الديوان › قوافي القصائد › الألف الساكنة › [١٠]
ألا كُلُّ مَاشِيَةِ الخَيزَلَى◆فَِدَى كُلِّ مَاشِيَةِ الهَيذَبَى
المناسبة: وكانت للأَسوَدِ عليه عيونٌ، وكانَ جميعُ جِيرانِه يُراعونَه، حتَّى كانَ قومٌ يسهَرونَ حِذاءَ منزله؛ يتَفَقَّدونَه ويَعرِفُون خَبَرَه، ومَن يدخُلُ عليه ويخرُجُ مِن عنده. ويَغْدُو كلَّ يوم صَاحِبُ الخَبَر إلى بابِه، حتى يقِفَ على حَالِه. وهو يعلَمُ بهم ولا يُظْهِرُ لهم. وكان يتَسَلَّى بفَاتِكٍ وبالحديث معَه. وتُوفِّي فاتكٌ، فعَملَ أبو الطَّيب على الرَّحيل. وقد أعَدَّ كلَّ مَا يحتاجُ إليه على مَرِّ الأيَّام في لُطْفٍ ورِفْقٍ، ولا يعلَمُ به أحدٌ مِن غِلمانِه، وهو يُظهِرُ الرَّغبةَ في المُقام. وطَالَ عليه التَّحَفُّظُ، فخرَجَ، فدَفَنَ الرِّماحَ في الرَّمْل، وحَمَلَ الماءَ على الإبل في اللَّيل مِن النِّيلِ عُدَّةً لعَشْرة أيَّامٍ، وتزَوَّدَ لعشرينَ يومًا. وَكَتَبَ إلى عبدِ العزيزِ بنِ يوسُفَ الجُدَاعِيِّ: جَزَى عَرَبًا أَمْسَتْ بِبُلْبَيسَ رَبُّهَا بِمَسْعَاتِهَا تَقْرَرْ بِذَاكَ عُيُونُهَا كَرَاكِرَ مِن قَيسِ بن عَيلانَ سَاهِرًا جُفُونُ ظُبَاهَا لِلْعُلَى وجُفُونُهَا وخَصَّ بِهَا عَبْدَ العَزِيزِ بنَ يُوسُفٍ فَمَا هُو إِلَّا غَيثُهَا ومَعِينُهَا فَتًى زَانَ فِي عَينَيَّ أَقْصَى قَبِيلَةٍ وكَمْ سَيِّدٍ فِي حِلَّةٍ لا يَزِينُهَا وخَرَجَ فأخفَى طريقَه فلَم يأخذوا له أثرًا حتَّى قالَ بعضُ البادية: هَبْهُ سَارَ فهَلْ مَحَا أَثَرَهُ؟. وقالَ بعضُ المِصريِّينَ: إنَّما أقامَ حتَّى عَمِلَ طريقًا تحتَ الأرضِ. وتَبِعَته العَرَبُ والبَاديةُ والحاضِرة ومَن وَثِقوا به مِن الجُند، وكتبُوا إلى عُمَّالهم بالحُوفِين والجِفَارِ وغَزَّةَ والشَّام وجميع البَوادي. وعَبَرَ أبو الطَّيِّب بموضِعٍ يعرفُ بنَجْهِ الطَّير، إلى الدَّثْنَةِ، حتى خَرَجَ إلى ماءٍ يُعرَفُ بنَخْل، وتُسمِّيه العامَّةُ بَحْرى، في التِّيهِ بعدَ أيَّام، فَلَقِيَ عندَه في اللَّيل رَكْبًا وخيلًا صَادِرةً عنه، فقَاتَلوه فأخَذَهم وترَكَهم، وسَارَ حتى قَرُبَ مِن النِّقَابِ، فرأى رائِدين لبنى سُلَيمٍ على قَلُوصَين، فَركِبَ الخيلَ وطَرَدَهما حتَّى أخذَهُما، فذَكَرَا لَه أنَّ أهلَهُما أرسَلُوهُما رائدَينِ، وأَوعَدَهُما النُّزُولَ ذلك اليوم بينَ يديه، فاستَبقَاهُما، ورَدَّ عليهما القَلوصَين وسِلاحَهما، وسَارَ وهُما معه حتى تَوَسَّطَ بيوتَ بني