلَ إلى منزله، فمَاتَ بعد ثلاثة أيَّام.
ابن العديم: قُلْتُ: هكذا وجدتُه بخطِّ الحَصْكَفيِّ، والمُتنبِّي فارقَ سيفَ الدَّولة في سنة سِتٍّ وأربعين وثلاثِ مِئة، والسَّريُّ توفِّي بُعَيدَ سنةِ سِتِّينَ وثلاثِ مئةٍ ببغدَاد على مَا نقلَه الخَطِيبُ في تاريخه، وقيلَ سنةَ اثنتين وستِّين وثلاثِ مئةٍ، فعلى هذا لا يكونُ لهذه الحِكاية صِحةٌ. وقد نَقَلَ أبو إسحاق؛ إبراهيم بن حبيب السَّقَطِيُّ، في تاريخه المُسمَّى ب(لَوَامِع الأمورِ)، أنَّ السَّريَّ تُوفِّي سنةَ أربعٍ وأربعينَ وثلاثِ مئةِ، فعلى هذا تكونُ هذه الحكايةُ مُحتملةَ الصِّحة بشرطِ أن يكونَ موتُ السَّريِّ بالشَّام، ولم يُنْقَلْ ذلكَ، كيف؟. وهو أنَّ هذه القصيدة مِن أوَّلِ شعر أبي الطَّيِّب المُتنبِّي في سيفِ الدَّولة واللَّه أعلَمُ.
ابن العديم: أخبَرَنا ياقوتُ بن عبد اللَّه الحَمَويُّ، قالَ: وحدَّث أبو العبَّاس؛ أحمدٌ بن إبراهيم الضَّبِّيُّ: أنَّ الصَّاحِبَ؛ إسماعيلَ بن عبَّاد، قالَ بأَصْبَهَان؛ وهو يومئذٍ على الإنشاءِ: بلَغَني أنَّ هذا الرَّجُلَ؛ يعني المُتنبِّي، قد نَزَلَ بأرَّجَانَ مُتَوجِّهًا إلى ابن العميد، ولكنْ إنْ جاءَني خَرَجْتُ إليه مِن جميع مَا أمْلِكُه، وكانَ جميعُ ما يملكُه لا يبلغُ ثلاثَ مئةِ دينارٍ، فكُنَّا نعْجَبُ مِن بُعْدِ هِمَّته وسُمُوِّ نفسِه، وبلَغَ ذلك المُتنبِّي فلم يُعَرِّج عليه، ولا التَفَتَ إليه، فَحَقَدَها الصَّاحِبُ حتَّى حَمَلَه على إظهارِ عُيوبِه في كتابٍ ألَّفَه، لم يَصْنَعْ فيه شيئًا؛ لأنَّه أخَذَ عليه مَواضِعَ تَحَمَّلَ فيها عليه.
أخبَرني بعضُ أهلِ الأدب، قالَ: وَجدتُ في كتاب بعضِ الفُضَلاءِ، عن أبي القاسِم؛ عبدِ الصَّمد بن بَابَكَ، قالَ: قالَ أبو الفتح؛ ابن جنِّي: كنتُ أقرأُ ديوانَ أبي الطَّيِّب عليه، فقرأتُ قولَه في كافور:
حتَّى بَلَغْتُ إلى قولِه:
فقُلتُ له: يَعِزُّ عليَّ كيف يكونُ هذا الشِّعْرُ في ممدوح غيرِ سيف الدَّولة، فقالَ: حذَّرناهُ وأنذَرْناهُ فمَا نَفَعَ، ألستُ القائلَ فيه:
فهو الذي أعطاني لكَافور بسوءِ تدبيرِه وقِلَّة تَمْييزِه.
قالَ أبو الفتح ابن جنِّي في بيت المتنبي:
لَمَّا قَرَأْتُ عَلَيهِ هَذَا البَيتِ اعتَرَفَ بِأَنَّهُ قَد ظَلَمَ نَفسَهُ بِرَجَائِهِ كَافُورًا.
رحلة أبي الطيب لعضد الدولة في بلاد الديلم٢ خبران
ثمَّ إنَّ أبا الطَّيِّب المُتنبِّي لمَّا وَدَّع أبَا الفَضْل ابنَ العَميد، وَرَدَ كتابُ عضُد الدَّولة يستَدْعيه، فعَرَّفَه أبو الفْضْل، فقالَ المُتنبِّي: مَا لي وللدَّيلَم؟!. فقالَ أبو الفَضْل: عضُدُ الدَّولة أفضَلُ مِنِّي، ويَصِلُكَ بأضْعَافِ مَا كُنْتُ وَصَلتُك به، فأجَابَ بأنِّي مُلَقًّى مِن هؤلاء المُلُوك؛ أقصِدُ الواحِدَ بعدَ الوَاحِدِ، وأُمَلِّكُهم شيئاً يبقى بقاءَ النَّيِّرين، ويُعْطُونني عَرَضاً فانياً، ولي ضَجَرَاتٌ واخْتِيَاراتٌ فيَعُوقُونَني عن مُرادي، فأحتَاجُ إلى مُفَارقَتهم على أقبَح الوجوه. فكاتَبَ أبو الفَضْل عضُدَ الدَّولة بهذا الحديث، فَوَرَدَ الجوابُ بأنَّه مُمَلَّكٌ مُرَادَهُ في المُقَام والظَّعَن. فسَارَ المُتنبِّي مِن أرَّجَان، فلمَّا كانَ على أربعة فَرَاسِخ مِن شِيرازَ، استقبَلَه عضُدَ الدَّولة بأبي عُمَرَ الصَّبَّاغ؛ أخي أبي محمَّد الأبهريِّ؛ صاحبِ كتاب (حدائق الآداب)، فلمَّا تَلاقَيَا وتَسَايَرا اسْتَنْشَدَه، فقالَ المُتنبِّي: النَّاسُ يَتَنَاشَدون فَاسْمَعْه. فأَخْبَرَ أبو عُمَرَ أنَّه رُسِم له ذلك عن المَجْلِس العالي، فبَدَأَ بقصيدتِه التي فَارَقَ مِصْرَ بها:
ثمَّ دَخَلَ البَلَدَ، فأُنزِلَ دارًا مفروشةً، ورَجَعَ أبو عُمَر الصَّبَّاغُ إلى عضُدَ الدَّولة فأخبَرَه بمَا جَرَى، وأنشَدَه أبياتاً مِن كَلِمَتِه؛ وهي:
فقَالَ عضُدُ الدَّولة: هو ذَا يتَهَدَّدُنا المُتَنبِّي. ثمَّ لمَّا نَفَضَ غُبَارَ السَّفَر واستَراحَ، رَكِبَ إلى عضُد الدَّولة، فلمَّا تَوَسَّطَ الدَّارَ انتهى إلى قُرْب السَّرير مُصَادَمَةً، فقَبَّلَ الأرضَ، واستَوَى قائماً، وقالَ: شَكَرْتُ مَطِيَّةً حَمَلَتني إليكَ، وأَمَلًا وَقَفَ بي عليكَ. ثمَّ سألَه عضُدُ الدَّولة عن مَسِيره مِن مِصْرَ، وعن عليِّ بن حَمْدان، فذَكَرَه وانْصَرَفَ وما أنشَدَه.
