مجلة الرسالة · العدد ٨٢ · ١٩٣٥م
أحمد المتنبي
جميل صدقي الزهاويت ١٩٣٦م
١
أحمدٌ كان مثل بحرٍ رحيبموجه فوق لُجِّه كالكثيبِشغلَ الناسَ منذ كانَ بشعرٍقاله معجِزًا لكل أديبِإنْ يكن أحمدٌ تنبّأَ في القوم فما إن عليه من تثريبِفلقد كان الشعرُ يُوحى إليهسُوَرًَا للاصلاحِ والتهذيبِإنما معجزاته في معانيــه وفي لفظه وفي الأسلوبِكم له من معنىً تراه قريبًاوهو في نفسِ الأمرِ غير قريبِومن اللفظ ما يكاد من الرقــة يجري إلى صميمِ القلوبِ
٢
أحمدٌ كان شاعرًا وحكيماوبأسرار النفس كان عليماأحمدٌ لا يفنى وإن كان في قبــرٍ عَفَتْه الأيام عَظْمًا رميماأحمدٌ كان في الزعامة للشعــر وفي العلمِ بالحياةِ عظيماقد أراد الحُسَّادُ للحُرِّ هضمافأبى الحُرُّ أن يكون هضيماجعل الشعر كالنهار مضيئًابعد ان كان الشعرُ ليلًا بهيماوكأن الديوان في جمعه ماقاله كان للنجوم سديمًاقتلوا الشاعرَ العظيم اغتيالاوفشا قتله فكان أليمًا
٣
أيها الشاعر الحفىّ القديرباسمك اليوم يهتف الجمهورأكبر الفضل ما تقّدره الأجيال من بعد أهله والدهورإنما قد أصاب شاكلةَ الأمــة لما أصابك المقدورذُمَّ دنيا غرّارة ليس تخلومن رزايا يسوء فيها المصيرأفجعُ الحادثات في الغرب والشرق على النابه الأديب تدورقاءل الشعر قد يبور مصابًابُلِمٍّ وشعره لا يبورحبذا الشعر آتيًا من شعورإنما يلمس الشعورَ الشعور
٤
يا قتيل الآداب إنك باقوستحيا في أنفسِ العشّاقكل بيتٍ قد قلته فيك ارثىآهةٌ لي جاءت من الأعماقِحَرَم القاتلوك أمتهم منكِلمٍ ملء الدهر والآفاقولقد صارعتَ الخطوبَ إلى أنأطفأتْ منك كوكبًا ذا ائتلاقشاعر العقل، شاعر المجد والفخــر الأثيلين، شاعر الأخلاقوالذي آمنتْ ببعثته الناس على خِلفةٍ من الأذواقجاءت الخيل وهي تنحط إعياء وراء المحجَّل السبّاق
٥
إنما أنت للقريب الجديدمثلما أنت للقديم البعيدلستُ ممن يَقْلُون كل قديمغير أني أحبَ كل جديدأنت في الدولتين كنتَ رسولاذا كتاب تدعو إلى التوحيدولقد صاغوا الشعرَ قبلك من لفــظٍ ووزنٍ وصُغته من حديدواحدٌ أنت من عباقرةٍ ماتوا على الأرض غيلةً للخلودأنت من جني القريض عليهمقَتِلَ الشعرُ كم له شهيد!كنتَ حينًا كالليث يزأر للبطــش وحينًا كالبلبل الغِرِّيد
٦
أنت بالشعر إذ هززتَ الشعوباكنت تُرضي النُهى وتُرضي القلوباحِكَمٌ للذي أراد صواباونسيبٌ لمن أراد النسيباتلك نارٌ إذا خَبَت فهي تُبقيمن جديد للمصطلين لهيبايتعب الدهرُ في التخِّيرِ حتىيهبُ الناسَ شاعرًا أو أديباقد دعاك العُلا فسرتَ إليهودعوتَ العُلا فكان مجيباإنه وحده الحبيب الذي قدكنتَ منه وكان منك قريباولئن كنتَ للغبيّ بغيضافلقد كنتَ للذكيّ حبيبا
٧
أنت فردٌ يا أحمدُ المتنبيفي قريضٍ نظمته، إي وربّي!ما دعوتَ القوافي الغُرّ إلاوهي عند الدعاء جاءت تلبّيكثر الناقدو قريضك بالباطل سترًا لصدقه بالِكْذبِرُبَّ بنت للشعر قد وأدوهافي ربيع الصبا على غيرِ ذنبِغير أن الأيام قد ضربتهمبعد حرب تأججت أيّ ضربِشاعرُ أنت للعروبة جمعا_ءبرغم الحُسّاد في كل حقبِولقد قالوا ما لأحمدّ قبرٌكذبوا، إن قبر أحمد قلبي