سُلَيم آخرَ اللَّيل، فضَرَبَ له مُلاعِبُ بن أبي النَّجْم خَيمةً بيضاءَ وذَبَحَ له. وغَدا مِن عِنِده فسَارَ إلى النَّقْعِ، فنزَلَ بباديةٍ مِن مَعْنٍ وسِنْبِسَ، فذَبَحَ له عَفيفٌ المَعْنِيُّ غنمًا وأكرمه. وغَدا مِن عنده وبين يديه لِصَّان مِن جُذَامَ يَدُلَّانه، فصَعِدَ في النَّقْبِ المعروفِ بتُرْبَان، وفيه ماءٌ يُعرَفُ بغُرُنْدُل، فسَارَ يومَه وبعضَ ليلتِه، ونَزلَ وأصبحَ فدخَلَ حِسْمَى؛ وحِسْمَى هذه أرضٌ طيِّبة، تؤدِّي أثرَ النَّملَةِ مِن لينِها، وتُنْبِتُ مِن سائرِ النَّبات، مملؤةٌ جبالًا في كَبِد السَّماء، مُتَنَاوحةً مُلْسَ الجَوانب، إذا أرادَ النَّاظِرُ النَّظَرَ إلى قُلَّة أحدِها فَتَلَ عُنقَه حتى يراها بشدَّةٍ، ومِنها مَا لا يَقْدِرُ أحدٌ أنْ يَصْعَدَه. ولا يكادُ القَتَامُ يُفارِقُها؛ ولذا قالَ النَّابغةُ: فَأَصْبَحَ عَاقِلًا بِجِبَالِ حِسْمَى دُقَاقَ التُّرْبِ مُحْتَزِمَ الْقَتَامِ فاختلَفَ النَّاسُ في تفسير هذا البيتِ، ولم يعلَموا مَا أرادَ. تكونُ مَسِيرَةَ ثلاثة أيَّامٍ في يومين، يعرفُها مَن رآها؛ لأنَّها لا مَثيلَ لها في الدُّنيا. ومِن جِبالها جبَلٌ يُعرَفُ بإرَم، عظيم العُلوِّ، تزعم الباديةُ أنَّ عليه كُرُومًا وصَنَوبرًا. فوجدَ بني فَزَارة شَاتِينَ بها، فنزلَ بقومٍ مِن عَدِيِّ فزارةَ، فيهم أولادُ لاحِقِ بن مِخْلَب، وكانَ مِخْلَبٌ هذا قد خرجَ يطلُبُ ناقةً له فقَدَها. وكانت بنو فَزَارةَ قد أخذَت غَزيًّا غَزَاها، فكانت الأسرى في القِدِّ بين البيوت، فسَمِعَه بعضُ الأسرى يَنْشُدُ النَّاقة. فقال: هي بموضِع كذا وكذا، وَجَدناها أمسِ، فشَرِبنا لَبَنَها، وتَرَكنَاها لنَعُودَ فنَأخُذَها، فنَادى مِخْلَبٌ: على شهادتِكم يا مَعشَرَ العَرَب، ثمَّ لَبِسَ سِلاحَه وركِبَ فرسَه، وقالَ: الغَزِيُّ ضُيوفي. فخلَّصَهم مِن القِدِّ بعد اختلاف النَّاس وخوف الشَّرِّ. فَرَدَّ عليهم كلَّ شيءٍ أُخِذَ لهم، وقَرَاهُم وسَيَّرَهُم، وقالَ: فَإِنْ تَكُ ناقتي مَنَعَتْ غَزِيًّا تَجُرُّ صِرَارها تَرْعَى الرِّحَابَا فأيُّ فتًى أحَقُّ بذَاكَ مِنِّي وأجْدَرُ في العَشِيرةِ أنْ يُهَابَا؟ وكانت بينَه وبين أميرِ بني فَزَارة؛ حَسَّان بن حَكَمَةَ، موَدَّةٌ ومُذَامَّةٌ، فنزلَ بجارٍ للقوم؛ ليُوَرِّيَ عنهم، فلا يُعلَمُ مَا بينَه وبينهم. واسمُ الجارِ: وَرْدَانُ بن ربيعةَ، مِن طَيءٍ، ثمَّ مِن مَعْنٍ، ثمَّ مِن بني شَبيبٍ، فاستَغْوَى عَبِيدَه، وأفسَدَهم عليه، وأجلَسَهم مع امرأتِه، فكانوا يسرِقُون له الشَّيءَ بعدَ الشِّيءِ مِن رَحْلِه. وطَابَتْ حِسْمَى لأبي الطَّيِّب، فأقامَ بها شَهرًا. وكتبَ الأسودُ إلى مَن حَوله مِن العَرَب ووَعَدَهم. وظَهَرَ لأبي الطَّيِّب فَسَادُ عَبيدِه. وكان الطَّائيُّ يرى عند أبي الطَّيِّب سيفًا مَسْتُورًا، فيسألُه أنْ يُرِيَهُ إيَّاه فلا يفعَلُ؛ لأنَّه كانَ على قائِمه ونَعْلِه ذَهَبٌ مِن مِئَةِ مِثقَالٍ. وكانَ السَّيفُ لا ثَمَنَ له. فجَعَلَ الطَّائيُّ يحْتَالُ على العَبيد بامرَأتِه؛ طَمَعًا في السَّيف؛ لأنَّ بعضَهم أعطَاهُ خَبَرَه. فلمَّا أنْكَرَ أبو الطَّيِّب أمْرَ العبيد، ووَقَفَ على مُكاتبَةِ الأسوَدِ لكُلِّ العَرَبِ التي حولَه في أمرِه، أنفَذَ رسولًا إلى فتًى مِن بني فَزَارة، ثمَّ مِن بني مَازِنٍ، ثمَّ مِن وَلَدِ هَرِمِ بن قُطْبَةَ بن سَيَّار؛ يُقالُ له: فَلِيتَةُ بن محمَّد، وفيهم يقولُ بعضُ البادية: إذا مَا كُنتَ مُغْتَربًا فَجَاورْ بني هَرِمِ بنِ قُطْبَةَ أو دِثَارَا إذا جَاوَرْتَ أدني مَازِنيٍّ فقد ألْزَمْتَ أقصَاها الجِوَارَا وكانَ قد وَافَقَه قبلَ ذلكَ، فسَارَ إليه، وتركَ أبو الطَّيِّب عبيدَه نيامًا، وتقدَّم إلى الجِمَال، فشَدَّ على الإبِلِ وحَمَّلَ؛ خوفًا أنْ يَخْنِسَ عنه بعضُ عَبيدِه، فلم يعلَموا حتى أَنْبَهَهُم وطَرَحَهُم على الإبلِ وجَنَّبَ الخَيلَ، وسارَ تحتَ اللَّيل، والقومُ لَا يعلَمون برحِيله، ولَا يَشُكُّونَ أنَّه يريدُ البَيَاضَ، فأخذَ طريقَ البَيَاضِ، فلمَّا صارَ برأسِ الصَّوَّان، أنْفَذَ فَلِيتَةَ بن محمَّد إلى عَرَبٍ بين يديه. وتَوَقَّفَ وأخذَ بعضُ العَبيدِ السَّيفَ فدَفَعَه إلى عبدٍ آخرَ، ودَفَعَ إليه فَرَسَه، وجاءَ ليَأخُذَ فَرَسَ مولَاه، وانتَبَه أبو الطَّيِّب، وقالَ الغُلامُ: أخذَ العَبيدُ فَرسي؛ يُغَالِطُ بهذا الكلامِ، وعَدَا نحوَ الفَرَس ليَقْعُدَ على ظَهرِه، فالتقَى هو وأبو الطَّيِّب عندَ الحِصَانِ، وسَلَّ العبدُ السَّيفَ، فَضَرَبَ رَسَنَه، فضَرَبَ أبو الطَّيِّب وَجْهَ العَبْدِ فقَسَمَهُ، فَخَرَّ على رَتَمَةٍ، وأمرَ الغِلْمَانَ فَقَطَّعُوه، وانتظروا الصَّباحَ. وكانَ هذا العَبْدُ أشدَّ مَن معه وأَفْرَسَهُم. قالَ: الرَّتَمُ: شَجَرٌ له أغصانٌ مُلسٌ دِقَاقٌ سِبَاطٌ، والواحِدَةُ رَتَمَةٌ. فلمَّا أصبحَ أتْبَعَه أبو الطَّيِّبِ عَليًّا الخَفَاجيَّ وعَلْوَانَ المَازنيَّ، فأخذَا أثَرَه