الأصفهاني: فبَعْدَ أيَّام حَضَرَ السِّمَاطَ، وقامَ بيَدِه دَرْجٌ، فأجْلَسَه عضُدُ الدَّولة، وأنشَدَ:
فلمَّا أنشَدَها، وفَرَغُوا مِن السِّمَاطِ، حَمَلَ إليه عَضُدُ الدَّولة مِن أنواع الطِّيب في الأرْدِيَةِ الأمْنَانَ مِن بين الكافور والعَنْبَر والمِسْك والعُود، وقَادَ فَرَسَه المُلَقَّبَ بالمَجروح؛ وكانَ اشْتُرِيَ له بخَمسينَ ألف شَاة، وبَدْرةً دَرَاهِمُها عَدْلِيَّةٌ، ورِدَاءً حَشْوُهُ دِيباجٌ رُومٌِّي مُفَصَّلٌ، وعِمَامةٌ قُوِّمَتْ بخَمسِ مئة دينارٍ، ونَصْلًا هِنديًّا مُرَصَّعَ النِّجَادِ والجَفْنِ بالذَّهَب. وبعدَ ذلكَ كانَ يُنْشِدُه في كلِّ حَدَثٍ يحْدُثُ قصيدةً، إلى أنْ حَدَثَ يومُ نَثْرِ الوُرُود، فدَخَلَ عليه، والمَلِكُ على السَّرير في قُبَّةٍ يَحْسُرُ البَصَرُ في مُلاحَظَتِها، والأتْرَاكُ ينثُرونَ الوَرْدَ، فَمَثَلَ المُتنبِّي بينَ يديه، وقالَ: مَا خَدَمَتْ عَيني قَلبي كاليوم، وأنشَدَ يقولُ:
فَحُمِلَ على فَرَسٍ بِمَرْكَبٍ، وأُلْبِسَ خُلْعَةً مَلَكيَّةً، وبَدْرَةٌ بينَ يدَيه مَحْمُولَةٌُ.
وكانَ أبو جَعفَرٍ؛ ابنُ ماكُولا؛ وزيرُ بهاءِ الدَّولة، مأمورًا بالاختلاف إليه، وحفظِ المَنَازلِ والمَنَاهِل مِن مِصْرَ إلى الكوفة، وتَعَرُّفِها مِنه، فقالَ: كنتُ حَاضِرَهُ، وقامَ ابنُه يَلْتَمِسُ أُجْرَةَ الغَسَّالِ، فأَحَدَّ المُتنبِّي إليه النَّظَرَ بتَحْديقٍ، فقالَ: مَا للصُّعْلُوكِ والغَسَّال، يحتَاجُ الصُّعْلُوكُ إلى أنْ يعْمَلَ بيَدِه ثلاثةَ أشياء؛ يطبَخُ قِدْرَه، ويُنْعِلُ فَرَسَه، ويَغْسِلُ ثِيَابَه، ثمَّ مَلأَ يَدَه قُطَيعاتٍ بَلَغَت دِرهمينِ أو ثَلاثةً.
الأصفهاني: وَوَرَدَ كتابُ أبي الفتح؛ ذي الكِفَايَتينِ؛ ابن أبي الفَضْل، وكانَ مِن أجَاوِدِ زَمَانِ الدَّيلَم، ومضْمُونُ كتابِه الشَّوقُ إلى لِقَاءِ المُتَنبِّي، وتَشَوُّقُه إلى تَطَرُّقِه عليه، فأجَابَه المُتنبِّي:
فلمَّا أعادَ الجَوابَ إلى أبي الفتح، جَعَلَ الأبياتَ سُورَةً يَدْرُسُها، ويَحْكُمُ للمُتنبِّي بالفَضْل على أهل زَمَانِه.
أخبار رُوِيت في مقتل أبي الطيب٢٠ خبرًا
أخبَرَنا أبو محمَّد؛ عبدُ العزيز بن محمود بن الأخضر البغداديُّ، كتابةً، قالَ: أخبَرَنا الرَّئيسُ؛ أبو الحَسَن؛ عليُّ بن علي بن نَصْر بن سَعيد البَصْريُّ، قالَ: أخبَرَنا أبو البَرَكاتِ؛ محمَّد بن عبد اللَّه بن يحيى الوكيلُ قالَ: أخبَرَنا عليُّ بن أيوب بن الحُسين بن السَّارْبَان، قالَ: وخرَجَ؛ يعني المُتنبِّي، مِن شِيرازَ لثَمَانٍ خَلَونَ مِن شعبان قاصدًا إلى بغداد، ثمَّ إلى الكوفة، حتَّى إذا بَلَغَ (دَيْر العَاقُول)، وخَرَجَ مِنه قَدْرَ مِيلين، خَرَجَ عليه فُرسانٌ ورَجَّالَةٌ مِن بني أسد وشَيبان، فقَاتَلَهم مع غُلامَين مِن غِلْمَانه ساعةً وقَتَلُوه، وقُتِلَ معَه أحدُ الغُلامين وهرَبَ الآخرُ، وأخَذوا جميعَ ما كانَ معَه، وتَبِعَهُم ابنُه المُحَسَّدُ طَلَبًا لكُتُب أبيه، فقتلوه أيضًا، وذلكَ كلُّه يوم الاثنين لثَمانٍ بَقِينَ مِن رمضانَ، سنةَ أربعٍ وخَمسينَ وثلاثِ مِئةٍ.
أنبَأَنا زيدُ بن الحَسَن الكِندِيُّ، قالَ: أخبَرَنا أبو منصور؛ ابن زُرَيق، قالَ: أخبَرَنا أبو بكرٍ؛ أحمدُ بن عليِّ بن ثابتٍ الخَطيبُ، قالَ: خَرَجَ المُتنبِّي إلى فارسَ مِن بغداد، فمدَحَ عضُد الدَّولة، وأقامَ عنده مُدَيْدَةً، ثمَّ رجَعَ يريدُ بغدادَ، فقُتِلَ في الطَّريق بالقُربِ مِن النُّعْمَانيَّة، في شهر رمضان سنةَ أربعٍ وخمسين وثلاثِ مِئةٍ.
وخَرَجَ مِن شِيرازَ لثَمانٍ خَلَونَ مِن شَعْبانَ قاصدًا بغدادَ، ثمَّ سَارَ مِنها إلى الكوفة حتَّى إذا بَلَغَ دَير العَاقول، وخَرَجَ مِنه قَدْرَ مِيلَين، خَرَجَ عليه فُرسَانٌ ورَجَّالةٌ مِن بني أسَد وشَيْبَان، فقَاتَلَهم مع غُلامين مِن غِلْمَانه سَاعةً، فقتَلُوه وقتَلُوا معَه أحدَ الغُلامين، وهَرَبَ الآخرُ، وأخذوا جميعَ ما كانَ معَه، وقتَلوا ابنَه المُحَسَّدَ، وذلكَ يومَ الاثنين؛ لثَمَانٍ بقينَ مِن شهر رمضان، سنةَ أربعٍ وخمسينَ وثلاثِ مِئةٍ، بالقُرْب مِن النُّعْمَانيَّة. وقيلَ: لخَمْسٍ بَقينَ مِن رمضانَ المذكور. وقيلَ: في شَوَّال بالصَّافيَة مِن أرْض وَاسِطَ. والذي قَتَلَه فَاتِكُ ابن أبي جَهْلٍ؛ ابنُ خَالَةِ ضَبَّةَ؛ الذي هَجَاهُ المُتنبِّي، وكانَ على شَاطئ دِجْلَةَ.
