مجلة الرسالة · الأعداد ١٢٩، ١٣٠ · ١٩٣٥م
أبو الطيب المتنبي بمناسبة ذكراه الألف
بمناسبة ذكراه الألف
أحمد حسن الزياتت ١٣٨٨هـ
الحلقة الأولىالعدد ١٢٩
في مثل هذا الأسبوع من سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة طل في سواد بغداد دم الرجل الطموح.
والبطل الشاعر أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، فهمدت بهموده نفس دائبة الشبوب وعزيمة دائمة الوثوب وهمة رفيعة المصعد! وكان المأمول أن يكون هذا العدد من الرسالة ديوانًا لما يلقيه أساتذة الجامعة المصرية من المحاضرات في (أسبوع المتنبي)، ولكن العواصف الهوج التي ثارت بالبلاد فروعت قلوب الناس، وزعزعت سلام الجامعة، حالت من دون هذا الأمل. وأبو الطيب الذي رزق السعادة في شعره، وأوتي النباهة الخالدة في ذكره، لا يزال حظه العاثر لعبة الأيام وألهية القدر! هذا العراق الذي ولد به ودفن فيه قد أعرض بسمعه عن ذكراه، وهو المثل الذي يرتجيه لشبابه، والروح الذي يبتغيه لنهضته! وهذه حلب التي جعلها نشيدا في فم الزمن، قد قسم الهوى رأيها على ذكراه فجاءت بما لا يتفق مع قدره، ولا يسمو إلى جلاله! وهذه مصر التي كان أول من أخذها بالخضوع الضارع، وعابها بالزهد الوضيع، ونبه عينها الوسنى إلى فساد الحكم قد دفنت ذكراه بين وعد من (رابطة الأدب العربي) عفى عليها النسيان، ونية من الجامعة المصرية ثبطت عنها الحوادث؛ فلم يظفر شاعر القوة وشهيد المجد إلا بحفلتين جديرتين بفضله: حفله قومية أقامها شباب العرب الأبرار في (سان باولو)، وحفلة رسمية سيقيمها رجال الأدب الأخيار في (دمشق)! وسان باولو لم تخلق في دنيا، ودمشق لم تذكر في شعره.
كان أول عهد بالمتنبي أن والدي - بقى الله ثراه - أهدى إلى في يوم من الأيام ديوانه، وكنت لا أزال غلامًا يافعًا قد ارتفع قليلًا عن سن الحداثة، فأنا إقراء القصص، وأحفظ المتون، وأتلقى الدروس الأولية في الأزهر، وأكثر من نظم الشعر في المناسبات المختلفة على معانًا سقيمة وقوالب مشوشة؛ فأراد أبي أن استعين بالنظر في هذا الديوان على تقويم ملكتي وتهذيب طبعي؛ فأقبلت عليه إقبال المنهوم المحروم، لأنه الكتاب الوحيد الذي أملك، والغذاء الشهي الذي احب، والحنان الأبوي الذي أقدس. أقرأه فأدرك موسيقاه بشعوري، وأن كنت لا أدرك معناه بعقلي، وأحس أن شعاعًا سحريًا ينبثق عن سطوره، فيغمر القلب بالنشوة، ويرفع النفس بالحماس، كاللحن القوي ينساب في الأذان الأمية نغما من غير معنى، وجمالا من غير تحديد، ووحيًا من غير بيان، ولذة من غير وعي.
ازداد على الدرس والأيام فهمي للمتنبي، فصار للذوق الساذج حجة من الفن، وللحب الذي صادف خلاء من القلب قوة من المنطق. وكان أستاذنا المرصفي - تغمده الله بالرحمة - لا يصح في رأيه أحد من الشعراء المولدين وبخاصة أبو الطيب، فدس في أذواق تلاميذه الكراهة له والنفور من شعره؛ وتأثر بذلك الإيحاء رفيقاي طه حسين ومحمود زناتي، وقاومه في نفس تلك العوامل الأولى فلم أر رأيهما فيه، ولم أمالي تعصبهما عليه؛ وكثر ما كنا نتمادى في أدبه، ونتهاجى بسببه! ولا زلنا نتذاكر تلك المداعبات الأدبية الأخوية فنستروح منها شميم الصبي الغريض، ونسيم العيش الأبله، ونفخ الولاء الخالص.
