مجلة الرسالة · الأعداد ٢٩٠، ٢٩١ · ١٩٣٩م
المتنبي وسر عظمته
عبد الرحمن شكريت ١٩٥٨م
الحلقة الأولىالعدد ٢٩٠
بلغ المتنبي ما لم يبلغه شاعر آخر من الشهرة. وقد اهتم له النقاد الأدباء قديمًا وحديثًا، وكتب عنه كثيرون من أفاضل الأدباء وأكابرهم في عصرنا هذا. وقد عني بعضهم باستنباط أخلاقه من شعره، وبعضهم أغرى بتتبع نسبه وتاريخ حياته وأسرارها وأسباب حوادثها، وبعضهم نظر إليه من حيث هو الشاعر الذي يمثل العرب خير تمثيل وينوب عنهم في الإبانة عن خصائص نفوسهم ونزعاتهم، وبعضهم عُني بحكمته ونظراته في النفس والحياة، ومنهم من راقته مبالغته التي اشتهر بها في المدح أو الفخر، ومنهم من راقته أساليب التشبيه التي أُغري بها أهل زمنه، وقدموه من أجلها في ظاهر ما يحسبون ويحسون. وإذا تأملت سبب إعجاب المعجبين به، وجدته يختلف باختلاف أذواق المعجبين به واختلاف نظرهم إلى الشعر كما تختلف أسباب المهتمين بدراسة سيرته، وإذا نظرت في شعر المتنبي وشعر غيره من كبار الشعراء وجدت شاعرًا قد يماثله أو يبزه في صفة، ويماثله أو يبزه شاعر آخر في صفة أخرى من صفات الجودة، وهو بالرغم من ذلك أوفر نصيبًا من الشهرة. وترى لغيره من الشعراء أبيات كثيرة في الحكم والأمثال والأقوال المأثورة، تدل على فطنة بالنفس، وخبرة بالحياة، وتوفيق في الصنعة؛ ولكنها لم تسرْ كما سيَّرَ المتنبي شعره في هذه المعاني. فالبحتري أكثر منه نصيبًا من طلاوة الصنعة، وأبو تمام من أساليب البيان، والشريف من الوجدان وسلامة الفطرة، وابن الرومي من الأوصاف، والمعري من النظرات في الأخلاق والحياة، ولكن ما من دَويٍّ أثاره هؤلاء إلا ويخفت بجانب ما أثار المتنبي حتى ليصدق فيه قوله:
وقد تتبع النقاد قوله أحيانًا بالتزييف، وإظهار السيئات من معاظلة والتواء في بعض قوله، وبالتقصي للسرقات والمآخذ، أو ما ظنوا أنه سرقات ومآخذ. حتى حاول بعضهم رد كل معنى من معانيه إلى شاعر سابق. وبعض النقاد أولع بإظهار ما في مغالاة مدحه من التهكم المقصود أو فساد الذوق غير المقصود. وبعضهم أظهر ما في مغالاة المدح من إلحاد أو شبه إلحاد، وما في استطالته بالفخر من كفر أو شبه كفر، واستشهدوا بقوله:
وقالوا إنه كان يظهر الشك بالبعث والحياة الأخرى كما في قوله:
وقالوا إنه تعدى منزلة الشك في هذه الأبيات الذي يشبه الإنكار المُقنَّع إلى منزلة إثبات النفي المُقنَّع في قوله:
وثالث المعاني التي يدركها العقل بعد معنى الانتباه ومعنى المنام هو معنى الفناء والعدَم. والمتنبي يلجأ إلى عقل القارئ في تأمله فهو إذا يريد المعنى ولا معنى غيره. وبعض النقاد أشار إلى شدة حقده على الناس وقسوته في قوله:
وقوله:
ولكن كل هذا النقد لم يسقط الرجل من منزلته، فلأي أمر تبوأ هذه المنزلة؟ إنه لا شك في مقدرته في الشعر وإن له من صفاته باعا فيه، فهو بالرغم من معاظلته أحيانًا يجيد أساليب البيان كأحسن ما يجئ به أبو تمام وأحيانًا. يأتي بالأساليب الحلوة كأحلى ما يجئ به البحتري، وإن كان إتيانه بها عفوًا من غير تعمد وتكلف، ولكن كل هذه القدرة في القريض وما عنده فيه من صفات الجودة جماعها أمر واحد وهو الروح الخاصة التي تظهر فيما له صلة من شعره بآماله وخيبتها وتفيض على ما ليس له صلة مباشرة بتلك الآمال، فتعم إذا هذه الروح كل شعره وتكسبه (جاذبية الشخصية) وجاذبية الاعتداد بالنفس والاعتزاز بها وجاذبية لذة البيان المُعبَّر عنها. ولأكثر الشعراء نصيب منها، ولكن نصيب المتنبي أو فر نصيب. وهي أيضًا التي بصرته بدخائل النفس الإنسانية وأسرارها وعيوبها كي يتخذ من تلك البصيرة بالنفس الإنسانية عامة سلاحا يساعده في الاعتزاز، والاعتداد بنفسه فاعتداد المتنبي بنفسه إذا سبب طلاوة شعره وسبب حكمه وأمثاله وسبب ما يشعر القارئ في شعره من القوة. وقد تكون روح الاعتداد بالنفس مصحوبة بالتقحم والإقدام والفخر والادعاء كما كانت في حياة بِنْفِنوتو سِلَّيْني المثَّال الإيطالي الذي كتب تاريخ حياته وهو مملوء بالمغامرة والمخاطرة والإجرام وبالفخر العريض والادعاء، ولكنه كتاب يستهوي القارئ بسبب ما أكسبه اعتداد صاحبه بنفسه من جاذبية وطلاوة وقوة في الكتابة. وقد تكون هذه الصفة عند رجل مفكر في نفسه غير مقتحم ولا مستطيل ولا مُدّع فتكسبه أيضًا صفات الكاتب الذي يستهوي قلمه القارئ، فإن اعتزاز مونتاني الكاتب الفرنسي بخواطر نفسه وحوادث حياته اليومية واللذة التي وجدها في قيدها ووصفها تستهوي القارئ بعدوى الشخصية ومغنطيسها. فعدوى الشخصية في نظري هي الصفة الغالبة التي ميزت شعر المتنبي، وهي التي ميزت ترجمة بِنْفِنوتو سِلِّيني لحياته وميزت مقالات مونتاني الفرنسي. ويشترط في وجود هذه العدوى أن تكون شخصية صاحبها ذات هبات عقلية ونفسية طبيعية، والعدوى قد تظهر بين الناس قي مقدار أقل حتى ولو كانت الشخصية المعتد بها المعتز صاحبها قليلة الهبات العقلية؛ وهذا أمر مشاهد في حياة الناس اليومية وتأثير بعضهم في بعض في أعمالهم وأخلاقهم وأفكارهم ومذاهبهم وصدقاتهم وعدواتهم، فالناس إذن خليقون أن يهتموا للشاعر أو الكاتب الشديد الاعتزاز والاعتداد بنفسه. وقد يهتمون له أكثر من اهتمامهم لشاعر أو كاتب آخر أقل اعتداد بالنفس وأكثر هبات عقلية ونفسية، فليس اهتمام الناس للشاعر أو الكاتب إذًا على قدر هباته العقلية وحدها كما يظن المعجبون به الذين يستهويهم اعتداده بنفسه، وللشاعر هيني الألماني كلمة حكيمة في هذا الموضوع وهي كلمة مأثورة في هذا المعنى فقد قال: (إن الإنسانية كالشجرة، فالشجرة لا تحفظ ذكرى الأيدي التي تعهدتها بالري والعناية وإصلاح التربة والصيانة من العواصف والأضرار والرياح، ولكنها تحفظ ذكرى اليد المعتدية التي تأخذ خنجرًا وتحفر اسم صاحبها على ساقها بالنحت والتكسير من غلافها والسطو عليها، وكذلك الإنسانية قلما تحفظ ذكرى الذين ضحوا في خمول وسكوت لأجل رعايتها والعناية بها، ولكن الإنسانية تحفظ ذكرى الغزاة المدمرين الذين نقشوا أسماءهم على جبهة ذاكرتها بأحرف من نار وبالسطو عليها وبالإهلاك والتدمير وإراقة الدماء. وهذه شواهد متطرفة تدل على اهتمام الناس بالمعتد بنفسه. ولا نريد أن نقول إن الشعراء والكتاب الذين يبالغون في إظهار الاعتداد بالنفس هم مثل هؤلاء الغزاة المدمرين في شرهم، وإنما نعني أن ظاهرة الاعتداد بالنفس تستدعي اهتمام الناس في الحالتين. ومع ذلك فإن رجلًا كالمتنبي ما كان يتأخر عن إراقة الدماء والتدمير في سبيل تحقيق آماله كما يشهد الكثير من شعره. وقد صرح بذلك في أكثر من قصيدة كما قي قوله:
وهنا تصريح ليس بعده تصريح. والحقيقة أن تقديس الإنسانية للاعتداد بالنفس حتى ولو بلغ الإجرام لا يقل في كثير من الأحايين عن تقديس الإنسانية للفضائل، بل قد يكون أعظم من تقديسها للفضائل، إذ أن تقديسها للفضائل كثيرًا ما يكون نفاقًا ورياءً أو رغبة في الانتفاع من وداعة الفاضل واستكانتِهِ وترفعه عن الدنايا بينما يكون تقديس الإنسانية للاعتداد بالنفس ومظهره في غيرها عذرًا لها في تقديس مظهره في نفسها وتقديس أثرتها، فتجمع بين لؤم الأثرة وقداسة العبادة بتقديس مظهر الاعتداد بالنفس في غيرها. وقد تحتال للجمع بين هذين المتناقضين بأن تنسب إلى المُعْتَدِّ بنفسه النبل والجلال وكرم الشمائل والمروءة، وهو قد يكون خلوًا من هذه الصفات أو على الأقل يكون خلوًا من مقاديرها التي تنسبها إليه كي تجمع بين لؤم الغريزة وتقديس الفضائل. وهذا أمر يشاهد كثيرًا بين الناس، ولعل هذا الشرح يفسر كيف أن الناس كثيرًا ما يحاربون الفضلاء وينتقصونهم مع معرفة فضيلتهم وهم يقدسون الفضائل في كلامهم، وكيف أن الناس كثيرًا ما يجلون صاحب الرذيلة إذا لم يضطروا إلى مؤاخذته اضطرارًا، وإذا كان معتدًا بنفسه وكانت في لسانه خلابة أو له قدرة وسلطان. فإذا كان هذا شأن الناس مع من قلت فضيلته من المعتدين بالنفس، فكيف لا يكون إعجابهم أعظم بمن جمع إلى الاعتداد بالنفس فضائل وبيانًا وفصاحة تستهوي القارئ؟ وكثيرًا ما يضع القارئ نفسه في منزلة نفس القائل المعتد بشخصه ويشاركه في آماله وأطماعه وإحساسه واعتزازه بنفسه، ويشاركه في خواطر نفسه وحالاتها كما يفعل القارئ أيضًا عندما يقرأ قصة لكاتب فيضع نفسه في مكان بطل القصة الموصوف الذي يعجب به القارئ. وقد يفعل بعض القراء ذلك حتى في قراءة قصص مشاهير المجرمين الذين يعتدون ويعتزون بأنفسهم إلى حد الإجرام. وهذه شواهد متطرفة لهذه الظاهرة النفسية وجاذبية الاعتداد بالنفس تختلف باختلاف الكاتب وباختلاف نفوس القراء المتأثرين بها. وهذه الجاذبية كالمعدن السائل الذي يسيل بمقادير متفاوتة مع ماء الينابيع التي لا تتفاوت في مقادير مياهها السائلة؛ فالشعراء والأدباء لا يختلف مقدار نتاجهم مع اختلاف فيض ينبوع معدن الجاذبية في قولهم، وعلى قدر ما في قولهم من جاذبية وبيان الاعتداد بالنفس يكون قدر تأثر القراء بهم فإذا قرأ قارئ قول المتنبي:
تلمس تلك النفس واكتسب شيئًا من إحساسها بالنفاسة والقدرة على الاعتزاز بنفاستها وأحس ما رأته النفس الموصوفة في حياتها من صفح وإهوان؛ وهو قد يكتسب كل هذا الشعور أثناء قراءته قول الشاعر من غير فطنة له، فهو في رحلة نفسية، إما مسالك العقل الظاهر وإما في مجاهل العقل الباطن. وكذلك إذا قرأ قول المتنبي:
سافر سفرة في عالم التجارب النفسية وبين الأحياء ولو لم يكن على صفات الشاعر النفسية ويلتذ التجارب الخلقية بالتذاذ ما يعبر عنها من البيان. وكذلك إذا قرأ قول المتنبي:
أحس أن حكمة الشاعر في التمييز بين عقل العجز والجبن وبين عقل الفطنة المقرونة بالشجاعة والطموح ليست حكمة الشعر التعليمي أو الوعظي، وإنما هي حكمة الخبرة والتجارب والفطنة المقرونة بالطموح إلى الآمال السامية، وهو ذلك الطموح الذي كان من مظاهر الاعتداد بالنفس عند المتنبي، وهذا ما يلمسه القارئ في باقي حكمة المتنبي فيسلم نفسه للشاعر يتصرف بها أثناء قراءة شعره حسب بيان خبرته وحكمته وآماله وآلامه، وإذا قرأ قول المتنبي:
الحلقة الثانيةالعدد ٢٩١
إذا قرأ القارئ قول المتنبي:
أحس بما تدعو الحياة إليه من تقيد النفس بقيود التجانس حتى ولو كان فيها قهر أنبل عواطفها ونوازعها، وأحس بالمعركة التي تدور في النفس بين نزعاتها من رضاء وإباءٍ وتسليم وثورة، والتذ مشاركته الشاعر في تلك المعركة النفسية حتى ولو كانت المشاركة بالعقل الباطن والقراءة بالعقل الظاهر. وهو يحس هذا الإحساس إذا قرأ قوله:
وهو أيضًا يضع نفسه موضع نفس الشاعر في تلك الرحلة النفسية التي يلتذها بالقراءة إذا قرأ قوله:
ويزداد اعتداد المتنبي بنفسه، فلا يزداد القارئ إلا لذة ببيانه عندما يقرأ قوله:
وكذلك عندما يقرأ قوله:
والبيت الأول يدل على تفكير طويل في أنواع جهل النفوس بالنفوس، وهو موضوع عميق كعمق الحياة، ومجاهل أعماق النفس والحياة كمجاهل أعماق المحيط. وكذلك إذا قرأ أبيات المتنبي التي يخاطب بها أسد الفراديس ويدعوها فيها إلى محالفته، سار القارئ في رحلة نفسية خيالية في عالم البيان الشعري، حيث يود الشاعر أن يؤلف الوحش وأن تألفه، كما حدثوا عن الشنفري الشاعر. وإذا قرأ القارئ قول المتنبي:
كان قد بلغ من تلك الرحلة النفسية قفرًا موحشًا تختلط فيه الحقيقة بالخيال في نفس بلغت من النفرة من الناس والشك فيهم مبلغًا يجعلها تشك في الجماد، وتخاله موغر الصدر كالناس، وهذه حالة حقيقية في النفس، وإن اختلطت فيها الحقيقة بالخيال، وهي من الحالات النفسية التي يجيد المتنبي وصفها كما قال:
ويتبع القارئ الشاعر في رحلة التجارب النفسية حيث يقول:
والبيت الأخير يعبر عن سر التعلق بالحياة؛ فليس سر التعلق بها لسعادتها وكمال مسراتها، بل قد يتعلق بها أشد التعلق من قلت مسراته فيها، وإنما يكون الحرص عليها كلما وجد المرء سبيلًا لنشدان المطالب والمآرب حتى ولو لم يسعد بها. فالحرص على الحياة موجود ما دام المرء ينتشي فيها بالسعي والطلب، وإن لم يُؤَدِّ السعي إلى فوز وسعادة. ويستمر القارئ متابعًا للمتنبي في رحلته النفسية في عالم التجارب وآلامها كما في القصيدة التي يقول في مطلعها: (كفى بك داءً أن ترى الموت شافيًا). ويعاود وصفها في القصيدة التي مطلعها: (أود من الأيام ما لا توده) وفي القصيدة التي مطلعها: (فراق ومن فارقت غير مذمم) والتي يقول فيها:
ويعاود وصف آلامه وآماله وخيبته وتجاربه في قصيدة: (بما التعلل لا أهل ولا وطن). وفي قصيدة: (أغالب فيك الشوق والشوق أغلب). وفي قصيدة: (صحب الناس قبلنا ذا الزمانا). وهو يحس فيها بضآلة مطالب الحياة بالرغم من إقبال نفسه عليها فيقول:
وتراه يصف كيف أن نفسه قد تُقهرُ على التخلق بصفات الحياة من مداهنة وشك، فيقول:
إلى أن يقول:
ويعود إلى وصف ما علمته الحياة من سوء الظن فيقول:
ثم هو بالرغم من شكواه يعرف أن للمعالي التي ينشدها ثمنًا لا بد أن يؤديه فيقول:
ويعلم أنه من العبث أن يُعَنِّي المرء نفسه وأن تُعَنِّيه إذا لم تدرك ما تَمَنَّتْ فيسلى نفسه ويسلي القارئ معه بقوله:
ويعلم أن الظلم في النفوس صفة عامة إذا خفيت فإنما تخفى لسبب فيقول:
وهذه الحكم العديدة وأمثالها في شعر المتنبي ليست من الشعر التعليمي أو الوعظي الذي يصنعه المرء وهو ناعم البال قرير العين بارد العاطفة وهو جالس إلى مكتبه يتأمل فيما تصف به الكتب والدفاتر أوجه الحياة وأخلاق النفوس فيها، ولكنه تأمل المختبر المجرب، فهو شعر التأمل الذي تغري به العاطفة لا شعر التأمل الذي يغري به العقل في دعته أو مباذله أو عند مباهاته بالعلم ومفاخرته بالعرفان، فهو شعر حكمة يُبصِّرُ الشاعر فيها نفسه ويذكِّرها كي تتحمل الحياة بمعرفتها الحياة، وتتحمل الناس بمعرفتها أخلاق الناس. ومن كان شديد الاعتداد بالنفس والاعتزاز بها كالمتنبي كان في حاجة إلى هذه التبصرة والتذكرة بسبب ما يجشم الشاعر نفسه من معاناة الحياة والناس معاناة فوق معاناة القنوع التي لابد منها. فهذا الاعتداد بالنفس بما يفيض به من حنكة وخبرة وأنغام وبيان وآلام وآمال، هو سر نبوغ المتنبي وسر شهرته وتعلق الناس بشعره كما ذكرنا، وهو سر قوة شعره. وهذه القوة هي فيض يغمر كل باب من أبواب شعره من مدح أو وصف أو عتاب أو رثاء. ومن أجل ذلك تبدو حكمة الحنكة في شعره مختلطة بالمدح أو العتاب أو الوصف أو الذم، ففي قصيدته التي يصف فيها الأسد ويقول:
ويستجمع كل معاني الوصف الرائعة، إذ تراه يورد الحكمة كما في قوله:
وفي قصيدة أخرى بينما هو يمدح الممدوح إذ تراه يقول:
وفي قصيدة أخرى يقول:
وفي قصيدة أخرى من قصائد المدح يقول:
فأصبح منتهى ما يطمع فيه الطامع في خير الناس أن يحصل على خيرهم السلبي، أي امتناعهم عن الشر كأنما الامتناع عن العمل عمل يشكرون عليه. وكذلك يورد الحكمة في قصائد المدح الأخرى مثل قصيدة (لكل امرئٍ من دهره ما تعودا) التي يقول فيها:
وكذلك يصنع في قصيدة (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) وقصيدة (الرأي قبل شجاعة الشجعان). فقيمة مدحه ليست في المغالاة المرذولة كما في بعض قوله وإن اشتهر بها، ولكن قيمته فيما يخالطه من حنكة وخبرة إما بالأخلاق والحياة عامة، وإما بالصفات المرغوب فيها التي يود كل ممدوح أن تنسب إليه. وكذلك يورد الحكمة في قصائد الاستعطاف أو التوفيق أو العتاب كقصيدة (إن يكن صبر ذي الرزيئة فضلًا) وقصيدة (حسم الصلح ما اشتهته الأعادي) وقصيدة العتاب الرائعة الفخمة التي يعنف فيها في عتاب سيف الدولة تارة وتارة يبلغ غاية الرقة كما في قوله فيها:
ويورد الحكمة أيضًا في قصيدة (بغيرك راعيًا عبث الذئاب)
فيمدح ويستعطف ويورد الحكمة، وفيها يقول:
ويورد الحكمة أيضًا في قصائد الرثاء والتعزية وله فيها قصائد شائعة مثل رثائه لعمة عضد الدولة ورثائه سيف الدولة وأخته ومملوكه يماك ورثاء المتنبي لجدته ورثائه لأبي شجاع فاتك، وفي رثاء عمه عضد الدولة يقول:
وفي رثاء أم سيف الدولة يقول:
وفي رثاء مملوك سيف الدولة يقول:
وفي رثاء جدته الرائع يصف ما لاقاه في سبيل تجشيم نفسه عظام المساعي فتزداد لذة القارئ في قراءته. والمتنبي إذا أراد الوصف أجاد كما في وصف الأسد وكما في وصف شِعب بوان ونباتة الذي يقول فيه وهو من أبدع الوصف:
ويصف الخيل كما في قوله (وما الخيل إلا كالصديق قليلة. الخ) ويصف الحروب. وليس إقلاله من وصف مظاهر الكون والطبيعة من عجز، بل لأن بصر بصيرته كان موجهًا إلى دخائل نفسه ونفوس الناس وأخلاقهم في الحياة أكثر مما كان موجهًا إلى مظاهر المرئيات وله في الغزل بالرغم من ذلك أشياء تستجاد وتستحب مثل قوله:
وقوله:
فسحر شعر المتنبي هو سحر جاذبية الشخصية المعتدة بنفسها وسحر ما تختبره من الحياة.