فأَدْرَكَاه عصرًا وقد قَصِرَ الفَرَسُ، فسَأَلَهما عن مَولاه، فقالَا: جَاءَكَ مِن ثَمَّ، وأشارا إلى موضِعٍ، فدَنَا منهما كالعَائِذِ وهو يَتَبَصَّرُ، فقالا لهُ: تقدَّم، فقالَ: مَا أرَاهُ، فإن رأيتُه جِئتُكُما، وإنْ لم أَرَهُ فمَا لَكُما عندي إلَّا السَّيفُ، فامتَنَعَ مِنهما. وعَادا في غَدٍ، ووَافَقَا عودةَ فَلِيتَة، فقالَ فَلِيتَةُ: لقد كانَ فيما جَرى خِيرَةً؛ لأنَّ الوقتَ الذي اشتَغَلْتُم بقَتْلِه فيه، كانت سُرَبُ الخَيلِ عابرةً مع ذلك العَلَمِ، ولو كُنتُم زِلْتُم عن موضِعِكم لحَدَّثَ بعضُكم بعضًا، فقالَ أبو الطَّيِّب ارتجالًا يهجو وَرْدَانًا: إِنْ تَكُ طَيِّئٌ كَانَتْ لِئَاما فألأمُهَا رَبِيعَةُ أوْ بنُوهُ وَإنْ تَكُ طَيِّئٌ كانَتْ كِراما فَوَرْدانٌ لِغَيرِهِمِ أبُوهُ مَرَرْنَا مِنْهُ في حِسْمَى بعَبْدٍ يَمُجُّ اللُّؤمَ مَنْخِرُهُ وَفُوهُ أشَذَّ بعِرْسِهِ عَنِّي عَبيدي فأتْلَفَهُمْ وَمَالي أتْلَفُوهُ فإنْ شَقِيَتْ بأيديهِمْ جِيادي لَقد شَقِيَتْ بمُنصُليَ الوُجُوهُ وقالَ فيه أيضًا: لَحَا اللَّهُ وَرْدَانًا وأمًّا أتَتْ بِهِ لهُ كَسْبُ خِنْزِيرٍ وخُرْطومُ ثَعْلَبِ فَمَا كانَ فِيهِ الغَدْرُ إلَّا دَِلالَةً عَلى أنَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمِّ والأَبِ إذا كَسَبَ الإنْسانُ مِنْ هَنِ عِرْسِهِ فيا لُؤْمَ إنْسانٍ وَيا لُؤْمَ مَكْسَبِ أهَذا اللَّذيَّا بنْتُ وَرْدَانَ بنْتُهُ هُمَا الطَّالبانِ الرِّزْقَ مِن شَرِّ مَطْلبِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْفِي الغَدْرَ عَن تُوسِ طَيِّئٍ فَلا تَعْذُلانِي رُبَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ وقالَ يذكرُ قتلَه عبدَه: أَعْدَدتُ لِلغادِرِينَ أَسيَافَا أَجدَعُ مِنهُمْ بهنَّ آنافَا لا يَرحَمُ اللَّهُ أَرؤُسَا لَهُمُ أَطَرْنَ عَنْ هَامِهنَّ أَقحَافَا ما يَنقِمُ السَّيفُ غَيرَ قِلَّتهِمْ وأَنْ تَكُونَ المِئُونَ آلافَا يا شَرَّ لَحمٍ فَجعتُهُ بِدَمٍ وَزَارَ لِلخَامِعَاتِ أَجوافَا قَدْ كُنتَ أُغنِيْتَ عَنْ سُؤالِكَ بي مَنْ زَجَرَ الطَّيرَ لي وَمَنْ عَافَا وَعَدْتُ ذَا النَّصلَ مَن تَعرَّضَهُ وَخِفْتُ لَمَّا اعتَرَضْتَ إخلافَا لا يُذْكَرُ الخَيرُ إن ذُكِرتَ ولا تُتبِعُكَ المُقلَتَانِ تَذرافَا إذا امرُؤٌ راعَنِي بِغَدرِتَهِ أَورَدْتُهُ الغَايَةَ التي خَافَا وسَارَ حتَّى نَظَرَ إلى آثارِ الخَيل، ولم يجِد مع