وذَكَرَ الخَالديَّان عن أبي نَصْر؛ محمَّد بن المُبَارك الجُبَّليِّ؛ قالا: خَرَجَ المُتنبِّي مِن وَاسِطَ يومَ السَّبت؛ لثلاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِن شهر رمضان؛ سنةَ أربعٍ وخمسينَ وثلاثِ مِئةٍ. وقُتِلَ بِ(بَيُوزَى)؛ بفتحِ أوَّله وضَمِّ ثانيه، وبعده زايٌ مُعجَمةٌ، مقصورٌ على وَزْن (فَعُولَى)، بشَطِّ الفُرَات؛ ضَيعةٍ بقُرْب دَير العَاقول، في يوم الأربعاءِ؛ لليلَتين بَقِيتَا مِن رمضان. وكانَ معَه يومَ قُتِلَ سبعونَ ألفَ دينارٍ. وأُخْرِجَ مِن المَاءِ مَقْتولًا، ودُفِنَ بالصَّافيَة. والذي قتَلَه فاتِكُ بن أبي الجَهْل بن فِراس بن بكَّار، وهو قَرَابةٌ لوالِدَة ضَبَّةَ بن يزيد العَينيِّ؛ الذي هجاهُ المُتنبِّي بقوله:
ويُقالُ: إنَّ فاتكًا خَالُ ضَبَّةَ.
وقرَأتُ في تاريخ أبي محمَّد؛ عبد اللَّه بن أحمد الفَرْغَانيِّ: لمَّا هَرَبَ المُتنبِّي الشَّاعرُ مِن مِصرَ، وصارَ إلى الكوفة فأقامَ بها، وصارَ إلى ابن العميد فمَدَحه، فقيلَ: إنَّه صارَ إليه مِنه ثلاثونَ ألفَ دينارٍ، وقال له: تمضي إلى عضُد الدَّولة، فمَضى مِن عنده إليه، فمدَحَه ووَصَلَه بثلاثين ألفَ دينارٍ، وفارَقَه على أن يمضِيَ إلى الكوفة يَحْمِل عيالَه ويجيءُ معهم إليه، وسَار حتَّى وَصَلَ إلى النُّعْمانيَّة؛ بإزَاءِ قريةٍ تقرُب مِنها يُقالُ لها (بَيُوزَى)، فوجدَ أثرَ خيلٍ هُناك فتَنَسَّمَ خَبَرَها، فإذا خيلٌ قد كَمَنَت له، فصَادَفَته؛ لأنَّه قصَدَها، فَطُعِنَ طَعْنةً نُكِّسَ عن فَرَسِه، فلمَّا سَقَطَ إلى الأرض نَزَلُوا فاحْتَزُّوا رأسَه ذبحًا، وأخذوا مَا كانَ معه مِن المال وغيره، وكانَ مذهَبُه أنْ يحْمِل مَالَه معه أين تَوَجَّهَ. وقُتِلَ ابنُه معه وغلامٌ مِن جُملةِ خَمْسةِ غِلْمَةٍ كانوا معه، وإنَّ الغُلامَ المقتولَ قَاتَلَ حتَّى قُتِلَ، وكانَ قَتْلُ المُتنبِّي يومَ الاثنين؛ لخمسٍ بقينَ مِن شهر رمضان، سنةَ أربعٍ وخمسينَ وثلاثِ مِئة.
ابن العديم: قالَ الفَرْغَانيُّ: وحُدِّثْتُ أنَّه لمَّا نَزَلَ المَنْزِلَ الذي رَحَلَ مِنه فقُتِلَ، جاءَه قومٌ خُفَراءُ فطَلبوا مِنه خَمسينَ دِرهمًا؛ ليَسِيرُوا معَه، فمَنَعَه الشُّحُّ والكِبْرُ، فأَنْذَروا به، فكانَ مِن أمرِه ما كانَ. قالَ: وقيلَ بأنَّهم لمَّا طَلَبوا مِنه الخِفَارةَ اعتَذَرَ في ذلكَ أنْ قالَ لهم: لا أُكَذِّبُ نفسي في قَولي:
ففَارقُوه على سَخَطٍ وأنْذَرُوا به، وكانَ مِن أمرِه مَا كانَ.
وقرأتُ في جُذاذةِ طِرْسٍ مَطْروح في النُّسخة التي وَقَعَتْ إليَّ بسَمَاعِ جَدِّ جدِّ أبي؛ القاضي أبي الحسَن؛ أحمدَ بن يحيى بن زهير بن أبي جَرَادةَ، مِن شِعْر المُتنبِّي، على محمَّد بن عبد الله بن سَعْدٍ النَّحويِّ الحَلَبيِّ، وفيها مكتوبٌ بغير خطِّ النُّسخة: المُتنبِّي؛ أبو الطَّيِّب: أحمد بن الحُسين، عادَ مِن شِيرازَ، مِن عند فَنَّاخُسرو وابن العميدِ وزيرِه، بأموالٍ جزيلةٍ، فلمَّا صارَ بالصَّافية مِن أرض وَاسِط وَقَعَ به جماعةٌ مِن بني أسَد وغيرِهم، فقتَلُوه وخمْسةَ غِلمانٍ كانوا معه وولَده، وسَلَبوا المالَ، وذلك في شَوَّال مِن سنة أربع وخمسين وثلاث مئة، وكانَ المُتَوَلِّي لقتلِه رجلٌ منهم؛ يُقَالُ له: فَاتِكُ بن أبي جَهْل، وهو ابنُ خَالةِ ضَبَّةَ الذي هَجَاهُ المُتنبِّي، وكانَ على شَاطىء دِجْلَة.
ابن العديم: وسَمِعْتُ والدي رحمَه اللَّه، يقولُ لي: بَلَغَني أنَّ المُتنبِّي لمَّا خَرَجَ عليه قُطَّاعُ الطَّريق ومعه ابنُه وغِلمانه أرادَ أنْ يَنْهَزمَ، فقالَ له ابنُه: يا أَبَهْ، وأين قولُك:
فقالَ له: قَتَلتَني يَا ابنَ اللَّخْنَاءِ!.ثمَّ ثَبَتَ وقاتَلَ حتَّى قُتِلَ.