إن أبلغ ما أثر في نفسي من حياة المتنبي منذ عرفته هي هذه النفسية المعذبة بين الطموح والعجز، وتلك الشخصية المذبذبة بين الوسيلة والغاية: سمت نفسه منذ أيفع إلى معالي الأمور، ولم يجد معينًا عليها غير المال والقوة. أما القوة فقد ألتمسها في قيادة الأعراب باسم الدين أو باسم العدالة فأخفق، وأما المال فأحتال عليه بوحي العبقرية وقوة الشاعرية فأصاب. وكان الشاعر المغامر من هذه الوسيلة الأرضية، ومن تلك الغاية السماوية، بين عاملين مختلفين: عامل يرفعه فيدل على الملوك، ويتأبى على السوقة، ويتجافى عن الهون. ويقول لبعض الأمراء:
وعامل يضعه للهبة هشاشة السائل، ويحرص على المال حرص الشحيح، ويعفر خده الأصعر في البحث عن درهم، ويقول لبعض الأغنياء:
ولكنه في كلتا الحالين كان طالب ملك، وعاشق مجد وخاطب دولة
الحلقة الثانيةالعدد ١٣٠
ولد أبو الطيب في ذرور القرن الرابع عظيما بالاستعداد، قويا بالنشأة، طموحا بالفطرة؛ فلا تحاول أن ترجع هذه الصفات فيه إلى أحوال داعية وأسباب موجبة، فأن إعجاز القدرة أن يولد الملك في حجر السوقية، ويدرج العبقري في عش الفدم، ويظهر النبي في بيت المشرك؛ إنما العظمة خلقةٌ في العظيم، تقويها عوامل وتضعفها عوامل؛ فولادة المتنبي بالكوفة، وتجواله في البادية، وتنقله في القبائل، وكدحه الدائب أربعًا وثلاثين سنة وراء الرزق الشرود، يضرب من أفق إلى أفق، ويخرج من هول إلى هول، نمت فيه أخلاق الجرأة والصراحة والصدق والصبر والمغامرة واللسن؛ واتصاله بسيف الدولة الأديب الشجاع السمح، هذب فيه الشاعرية والفروسية، وهما غريزتا البداوة، وخصيصتا العروبة؛ ثم ظهوره في العصر الذي تحللت فيه روابط الخلافة، وتعددت حواضر الأدب، وتطاولت كفايات السيف والقلم إلى العروش المقدسة والمناصب الفخمة، وأثمر تداخل الثقافات المختلفة ما أثمر من شمول العلم، ونضوج العقل، واعتراض الشكوك، وتعدد الفرق، وسع في ذهنه أفق المعرفة، وقوى في نفسه الطموح إلى الرياسة، وهيج في رأسه الثورة على القدر، وأراه بعض الكتاب في بغداد يصل بالأدب إلى الوزارة، وبعض العبيد في مصر يصل بالحيلة إلى الإمارة، فطوع له رأيه في نفسه أن يبايع لها بالملك، ثم أخذها بسمت الملوك، وألزمها شارة الخاصة، وعاشر الدهماء معاشرة الأنوف المكره، وساير الرؤساء مسايرة الغريب الحاقد، وسخر قوته وعبقريته في طلب هذا (الحق) وتحقيق هذا المطلب، حتى ملأ الدنيا بذكره، وشغل الناس بأمره
المتنبي في كتاب الأدب العربي فصل قائم بذاته؛ لأن حياته التي اختلفت عليها العوامل، وازدحمت فيها الأحداث، واعتركت بها الآمال، وفاضت منها التجارب، أمكنته من نوع جديد في الشعر يتسم بالتفكير الحي، والابتكار الجرئ، والأداء الحر، فأقبل عليه عشاق الأدب وطلاب الشهرة من ذوي السلطان في خراسان والعراق والشام ومصر، يتسابقون إلى وده، ويتنافسون في رضاه، وربما توسل بعضهم بالشفاعة ليحطبه في حبله، وجلس أحدهم بين يديه ليسمع مدحه فيه، وهو يتصون عن مدح السوقة، ويتكرم عن موقف الشاعر؛ فسعى إليه الرؤساء المحرومون بالعداوة، واجتمع عليه الشعراء المغمورون بالحسد، وتعاون هؤلاء وأولئك على تعقب سقطاته وجحود فضله؛ فكان من أثر الكتب التي ألفت في نقده، والقصائد التي قيلت في هجوه، والخصومة الأدبية التي أثيرت من حوله، والحركة الذهنية التي نشأت من شعره، أن سار ذكره مسير الشمس، وصار شعره سجل الخلود، وغدا مدحه مطمح الملوك، وأصبح أدبه وما اتصل به من النقود والشروح مكتبة!