فَلِيتَةَ خَبرًا عن العَرَبِ التي طَلَبَها، فقال له: اخْرِقْ بنا على بَرَكةِ اللَّه إلى دَومَةِ الجَنْدَل؛ وذلك أنَّه أشفَقَ أن تكونَ عليه عيونٌ بِحِسْمَى قد عَلِمَت أنَّه يريدُ البَيَاضَ، فسَارَ حتَّى انحدَرَ إلى الكِفَافِ، فَوَرَدَ البُوَيرَةَ بعد ثلاثِ ليالٍ، وأدرَكَتهُم لُصُوصٌ أخذَتْ آثارَهم وهُم علَيها، فلَم يَطْمَعُوا فيهم. وسَارَ معهم حَمْضِيُّ بن القَلَّابِ، فلمَّا تَوَسَّطَ بُسَيطَةَ رأى بعضُ عبيدِه ثورًا يَلُوحُ، فقالَ: هذه مَنَارةُ الجامِع، ونظَرَ آخرُ إلى نَعَامَةٍ في جانبها الآخر، فقالَ: وهذه نَخْلَةٌ. فضَحِكَ أبو الطَّيِّبِ، وضَحِكَت البَاديَةُ، فقالَ: بُسَيْطَةُ مَهْلًا سُقِيتِ القِطارَا تَرَكْتِ عُيُونَ عَبيدي حَيَارَى فَظَنُّوا النَّعاَم عليكَ النَّخيلَ وَظَنُّوا الصِّوَارَ عَلَيْكِ المَنَارَا فَأمْسَكَ صَحْبي بِأكْوَارِهِمْ وَقد قَصَدَ الضِّحْكُ فِيهِمْ وَجارَا وَوَرَد العُقْدَةَ بعد ليَالٍ، وسَقَى بالجُرَاوِيِّ، واجتَازَ ببني جَعْفَر بن كِلابٍ وهم بالبِرِّيتِ والأَضَارِعِ، فبَاتَ فيهم، وسَارَ إلى أَعْكُش حتَّى وَرَدَ الرُّهَيمَةَ، ودَخَلَ الكوفةَ، فقالَ، في رَبيعٍ الآخرِ سنةَ إحدى وخمسين وثلاثِ مِئةٍ، يصِفُ مَنازِلَ طريقِه، ويهجو كافورًا، في ثالِثِ المُتقَارِب، والقافيةُ مُتَدارَكٌ:
اقرأها في الموقع مع الشروح وأدوات الحفظ
- ١ألا كُلُّ مَاشِيَةِ الخَيزَلَىفَِدَى كُلِّ مَاشِيَةِ الهَيذَبَى
- ٢وكُلِّ نَجاةٍ بَجَاوِيَّةٍخَنوفٍ وما بِيَ حُسْنُ المِشَى
- ٣ولَكِنَّهُنَّ حِبالُ الحَياةِوكَيدُ العُداةِ ومَيطُ الأَذى
- ٤ضَرَبتُ بِها التِّيهَ ضَرْبَ القِمَاــرِ إِمَّا لهَذا وإِمَّا لِذا
- ٥إذَا فَزِعَتْ قَدَمَتْهَا الجِيَادُوبِيضُ السُّيُوفِ وسُمْرُ القَنَا
- ٦فَمَرَّت بنَخْلٍ وفي رَكْبِهَاعَنِ العالَمِينَ وعَنهُ غِنى
- ٧وأَمسَت تُخَيِّرُنا بِالنِّقَابِوادي المِياهِ ووادي القُرَى
- ٨وقُلنَا لَهَا: أينَ أرضُ العِرَاقِ؟فقَالتْ ونحنُ بِتُرْبَانَ: هَا
- ٩وهَبَّتْ بِحِسْمَى هُبُوبَ الدَّبُوــرِ مُسْتَقْبِلاتٍ مَهَبَّ الصَّبَا
- ١٠رَوامي الكِفَافِ وكَبْدِ الوِهَادِوجَارِ البُويرَةِ وادِ الغَضَا
- ١١وجابَت بُسَيطَةَ جَوبَ الرِّداــءِ بَينَ النَّعَامِ وبَينَ المَها
- ١٢إِلى عُقدَةِ الجَوفِ حَتَّى شَفَتبِماءِ الجُرَاوِيِّ بَعضَ الصَّدَى
- ١٣ولاحَ لَهَا صَوَرٌ والصَّبَاحَولاحَ الشَّغُورُ لَها والضُّحَى