هذا آخرُ مَا قَالَه أبو الطَّيِّب؛ أحمَدُ بن الحُسين المُتَنبِّئُ، ورَحَلَ مِن (شِيرازَ) بعد ذلك في شَعبان، سنةَ أربعٍ وخَمسينَ وثلاثِ مِئةٍ، يُريدُ الكوفةَ، فاعتَرَضَه فَوارِسُ بينَ (دَير العَاقُول) و(الصَّافِيَة)، وكانَ التُمِسَ مِنه خَفَارةٌ لبَعْضِ الرَّجَّالَة؛ ليَسْلُكُوا به الطَّريقَ ويَحْمُوا عنه، فلم يَفْعَلْ، وقالَ: مَعِيَ سَيفي ورُمْحي أُخَفِّرُ. ويُقَالُ: إنَّ الذين خَرَجُوا عليه مِن بني كِلابٍ مع ضَبَّةَ بن محمَّد العَيْنِيِّ؛ لِمَا هَجَاهُ به: (مَا أنْصَفَ القومُ ضَبَّة). وكانَ الفُرسَانُ نحوَ خَمسينَ فَارسًا، فَقَتَلَ مِنهم جَمَاعةً، وجَرَحَ جماعةً، وأثْخَنَ فيهم عِدَّةً، وقُدِّرَتِ الحَرْبُ مِن ضَحْوَةٍ إلى الأولى. ثمَّ كَلَّ أبو الطَّيِّب ووَلَدُه ومَمْلُوكُه، فلمَّا تَطَاوَلَ الأمرُ استَرسَلَ وظَفِروا به، فقَتَلُوهُ ووَلَدَه والمَمْلوكَ. وأُخِذَ جَميعُ مَا كانَ معه، ودَفَنُوهُ في المَوضِع. وكانَ له قِيمةٌ كثيرةٌ، ولم يَكُن طَلَبُهم مَا معَه سِوى نفسِه. والذي تَوَلَّى قَتْلَه مِنهم فَاِتُك بن بَدَّادٍِ، وكانَ قَرَابةً لضَبَّةَ. ويُقالُ: إنَّه لمَّا قَرُبَ مِنه فَاتِكٌ كانَ معه عَبْدٌ يُقالُ له سِرَاجٌ، فقالَ له: يا سِرَاج أخْرِجْ إليَّ الدِّرْعَ، فأخرَجَها ولَبِسَها، وتَهَيَّأَ للقِتَال، ثمَّ قالَ:
ثمَّ قالَ له فاتكٌ: قُبحًا لهذه اللِّحْيَةِ يا سَبَّابُ!. ألَسْتَ الذي يَقولُ:
فقَالَ: أنَا عندَ ذَاكَ يا ابنَ اللَّخْنَاء العَفْلاءِ. ثمَّ قَاتَلَ وبَطَحَ نَفْسًا ونَفْسَين، فَخَانَتْهُ قَوائِمُ فَرَسِه، فَغَاصَتْ إحدَاهُما في ثُقْبَةٍ كانت في الأرض، فتَمَكَّنَ مِنه الفُرسانُ وأحاطوا به وقَتَلُوه واقتَسَموا مالَه ورَحْلَه، وأخذوا ابنَه المُحَسَّدَ وأرادوا أنْ يَسْتَبْقُوه، فقالَ أحدُهم: لا تفعَلوا، واقتلُوه، فقَتَلُوه. وحَكَى الشَّريفُ ناصِرٌ، قالَ: عَبَرْتُ على بَدَنِه وكانَ مفْرُوقًا بينَه وبينَ رأسِه، ورأيتُ الزَّنَابِيرَ تدخُلُ في فِيْهِ وتخرُج مِن حَلْقِه. أعَاذَنا اللَّهُ مِن كلِّ سُوءٍ ومَكروهٍ بِمَنِّهِ وطَولِه. وكُتِبَ في سَنَة ثَلاثٍ وثَمانينَ وأربَعِ مِئَةٍ. والحمدُ للَّه ربِّ العَالَمينَ، والصَّلاةُ على النَّبيِّ محمَّد وآله الطَّاهِرينَ، وحَسْبُنا اللَّه ونِعْمَ المُعِينُ.
سَيَّرَ إليَّ الشَّريفُ الأجَلُّ العالمُ؛ تاجُ الشَّرف؛ شَرَفُ الدِّين؛ أبو عبدِ اللَّه؛ محمَّد بن عبد الرحمن بن عليِّ الحُسَينيُّ، جزءًا بخطِّه في مَقْتَل أبي الطَّيِّب، كَتَبَ فيه مَا نَقَلْتُه، وصورتُه: نَقَلْتُ مِن خَطِّ أبي بكرٍ؛ محمَّد بن هاشم الخَالِديِّ؛ أحدِ الخَالِدِيَّيْن، في آخر النُّسخة التي بخَطِّه مِن شِعْر أبي الطَّيِّب المُتنبِّي، ما هذه صورتُه: ذكر مقتله: كنَّا كَتَبْنا إلى أبي نَصْرٍ؛ محمَّد بن المُبَارك الجَبُّلِيِّ، نسأَلُه شَرحَ ذلك، وهذا الرَّجُلُ مِن وُجُوهِ التُّنَّاءِ بهذه النَّاحية، وله أدبٌ وحُرْمَةٌ، فأجَابَنا عن كتابِنا جوابًا طويلًا؛ يقولُ فيه: وأمَّا مَا سَأَلتُما عنه مِن خَبَر مَقْتل أبي الطَّيِّب المُتنبِّي رحِمَه اللَّه، فأَنَا أَنْسُقُه لكُما وأَشْرَحُه شرحًا بَيِّنًا: اعْلَمَا أنَّ مَسِيرَهُ كانَ مِن وَاسِطَ، في يوم السَّبت؛ لثلاثَ عشرةَ ليلةً بقِيَتْ مِن شهر رمضان، سنةَ أربع وخمسينَ وثلاث مئةٍ، وقُتِلَ ب(بَيْزَع)؛ ضيعةٍ بقُربٍ مِن (دَيْر العَاقُول)، في يوم الأربعاءِ لليلَتَين بَقِيَتا مِن شهر رمضان، سنةَ أربعٍ وخمسين وثلاثِ مئةٍ، والذي توَلَّى قتْلَه وقتلَ ابنِه وغُلامِه رَجُلٌ مِن بني أسد؛ يُقَالُ له: فاتِكُ بن أبي الجَهْل بن فِرَاس بن بَدَّاد. وكانَ مِن قولِه لَمَّا قَتَلَه وهو مُنْعَفِرٌ: قُبحًا لهذه اللِّحية يَا سَبَّابُ!. وذلكَ أنَّ فاتكًا هذا قَرَابةٌ لوالِدة ضَبَّةَ بن يزيدَ العَيْني الذي هَجَاه المُتنبِّي بقوله:
ويُقَالُ: إنَّ فاتكًا خالُ ضَبَّةَ، وأنَّ الحَمِيَّةَ دَاخَلَتْهُ لمَّا سَمِعَ ذِكرَها بالقبيح في الشِّعر. ومَا للمُتَنبِّي شِعْرٌ أسْخَفُ مِن هذا الشِّعر كلامًا، فكانَ على سَخَافتِه ورَكَاكَتِه سَبَبَ قَتْلِه وقتْلِ ابنِه وذَهَابِ مَالِه.