ولا نعني بسحر الاعتداد بالنفس أن الناس لا يقاومونه. هم يقومونه بكل وسيلة في أول الأمر، وبعضهم يظل يقاومه حتى مع التأثر به. بل إن بعضهم تدل شدة مقاومتهم له على شدة التأثر به. ففي بعض سجايا النفوس قد يظهر التأثر بالإنسان، أو بالشيء بمظهر المقاومة. ولعل أظهر هذه الظاهرة في العلاقات الزوجية، ولكنها موجودة في جميع علاقات الناس بعضهم ببعض، وقد لا تكون المقاومة دليلًا على التأثر. بل قد تكون دليلًا على قلة التأثر أو انتفائه. ولعل الظاهرة أساسها واحد في الحالتين، وأساسها هو: دفاع كل نفس في الحياة عن كيانها ومميزاتها وخصائصها؛ وكلما كان تأثرها بخصائص غيرها وكيانه أعظم، كانت المقاومة ألزم في بعض الحالات وفي بعض النفوس، إما صيانة للبقية من استقلالها، وإما لكي تعذر نفسها لدى نفسها في استسلامها لسحر الاعتداد بالنفس سرًا بمقاومة جهرًا فترتاح إلى هذا العذر وتحسب أنها قد صانت به كرامة استقلالها. ولكن إذا كان الاعتداد بالنفس عظيمًا، وكان مقرونًا بقوة العبقرية أو البيان والفصاحة أو الخلابة أو العصبية المناصرة له تمكن على الزمن من تحويل الشيء الكثير من المقاومة إلى إعجاب، كالإعجاب الذي ناله من النفوس التي ناصرته من أول الأمر بسبب لذتها في الاستسلام أو لذتها في رؤية اعتدادها بنفسها مقدسًا في شخص عظيم. وتغلب الاعتداد بالنفس على المقاومة يكون شبيهًا بتغلب النعاس على اليقظة. وقد لاقى المتنبي أشد المقاومة، ولكن شدة اعتداده بنفسه تمكنت من تحويل المقاومة على مر الزمن إلى إعجاب كثير
لقد كنا في عهد الصغر إذا قرأنا للمتنبي قوله:
تخيلناه مخلوقًا من مخلوقات الخيال في القصص الخرافية. وفخره العريض في هذا البيت وفي أمثاله كان من خواطر العظمة التي رآها لنفسه، ولكنا لم نشأ أن نعد كل أقواله في القتال وإراقة الدماء من قبيل خواطر السوء التي تمر بخاطر كل إنسان، لأن الرجل كان محاربًا فعَّالًا كما كان متخيلًا قوَّالًا. وإذا صدقت قصة مقتله التي قيل فيها إنه فر طالبًا النجاة ممن أغاروا عليه حتى ذكرَهُ مذكرٌ بقوله:
وذكره بأن من يقول هذا القول لا بد أن يكون فعله كقوله، فعاد للقتال حتى قُتلَ
أقول إذا صدقت هذه القصة: كان الاعتداد بالنفس الذي قتل، هو الاعتداد بالنفس الذي خلدَ عظمته وزادها. وهو أيضًا كذلك وإن لم تصدق هذه القصة
عبد الرحمن شكري
المصدر
منقولٌ بحروفه من مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات، في أعدادها ٢٩٠، ٢٩١ (١٩٣٩م)، عن نسختها الرقمية في منصّة «تراث». وكاتبه توفي سنة ١٩٥٨م، فالنصّ في الملك العام.
تاريخ الوفاة: المعرفة: توفي في بورسعيد منتصف ديسمبر ١٩٥٨.