عقلية المتنبي عقلية بدوية خالصة: تتعلق بالحس أكثر من تعلقها بالمعنى، وتعتد بالواقع أكثر من اعتدادها بالخيال، وتعتمد على القوة أكثر من اعتمادها على الحيلة. لذلك كان ذهول الصوفية نابيًا في عقله، وشعور الجمال خابيًا في قلبه، واثر الدين ضعيفًا في حياته؛ ثم كانت فلسفته حاجة الدنيا، وخطته سنة الطبيعة، وفكرته صورة الواقع، وغايته غاية الرجل الطماح: شخصيته تبغي الظهور، وشهوته ترغب المال، وحيوته تطلب الغلب، وعظمته تريد الحكم؛ لذلك كان أخص ما يميزه بروز شخصيته في شعره، وصدق إيمانه برأيه، وقوة اعتداده بنفسه، وصحة تعبيره عن طبائع النفس ومشاغل الناس وأغراض الحياة
عبقرية أبى الطيب سباحة الجناح، لماحة الطرف، مبسوطة الأفق؛ ولكنه قيدها بالمادة وحصرها في ما تدور عليه من كاذب المدح ولاذع الهجاء، فقرت قرار الطائر الحبيس، تخافت بالأغاريد المزورة على طبيعتها، وتكابد الشوق الملح إلى الهواء والسماء والروض؛ ثم تفلت أحيانا من ربقة القيد فتحلق في سماء الإلهام وتهتف بالمعجز من قلائد الحكم وشوارد الأمثال وطرائف الذهن، حتى في الأغراض المبتذلة والمواقف الوضيعة
وهكذا كانت قوى المتنبي ومواهبه مقهورة معذبة! ولعله كان أقسى ما يكون على قريحته وعبقريته! فقد أرادهما على الابتكار في مدح لا يعتقده، ووصف لا يحسه، فجاءت معانيه في أمثال هذه الأغراض توليدًا في عقله، لا نقلا عن شعوره؛ ومن ثم كثر فيها الإغراق لقيامها على الدعاوى المرسلة، والغموض لانتزاعها من الخوالج المبهمة، والتناقض لتعبيرها عن غير كائن، والتشابه لتفصيلها على غير معين
أما في ما يشعر به كالهجاء والعتاب والنقد والفخر والشكوى، فسيل لا يحجزه سد، وبحر لا يحصره ساحل. وهو في تدفع السيل وعمق البحر وسعة العباب، مثله في بطء الحركة واختلاج الأداء وضيق الفكرة: شخصية مفروضة على الذهن، وروح شعاعة على الإحساس، وزفيف في الارتفاع والإسفاف يدل على جناح النسر!
والحق أن المتنبي شاعر القوة، شاعر الحرب، شاعر المغامرة، شاعر المجد! فلو كان سياسيا لكان مكيافللي، أو قائدًا لكان نابليون، أو فيلسوفًا لكان نيتشه!
أحمد حسن الزيات
المصدر
منقولٌ بحروفه من مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات، في أعدادها ١٢٩، ١٣٠ (١٩٣٥م)، عن نسختها الرقمية في منصّة «تراث». وكاتبه توفي سنة ١٣٨٨هـ، فالنصّ في الملك العام.
تاريخ الوفاة: الباحث: وفاته ١٣٨٨هـ.