ابن العديم: وأمَّا شَرْحُ الخَبَر: فإنَّ فاتكًا كانَ صديقًا لي، وكانَ كمَا سُمِّي فاتكًا؛ لسَفْكِه الدِّماءَ وإقدَامِه على الأهوالِ، فلمَّا سَمِعَ الشِّعرَ الذي هُجِيَ به ضَبَّةُ، أحْفَظَه ذلك واشتَدَّ عليه، ورَجَعَ على ضَبَّة باللَّوم، وقالَ له: قد كانَ يَجِبُ أنْ لا تَجْعَلَ لشَاعرٍ عليكَ سبيلًا، وأضْمَرَ غيرَ مَا أظْهَر، واتَّصَلَ به انصِرافُ المُتنبِّي مِن بلَد فارس إلى العراق، وأنَّ اجتيَازَه ب(جَبُّل) ودير العاقول، فلم يكن يَنْزِلُ عن فرسِه وجماعةٌ معَه مِن بني عمِّه، رأيهم في المُتنبِّي مثلُ رأيه في طَلَبِه واستعلام خبَرِه مِن كلِّ صَادِرٍ ووَاردٍ، وكانَ فَاتِكٌ يَتَحَرَّقُ خوفًا أنْ يَفُوتَه. وكانَ كثيرًا مَا يَجِيئُني وينزِلُ عندي، فقلتُ له يومًا، وقد جاءَني وهو يسأَلُ قومًا مُجْتازينَ عنه: قد أكْثَرْتَ المَسْأَلةَ عن هذا الرَّجُل، فأيُّ شيءٍ عَزْمُكَ أنْ تفعَلَهُ به متى لقيتَه، قالَ: مَا عَزْمِي إلَّا الجَميل، وأنْ أَعْذِلَه على مَا أفْحَشَ فيه مِن الهِجَاءِ، فقلتُ: هذا الألْيَقُ بأخْلاقِكَ والأشْبَهُ بأفعَالكَ، فتَضَاحَكَ، ثمَّ قالَ: يا أبا نَصْر، واللَّه لئِنْ اكتَحَلَتْ عَيني به، أو جَمَعَتني وإيَّاه بُقْعَةٌ لأَسْفِكَنَّ دَمَه، ولأَمْحَقَنَّ حيَاتَه، إلَّا أنْ يُحَالَ بيني وبينَه، فقلتُ له: كُفَّ، عافاكَ اللَّه، عن هذا القَول، وارْجِع إلى اللَّه، وأَزِلْ هذا الرَّأيَ عن قَلْبِكَ؛ فإنَّ الرَّجُلَ شَهيرُ الاسم، بعيدُ الصَّوت، وقتلُك إيَّاه في شِعْرٍ قالَه لا يَحْسُنُ، وقد هَجَتِ الشُّعَراءُ المُلوكَ في الجاهليَّة، والخُلفاءَ في الإسلام فمَا عَلِمْنا أنَّ شاعرًا قُتِلَ بهجاءٍ، وقد قالَ:
ولَم يَبْلُغْ جُرْمُه ما يوجِبُ قتْلَه، فقالَ: يفعَلُ اللَّهُ مَا يشَاءُ، وانصَرَفَ، فلَم يَمْضِ لهذا القَول إلَّا ثلاثة أيَّامٍ حتَّى وَافَى المُتنبِّي، ومعَه بِغَالٌ مُوقَرَةٌ بكلِّ شيءٍ مِن الذَّهَب والفِضَّة والثِّياب والطِّيب والجَوهر والآلَة؛ لأنَّه كانَ إذَا سَافَرَ لم يُخَلِّف في منزله درهمًا ولا دينارًا ولا ثوبًا ولا شيئًا يُسَاوي درهمًا واحدًا فمَا فوقَه، وكانَ أكثرُ إشْفَاقِه على دفاتِره؛ لأنَّه كانَ قد انتَخَبَها وأحكَمَها قِراءةً وتصْحِيحًا. قالَ فتَلَقَّيتُه وأنزَلْتُه دَاري وسَاءَلْتُه عن أخبارِه، وعمَّن لَقِيَ، وكيفَ وَجَدَ مَنْ قَصَدَهُ، فعَرَّفَني مِن ذَاكَ مَا سُرِرْتُ به، وأقبَلَ يَصِفُ لي ابن العَمِيد وفضْلَه وأدبَه وعِلْمَه وكرَمَه، وسَمَاحَةَ المَلِك فنَّاخُسْرو، ورغبتَه في الأدب وميلَه إلى أهلِه، فلمَّا أمسَينا، قلتُ له: على أيِّ شيءٍ أنتَ مُجْمِعٌ؟. قالَ: على أنْ أتَّخِذَ اللَّيل جملًا، فإنَّ السَّيرَ فيه يَخِفُّ عليَّ، قُلتُ: هذا هو الصَّوابُ؛ رجاءَ أنْ يُخْفِيه اللَّيلُ ولا يُصْبِح إلَّا وقد قَطَعَ بلدًا بعيدًا، والوَجْهُ أن يكونَ معكَ مِن رَجَّالَة هذه المَدينة الذين يَخبُرونَ الطَّريقَ، ويعرِفون المَواضِعَ المَخُوفَة فيه، جماعةٌ يمشون بين يديك إلى بغداد، فَقَطَّبَ وقالَ: لمَ قُلْتَ هذا القولَ؟. قلتُ: تَسْتَأْنِسُ بهم، قالَ: أمَا والجُرَازُ في عُنُقي، فمَا بي حاجةٌ إلى مُؤْنِسٍ غيره، قلتُ: الأمرُ كما تقولُ، والرَّأيُ في الذي أشَرتُ به عليكَ، فقالَ: تَلْويحُكَ هذا يُنْبِئُ عن تَعْريض، وتعريضُك يُخْبِرُ عن تصريحٍ، فعَرِّفْني الأمرَ، وبيِّن لي الخَطْبَ، قلتُ: إنَّ هذا الجاهلَ فَاتِكَ الأسَديَّ كانَ عندي منذُ ثلاثة أيَّام، وهو مُحْفَظٌ عليكَ؛ لأنَّك هجَوتَ ابنَ أختِه، وقد تكَلَّم بأشياءَ توجِبُ الاحْتِراسَ والتَّيَقُّظ، ومعه أيضًا نحو العشرين فارسًا مِن بني عمِّه قولُهم مثلُ قولِه. قالَ: وغلامُه، وكانَ عاقلًا لبيبًا فارسًا، يسْمَعُ كلامَنا، فقالَ: الصَّوابُ مَا رآه أبو نَصْرٍ، خُذْ معكَ عِشرين راجلًا يَسِيرونَ بين يديكَ إلى بغداد، فاغتَاظَ غَيظًا شديدًا، وشَتَمَ الغُلامَ شتمًا قبيحًا، وقالَ: واللَّه لا تُحُدِّثَ عنِّي أنِّي سِرْتُ في خِفَارةِ أحدٍ غير سَيفي. قلتُ: يَا هذا، فأنَا أُوَجِّهُ قومًا مِن قِبَلي في حاجَةٍ يسيرونَ بمَسيركَ، ويكونونَ في خَفَارتِك، قالَ: واللَّه لا فَعَلْتُ شيئًا مِن هذا، ثمَّ قالَ لي: يا أبا نَصْر، أبِخُرُوءِ الطَّيرتُخَشِّيني!. ومِن عبيدِ العَصَا تخَافُ عليَّ!. وواللَّه لو أنَّ مِخْصَرتي هذه مُلقاةٌ على شاطىء الفُرات، وبنو أسَدٍ مُعْطِشُونَ لخَمْسٍ، وقد نظَروا إلى المَاءِ كبُطُون الحَيَّاتِ مَا جَسَرَ لهم خُفٌّ ولَا ظِلْفٌ أنْ يَرِدَه، حاشَ للَّه مِن فِكْرٍ أشْغَلُه بهم لحظةَ العَين، فقلتُ له: قلْ إنْ شَاء اللَّه، فقالَ: كلمةٌ مقولةٌ لا تدفَعُ مَقضيًّا ولا تَسْتَجْلبُ أَتِيًّا، ثمَّ ركب فكان آخر العهد به. قالَ: ولمَّا صَحَّ عندي خبرُ قتلِه، وَجَّهْتُ مَن دَفَنَه وابنَه وغُلامَه، وذَهَبَتْ دِماؤُهم هَدْرًا. والحمدُ للَّه ربِّ العَالمين، وصلَّى اللَّه على محمَّدٍ النَّبِيِّ، وعلى أهل بيتِه الطَّيِّبينَ الطَّاهرينَ وسَلَّم تسليمًا. وكَتَبَ محمَّد بن هاشِم الخَالديُّ، بالمَوصِل، في سنةِ خمس وخمسينَ وثلاثِ مئةٍ، وهو يَسْتَغْفِرُ اللَّه ويَسْتَقِيلُه مِن كلِّ ذَنْبٍ وخَطيئةٍ عن عَمْدٍ أو خَطأ. أمَّا قولُه: أبِخُرُوءِ الطَّير تُخَشِّيني، ومِن عَبيدِ العصا تَخَافُ عليَّ، فإنَّ بني أسَد يُلقَّبونَ (خُرُوءُ الطَّير)، قالَ امرؤُ القَيس:
ويُلَقَّبونَ أيضًا (عَبيدَ العَصا)، قالَ الشَّاعرُ، ونَظُنُّه امرأَ القَيس أيضًا:
آخِرُ مَا كانَ بخطِّ أبي بكرٍ الخَالديِّ:
كذَا في الأصْلِ، قد أتَمَّ هذا البيت، وأظنُّه بخطِّ أخيه أبي عُثمان، ولا أتَحَقَّقُه.