٨
لك في الشعر عزّةٌ قعساءعَجَزَتْ عن بلوغها الشعراءإنهم ضلوا في ظلام اللياليوهدتك المجرّة البيضاءإنما قالة القريض كثيروقليلٌ من بينها النبغاءبين من راضوا الشعر أو قرضوهليس إلا لاسم الزعيم البقاءالقريض الشريف ممن أهانوه بما أسندوا إليه بَراءليس من حظ العبقريّ إذا بَرْرَزَ إلا العِداء والبغضاءليس بالشعر ما خلا من شعورٍوإن احلولى لفظه والبناء
٩
فاق شعرٌ به نطقتَ مبيناغُررَ الأولين والآخريناكان يحكي اليراعُ منك حساماَكلما احتل من يديك اليميناكنت تسطو فيه فَيُبدي زئيرًاثم تشكو به فيُبدي أنيناضحكوا غِرَّةً فأسبلَت دمعاكنتَ تبكي به على الضاحكيناضمّ ديوانك الذي هو فِرَدوسٌ من الشعر البِكر حورًا عيناإنني كلما له جئت أتلوأقرأ الحُسْنَ والهدى واليقيناولقد أبصرُ الكماةَ أماميوأرى قسطلًا فأُغضي العيونا
١٠
كان ليلٌ يدجو كان صباحُتتغذّى بضوئه الأرواحأنت في بحر كنتَ تسبح والباقون في حوض ماؤه ضحضاحبك ليلُ القريض بعد ظلاملاح للعين صبحه الوضّاحثم زاد المقصرون صناعاتٍ إليها الأديب لا يرتاحثم كان الغواة فيه فريقيــن لكلٍّ عتادُه والسلاحففريقٌ مٌقلدٌ لسواهوفريقٌ أباح ما لا يُباحثم شّبتْ بين الفريقين حربُكثرت في الغِمار منها الجِراح
١١
واحدٌ أنت من ملوك المعانيما له في سلطانه من ثانشاعر العقل والعواطف في النفــس وما في قرارها من أمانيلا يدانيك ناقدُ قد تحدّىإنه هادمٌ وأنت البانيما لهم في البلاغة اليوم أرضٌولك المشرقان والمغربانأنت ما كنت ترسل الشعرَ إلابعد نضج في العقل أو في الجنانبعد ألفٍ من السنين تقضّىأكبرتْكَ الأقوامُ في مهرجانتعتري السامعي قريضك منهمهزةٌ في الأرواح والأبدان
١٢
إنما جاءت الوفودُ ترامىلتحييك ركُعًا وقياماإنهم يُكبِرونَ منك زعيمااقعد الناسَ شعرُه وأقاماأنهم لبّوا دعوةَ الشَعبِ لماقدموا أفواجًا فكانوا كرامالك يا أحمدٌ الإمامة في الموت كما كنتَ في الحياة إماماحبذا أبياتٌ بها كنت تشدوفَجَرَت أمثالًا تزين الكلاماسكت البلبلُ الذي كان يشدوكلَ صبحٍ فيوقظ النوامامحسنُ للتجديد أحمدُ في البدء فَمَنْ ذا سيحسن الأتماما؟
جميل صدقي الزهاويبغداد
المصدر
منقولٌ بحروفه من مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات، في عددها ٨٢ (١٩٣٥م)، عن نسختها الرقمية في منصّة «تراث». وكاتبه توفي سنة ١٩٣٦م، فالنصّ في الملك العام.
تاريخ الوفاة: الجزيرة نت: توفي ٢٣ فبراير ١٩٣٦.
من «الرسالة» أيضًا
- أبو الطيب المتنبي بمناسبة ذكراه الألفأحمد حسن الزيات · ١٩٣٥م←
- علم المتنبي باللغة والأدبعبد الوهاب عزام · ١٩٣٦م←
- مقتل أبي الطيب المتنبيعبد الوهاب عزام · ١٩٣٦م←
- بين المتنبي وسيف الدولةأحمد أحمد بدوي · ١٩٣٥م←
- الفصل في نبوة المتنبي من شعرهعبد المتعال الصعيدي · ١٩٣٦م←
- المتنبي وسر عظمتهعبد الرحمن شكري · ١٩٣٩م←