- ١٤ومَسَّى الجُمَيعِيَّ دِئْدَاؤُهَاوغَادَى الأَضَارِعَ ثُمَّ الدَّنَا
- ١٥فَيَا لَكَ لَيلًا عَلى أَعْكُشٍأَحَمَّ الرِّواقِ خَفِيَّ الصُّوى
- ١٦ورَدنا الرُّهَيمَةَ في جَوزِهِوباقيهِ أَكثَرُ مِمَّا مَضَى
- ١٧فَلَمَّا أَنَخْنا رَكَزنا الرِّمَاــحَ فَوقَ مَكارِمِنا والعُلا
- ١٨وبِتنَا نُقَبِّلُ أَسيافَناونَمسَحُها مِن دِماءِ العُِدَى
- ١٩لِتَعلَمَ مِصرُ ومَن بِالعِراقِومَن بِالعَواصِمِ أَنِّي الفَتى
- ٢٠وأَنِّي وفَيتُ وأَنِّي أَبَيتُوأَنِّي عَتَوتُ عَلى مَن عَتا
- ٢١وما كُلُّ مَن قالَ قَولًا وفىولا كُلُّ مَن سيمَ خَسفًا أَبى
- ٢٢ومَن يَكُ قَلبٌ كَقَلبي لَهيَشُقُّ إِلى العِزِّ قَلْبَ التَّوى
- ٢٣ولا بُدَّ لِلقَلبِ مِن آلَةٍورَأيٍ يُصَدِّعُ صُمَّ الصَّفا
- ٢٤وكُلُّ طَريقٍ أَتَاهُ الفَتىعَلى قَدَرِ الرِّجْلِ فيهِ الخُطَى
- ٢٥ونامَ الخُويدِمُ عَن لَيلِناوقَد نَامَ قَبْلُ عَمًى لا كَرَى
- ٢٦وكانَ عَلى قُربِنَا بَينَنامَهامِهُ مِن جَهلِهِ والعَمى
- ٢٧لَقَد كُنتُ أَحسِبُ قَبلَ الخَصِيْــيِ أَنَّ الرُّؤوسَ مَقَرُّ النُّهى
- ٢٨فَلَمَّا نَظَرتُ إِلى عَقلِهِرَأيتُ النُّهى كُلَّها في الخُصى
- ٢٩وماذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِولَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكا
- ٣٠بِها نَبَطِيٌّ مِنَ اهلِ السَّوادِيُدَرِّسُ أَنسَابَ أَهلِ الفَلا
- ٣١وأَسودُ مِشفَرُهُ نِصفُهُيُقالُ لَهُ: أَنتَ بَدرُ الدُّجى
- ٣٢وشِعرٍ مَدَحتُ بِهِ الكَركَدَنْــنَ بَينَ القَريضِ وبَينَ الرُّقى
- ٣٣فَما كانَ ذَلِكَ مَدحًا لَهُولَكِنَّهُ كانَ هَجْوَ الوَرى
- ٣٤وقَد ضَلَّ قَومٌ بِأَصنامِهِمفَأَمَّا بِزِقِّ رِياحٍ فَلا
- ٣٥وتِلكَ صَمُوتٌ وذا ناطِقٌإِذا حَرَّكوهُ فَسا أو هَذى
- ٣٦ومَن جَهِلَتْ نَفسُهُ قَدرَهُرَأى غَيرُهُ مِنهُ ما لا يَرى
تعليق أبي الطيب على أبياتها
البيت ١٣: قلتُ لأبي الطَّيِّبِ، وقد قَرأتُ عليه هذا البيتَ: إنَّ أصحَابَنَا يزعُمُونَ أنَّ صَوَرَ اسمُ ماءٍ، فرأيتُهُ كأنَّهُ قد تَشَكَّكَ، وأرَى أنَّني سَألتُهُ عَن صَوَرٍ هذا ما هو؟. فقال: هو مَاءٌ. — رواه ابن جنّي
البيت ٣٥: انفردت بهذا البيت. عليُّ بن حمزةَ، قالَ: أنشدَني في هذه القصيدة بيتاً، وأمرَني ألَّا أكتُبَه، فلم أكتبه في نسخةٍ مِن نُسخهِ؛ وهو: (ومَاذا الخَصيُّ سِوى صُوَرةٍ... إذا حَرَّكوهُ بِعُودٍ فَسَا). النظام 1/474.