وفي سَبَبِ قتله ثلاثةُ أقوالٍ؛ أحدُها: أنَّه كانَ معه مالٌ كثيرٌ، فقتلَه العَرَبُ لأَخْذِ مالِه؛ فَذَكَرَ بعضُ العُلماءِ: أنَّه قد وَصَلَ إليه مِن عضُد الدَّولة أكثرُ مِن مئتي ألف درهم، بقصيدَتِه التي قالَ فيها:
وفي آخرها:
فَجَعَل قافيةَ البيت (الهلاك) فهَلَكَ؛ وذلكَ أنَّه ارتحلَ مِن شِيرازَ، بحُسْن حالٍ، وكَثرةِ مالٍ، ولم يَسْتَصْحِبْ خَفيرًا، فخرجَ عليه أعرابٌ، فَحَارَبَهم، فقُتِلَ هو وابنُهُ مُحَسَّدٌ وبعض غِلمانِه، وفازَ الأعرابُ بأمواله. وكانَ قتلُه بشَطِّ دِجْلة، في موضع يُعْرف ب(الصَّافية). يومَ الأربعاء لثَلاثٍ بقينَ مِن رمضان، سنةَ أربعٍ وخمسينَ وثلاثِ مِئةٍ. واسمُ قاتِله: فاتِكُ بن أبي جَهْل الأسديُّ. والقَولُ الثَّاني: أنَّ سبَبَ قتله كلِمةٌ قالَها عن عَضد الدَّولة، فدَسَّ إليه مَن قتلَه. وذَكَرَ المُظَفَّرُ بن عليٍّ الكاتبُ؛ قالَ: اجتمعتُ برجلٍ من بني ضَبَّة، يُكنَى أبا رَشِيدٍ، فقالَ: إنَّه حَضَرَ قَتْلَ المُتَنبِّي، وكانَ صَبيًّا؛ حينَ رَاهَقَ حينئذٍ. وكانَ المُتنبِّي قد وَفَدَ على عضُد الدَّولة، وهو بشِيرازَ، ثمَّ صَحِبَه إلى الأهواز، فأكرَمَه ووَصَلَه بثلاثةِ آلاف دينار، وثلاثِ كِسًى؛ في كلِّ كِسْوَة سبعُ قِطَعٍ، وثلاثةِ أفراسٍ، بسُروج مُحَلَّاة، ثمَّ دَسَّ عليه مَن سَأَلَه: أينَ هذا العطاءُ مِن عَطاء سيف الدَّولة ابنِ حَمْدان؟. فقال المُتنبِّي: هذا أجزَلُ إلَّا أنَّه عطاءُ مُتَكَلِّفٍ، وكان سيفُ الدَّولة يُعْطِي طَبْعًا، فاغتَاَظَ عَضدُ الدَّولة؛ لَمَّا نُقِلَ إليه هذا، وأذِنَ لقومٍ مِن بني ضَبَّة في قَتْلِه إذا انصَرَفَ.
التنوخي: قالَ: فمَضَيتُ مع أبي، وكُنَّا في سِتِّين راكبًا، فكَمَنَّا في وادٍ، فَمَرَّ بنَا في اللَّيل ولَم نعْلَم به، فلمَّا أصْبَحْنا تَبِعْنَا أثَرَه، فلَحِقْنَاه وقد نَزَلَ تحت شجرةِ كُمَّثْرى وعندها عَينٌ، وبين يديه سُفْرةٌ فيها طعامٌ، فلمَّا رآنا قامَ، ونَادى: هَلُمُّوا وُجُوهَ العَرَبِ، فلَم يُجِبْه مِنَّا أحدٌ، فأَحَسَّ بالدَّاهية، ورَكِبَ ومعَه ولَدُه وخمسة عشر غلامًا له، وجَمَعوا الرِّحَالَ والجِمالَ والبِغَالَ، فلو ثَبَتَ مع الرَّجَّالة لم نَقْدر عليه، ولكنَّه بَرَزَ إلينا يُطَارِدُنا. قالَ: فقُتِلَ ولدُه، وأحدُ غِلمانه، وانهزَمَ يسيرًا، فقالَ له غُلامٌ له: أينَ قولُك:
فقالَ له: قتَلْتَني، قتَلَك اللَّه!. واللَّه لا انهزَمْتُ اليومَ، ثمَّ رجَعَ كارًّا علينا، فَطَعَنَ زعيمَنا في عُنُقِه فقتَلَه، واختَلَفَتْ عليه الرِّماحُ فقُتِلَ. فرَجَعْنا إلى الغَنائم، وكنتُ جائعًا، فلم يكُن لي هَمٌّ إلَّا السُّفْرَة، فأخَذْتُ آكُلُ مِنها، فجاءَ أبي، فضَرَبَني بالسَّوط، وقالَ: النَّاسُ في الغَنَائم وأنتَ مع بَطْنِكَ؟. اِكْفَأ مَا في الصِّحَاف وأَعْطِنِيها، فكَفَأْتُ ما فيها، ودَفَعْتُها إليه، وكانت فِضَّةً، ورَمَيتُ الفِراخَ والدَّجاجَ في حُجْري. والقولُ الثَّالثُ: أنَّ المُتَنبِّي هَجَا ضَبَّةَ الأسديَّ، فقالَ:
فبَلَغتْه، فأقامَ له في الطَّريق مَن قَتَلَه وقتَلَ ولَدَه، وأخَذَ ما معه، وكانَ ضَبَّةٌ يقطَعُ الطَّريقَ.
وقال الأصفهانيُّ: كانَ قد هربَ مِن كافور إلى أرَّجان، ومدحَ بها ابن العَميد؛ وزيرَ ركن الدَّولة بن بُويه، فأعطاهُ في دَفَعَات ثلاثين ألفَ درهم، ثم مضى مِن عِندِه إلى عَضُد الدَّولة، فأعطاه ما قيمتُه ثلاثين ألفَ دينار، وقال له: امضِ وأحضِرْ عيالَك؛ وكانوا بالكوفة، فلمَّا سارَ إلى (بَنُورا)؛ قرية عند النُّعمانيَّة، وَجَدَ هناك خيلًا قد كَمَنوا له، فحمَلُوا عليه، فطُعِنَ فوقَعَ، فنزَلَ رَجُلٌ فحَزَّ رأسَه، وقتَلَ ابنَه مُحَسَّدًا وبعضَ غِلمانه. وقيل: إنَّ الذي قتَلَه كَثْرةُ مالِه وبُخْله، فكانَ يحمِلُ معه أموالَه ولا يُعطي خَفيرًا درهمًا، فلمَّا رَحَلَ مِن شيراز سألَه الخُفَراءُ أن يُعْطيهم خمسين درهمًا ويخفُروه، فلم يفعلْ، وكان آخرُ ما مدحَ به عَضُدَ الدَّولة قصيدَته التي يقول فيها:
وجعَلَ قافيةَ البيت (الهلاكَ) فهلَكَ.
وَقَالَ عضُدُ الدَّولة بِشيرازَ: إِن المُتنبِّي كَانَ جيِّدُ شِعْره بالعَرَب. فَأُخْبِرَ المُتنبِّي بِهِ، فَقَالَ: الشِّعْرُ على قَدْر الْبِقَاع. وَكَانَ عضُدُ الدَّولة جَالِسًا فِي الْبُسْتَان الزَّاهِر يَوْمَ زِينَتِه، وأكابرُ حَوَاشِيه وقوفٌ، فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عبدُ العَزِيز بن يُوسُف الحَكَارِيُّ: مَا يُعْوِزُ مَجْلِسَ مَوْلَانَا سِوى أحدِ الطَّائيَّين. فَقَالَ عضُدُ الدَّولة: لَو حَضَرَ المُتنبِّي لنَابَ عَنْهُمَا. فَلَمَّا أَقَامَ مُدَّةَ مُقَامِه، وَسَمِعَ ديوَانَ شِعْره، ارتَحَلَ وَسَار بمَرَاكِبه وظُهُورِه وأثقالِه وأحمالِه إلى أنْ نَزَلَ الجِسْرَ بالأهوازِ.
وَأخْبرنَا أَبُو الحَسَن السُّوسِيُّ، فِي دَار الوَقْف بَين السُّورَين، قَالَ: كنتُ أتَوَلَّى الأهوازَ مِن قِبَل المُهَلَّبيِّ، وَوَرَدَ علينا المُتنبِّي، وَنَزَلَ عَن فرسِه ومِقْوَدُه بِيَدِهِ، وَفتَحَ عِيَابَه وصَنَاديقَه؛ لبَلَلٍ مَسَّهَا فِي الطَّرِيق، وَصَارَت الأَرْضُ كَأَنَّهَا مَطَارفُ مَنْشُورةٌ، فَحَضَرْتُه أَنا وَقلتُ: قد أَقمْتُ للشَّيخ نُزُلًا. فَقَالَ المُتنبِّي: إِن كَانَ تَمَّ فَآتِيَهُ. ثمَّ جَاءَهُ فاتكٌ الأَسديُّ بِجَمْعٍ، وَقَالَ: قَدِمَ الشَّيخُ فِي هَذِه الدِّيَار وشَرَّفَها بِشِعْرِهِ، وَالطَّرِيق بَينَه وَبَين (دَيْرِ قُنَّةَ) خَشِنٌ قد احْتَوَشَهُ أهلُ العِيَاثَةِ والخِرابَةِ والصَّعْلَكَةِ، وَبَنُو أَسَدٍ يَسِيرُونَ فِي خِدْمَته إِلَى أَن يقطَعَ هَذِه المسَافَة، ويَبَرَّ كلَّ وَاحِدٍ مِنهُم بِثَوبِ بَيَاضٍ. فَقَالَ المُتنبِّي: مَا أبقَى اللَّهُ يَدَي هَذَا الأدْهَمِ وذُبَابَ الجُرَازِ الَّذِي أَنا مُتَقَلِّدُه، فَإِنِّي لَا أفَكِّرُ فِي مَخْلُوقٍ، فَقَامَ فاتِكٌ، ونَفَضَ ثَوْبَه، وَجَمَعَ مَن رُتُوتِ الأعاريبِ الَّذين يشْرَبونَ دِمَاءَ الحَجِيجِ حَسْوًا سَبعينَ رجلًا، ورَصَدَ لَهُ فَلَمَّا توَسَّطَ المُتنبِّي الطَّرِيقَ، خَرجُوا عَلَيهِ فَقتلُوا كلَّ مَن كَانَ فِي صُحْبَتِه، وَحَمَلَ فاتكٌ على المُتنبِّي وطَعَنَه فِي يَسَارِه، ونَكَّسَه عَن فَرَسِه. وَكَانَ ابْنُه أفْلَتَ إِلَّا أَنَّه رَجَعَ يَطْلُبُ دَفَاتِرَ أَبِيه، فقَنَّعَ خَلفَه الفَرَسَ أحدُهم، وجَزَّ رَأسَه، وَصَبُّوا أَمْوَالَه يتَقَاسَمُونَها بطُرْطُوره.
وقالَ الوحيدُ الأزديُّ في بيت أبي الطَّيِّبِ:
قالَ أبو الفتح ابن جنِّي: بَلعجلان: كانَ المُتَنَبِّي يُنْشِدُهُ تَارَةً مَكْسَورًا، وتَارةً مضْمُومًا، فَجَرَى بيني وبينَهُ في هذا وقْتَ القِرَاءَةِ كلامٌ يَطولُ شَرْحُهُ، وذهَبَ في الضَّمِّ إلى أنَّهُ جعَلَ الاسْمَينِ اسْمًا واحِدًا، واحْتَجَّ بِأنَّهُ سَمِعَ العربَ تقولُ: هذا الأَبُوذِنْجَانُ. وهذا ونحْوُهُ مِنهُم يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلُ على الغَلَطِ والتَّشْبِيهِ بِغَيرِهِ. فقالَ الوحيدُ الأزديُّ: قد ردَّ هذا عليه ابنُ خَالَويه بحَلَبَ وأراهُ خَطَأَهُ فيه، فلم يرجِعْ، وكانَ رجلًا لجُوجًا مُعْجَبًا برأيه، والعُجْبُ وسوءُ الرَّأي قَتَلاه.
قالَ ضياءُ الدِّين؛ ابن الأثير: ومن جملةِ ما ذَكَرَه الشَّيخُ ابنُ الدَّهَّان (رحِمَه اللَّه) أنَّه قالَ: كانَ المتنبِّي يحفَظُ كتابَ (الحُدُود في النَّحو)، وكتابَ (العين) في اللُّغة، وأنَّه عَظُمَ في نَفْسِ أبي عليٍّ الفارسيِّ؛ بِسَبَبِ ذلك، ولعَمْري إنَّ ذلكَ فضيلةٌ تامَّةٌ، إلَّا أنَّها فضيلةٌ خارجةٌ عمَّا تقتَضِيه صِناعةُ الشِّعرِ؛ لأنَّ الشِّعرَ لا يفتَقِرُ قائلهُ إلى استخراجِ كلماتٍ لُغَويَّة مِن كتاب (العين) ولا مِن غيره، وكذلك لا يفتَقِرُ أيضًا إلى عويصٍ غَامِضٍ مِن النَّحو. والمتنبِّي إنَّما يُوصَفُ في شِعرِه باخْتِيَارِ الألفاظ والمعاني لا بحفظِه كتاب (العين) وكتاب (الحدود)، وإذْ لو كان هذا ممَّا يُنتَفَعُ به في قولِ الشِّعرِ، لكان الخليلُ بن أحمَدَ وسيبويه أشعرَ أهل الأرض.
ويُحْكَى أنَّ أبا الطَّيب اجتَمَع هو وأبو عليٍّ الفَارسيِّ، فقالَ له أبو عليٍّ: كم جاءَ مِن الجَمْع على وَزْن (فِعْلَى)، فقالَ: حِجْلَى، ظِرْبَى؛ جمعُ حَجَلٍ وظَرِبَانٍ. قالَ أبو عليٍّ: فَسَهَرتُ تلكَ اللَّيلة ألْتَمِسُ لها ثالثاً فلم أجدْ. وقالَ في حَقِّه: ما رأيتُ رجلًا في مَعناهُ مِثْلَه!. وهذا مِن مثل أبي عليٍّ كثيرٌ في حقِّ المُتنبِّي. وأنشدَ أبو الطَّيِّبِ: (وفَاؤُكُمَا كَالرَّبْعِ أَشْجَاهُ طَاسِمُهْ)، وَلمَّا سَمِعَه ابنُ خَالَويه، ظنَّه فِعلًا، فقالَ له: أتقُولُ أشجَاهُ؟. وإنَّما هو: شَجَاهُ. فقالَ له المتنبِّي: اسْكُتْ فليسَ هذا مِن عَمَلِكَ. هو اسمٌ وليس بفعلٍ.
وقالَ المُتنبِّي:
فقولُه: أذْهَبُ للغيظِ لَحْنٌ؛ لأنَّه يُقَالُ: ذَهَبَ به فَأَذْهَبَه؛ فكانَ يَجِبُ أنْ يقولَ: أشَدُّ إذهاباً للغيظ، أو يقولَ: أذْهَبَ بالغَيظ؛ ليسْلَمَ مِن الخَطَل، ولكنَّه لم يُفَرِّقْ بينَ الأمرين؛ لضَعْفه في العربيَّة. وممَّا يدُلُّكَ على صِحَّةِ ذلكَ، ما حدَّثنا به شَيخُنا أبو الحَسَن المُهَلَّبيُّ رحِمَه اللَّه، قالَ: حَضَرتُه في مجلسٍ لبعض الرُّؤساءِ، وجَرَتْ مسألةٌ في (المُذكَّر والمُؤنَّث)، فقلتُ: قد يُؤنَّثُ المُذكَّر إذا نَسَبْتَ لِمُؤنَّثٍ، فقالَ: مَن قالَ هذا؟. فقلتُ: قالَ سيبويه، ويَسْتَشْهِدُ بقول القائل:
ومثلُ ذلكَ:
فقالَ: لا أعْرِفُ هذا، ولعلَّه مذهبُ البصريين، ولا أعْمَلُ على قولهم. قالَ: فقلتُ له هذا في كتاب ابن السِّكِّيت، في المُذكَّر والمؤنَّث، فقالَ: ليس ذلك فيه، فأخْرَجْتُه مِن خِزَانة الرَّئيس الذي كنَّا عندَه، فلمَّا قَرَأَه، قالَ: ليس هذا بخطٍّ جيِّد، أنَا أكتبُ خيرًا مِنه، فقلتُ: مَا جَلَسنَا للتَّخَايُرِ بالخُطوط، فانقَطَعَ في يدي. وقلتُ له يوماً: كيفَ تُصَغِّرُ (مختارًا)، فقالَ: مُخْتارٌ لا تُصَغَّرُ، وقُلتُ: لِتَهْنَ (مختارًا) وأمَّ حُبَينٍ لكَ العَافيةُ. وهذا يشْهَدُ لكَ بما قُلْناه.
وقالَ ابنُ وكيع: وأنَا أورِدُ عليكَ مِن خَبَرِه ما أخبرني به أبو القاسم؛ عليُّ بن حمزة البصريُّ، وكانَ مِن المُجرَّدين في صُحبته والمُغرقين في صفته، ذكَرَ أنَّه حضَرَ عند أبي الطَّيب، وقتَ وصوله مِن مصر إلى الكوفة، وشيخٌ بحضرته فيه دُعابةٌ لا تقتضيها منزلةُ أبي الطَّيب في ذلك، قالَ: فرأيت أبا الطَّيِّب محتَمِلًا لِما سَمِعَه، فقال له: فيما قالَ: يا أبا الطَّيِّب، خرجتَ مِن عندنا ولكَ ثلاثُ مئة قصيدة، وعُدتَ بعد ثلاثين سنة ولكَ مئةُ قصيدة ونيفٍ مِن القصائد، أفَكُنتَ تُفَرِّقُها على المُنقطعين مِن أبناء السَّبيل؟!. فقال له: ألا تَدَعْ هَزْلَكَ!. قالَ: فأخبرني عن قصيدتك الشَّاطريَّة التي خَرَجْتَ مِن أجلها إلى البصرة حتَّى أظهرتَ فيها مُعَارَضَتَك للخُبْزأرزيِّ، لِمَ أسقطتَها؟. فقالَ: تلكَ هفواتُ الصِّبا. قالَ: فسَألتُ الشَّيخَ أتحفظُ منها شيئاً؟. قالَ: فأنشدني أبياتاً عِدَّةً. قال أبو القاسم: فأمهلتُ أبا الطَّيِّب مُدَّةً حَسُنَ معها السُّؤالُ وخَفِيَ المَقْصَد، فقلت له: أدَخَلْتَ البصرةَ قطُّ؟. قالَ: نعم. قلتُ: فأينَ كنتَ تسكُنُ؟. فخبَّرني عن منزلٍ أعرِفُه كانَ الخُبْزأرزيُّ مِنه على آدُرٍ يسيرةٍ؛ أربعٍ أو خمس، فعَلِمْتُ أنَّ الشَّيخ قد صَدَقَ.
قالَ الشَّيخُ أبو القاسم: جُمْلَةُ القَول فِيهِ: أَنَّه مِن حُفَّاظ اللُّغَة، ورُوَاةِ الشِّعْر، وكلُّ مَا فِي كَلَامه مِن (الغَرِيب المُصَنَّف) سِوَى حرف وَاحِد؛ هُوَ فِي كتاب (الجَمهرة)؛ وَهُوَ قَوْلُه:
أخبَرَنا تاجُ الأمَنَاءِ؛ أحمدُ بن محمَّد بن الحَسَن؛ كتابةً، قالَ: أخبَرَنا عمِّي أبو القَاسِم، عن أبي غَالبٍ؛ شُجاعِ بن فارس بن الحُسين الذُّهْلِيِّ، قالَ: أنشَدَني الحَكيمُ أبو عليٍّ؛ الحُسين بن عبد الرحمن الثَّقَفيُّ النَّيسَابوريُّ، لأبي القَاسِم؛ المُظَفَّر الزَّوزَنيِّ الكاتبِ؛ يرثِي المُتنبِّي، قلتُ: هو المُظَفَّر بن عَليٍّ:
أنشَدَني نجيبُ الدِّين؛ داودُ بن أحمدَ بن سَعيد بن خَلَف بن دَاود الطَّيِّبيُّ التَّاجِرُ؛ إملاءً مِن لفظِه، بحَلَبَ، قالَ: أنشَدَني شَمْسُ الدِّين؛ ابن الوَالي، بالمَوصِل، لأُخْتِ المُتنبِّي ترثي أخاهَا المُتنبِّي لمَّا قُتِلَ:
لا خبرَ يوافق البحث.
٧٠ قصيدةً صرّح خبرُها بسنتها، في مراحل حياته، ومرتّبةً بالسنة وعمر الشاعر.




