مجلة الرسالة · الأعداد ١٧٤، ١٧٥، ١٧٧ · ١٩٣٦م

الفصل في نبوة المتنبي من شعره

عبد المتعال الصعيديت ١٣٩١هـ

مقالة في ثلاث حلقات٢١ دقيقة قراءة

الحلقة الأولىالعدد ١٧٤

يعتمد الباحثون في نبوة المتنبي على تلك الأخبار المتناقضة في أمر نبوته، فيذهبون فيها مذهبين متناقضين: فريق يجزم بوقوع هذه الدعوى منه، وفريق يجزم بأنها من اختراع أعدائه؛ وكل فريق يتعصب للأخبار التي تؤيد مذهبه، ويجزم بصحتها كل الجزم، ويطعن في صحة الأخبار التي لا توافق مذهبه، وتؤيد مذهب الفريق الآخر، وقد ضاع الحق في ذلك بين التعصب للمتنبي والتعصب عليه، ولم تنهض فيه حجة واضحة تقطع بالحق من ذينك المذهبين، وتقضي على هذا الخلاف الذي لم ينته إلى الآن.

ولا خلاف بين الفريقين في إطلاق لقب المتنبي على أبي الطيب، وإنما الخلاف في أنه أطلق عليه لادعائه النبوة في حداثته، أو لقوله:

أنا تِرب الندى وربّ القوافيوسِمام العدى وغيظ الحسُودأنا في أمةٍ تداركها اللــه غريب كصالح في ثمودما مُقامي بأرض نخْلة إلاكمقام المسيح بين اليهود

هذا هو ما حكاه أبو الفتح عثمان بن جني عن أبي الطيب نفسه؛ وأما الأول فحكاه أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقي قال: قدم أبو الطيب المتنبي اللاذقية في سنة نيف وعشرين وثلثمائة وهو لا عذار به، وله وفرة إلى شحمتي أذنيه فأكرمته وعظمته لما رأيت من فصاحته وحسن سمته، فلما تمكن الأنس بيني وبينه وخلوت معه في المنزل اغتنامًا لمشاهدته، واقتباسًا من أدبه، قلت: والله إنك لشاب خطير تصلح لمنادمة ملك كبير، فقال: ويحك أتدري ما تقول؟ أنا نبي مرسل، فظننت أنه يهزل، ثم تذكرت أني لم أسمع منه كلمة هزل قط منذ عرفته فقلت له ما تقول؟ فقال أنا نبي مرسل، فقلت له: إلى من مرسل؟ فقال إلى هذه الأمة الضالة المضلة. قلت تفعل ماذا؟ قال: أملأ الدنيا عدلًا كما ملئت جورًا. قلت بماذا؟ قال: بإدرار الأرزاق، والثواب العاجل لمن أطاع وأتى، وضرب الرقاب لمن عصى وأبى. فقلت له: إن هذا أمر عظيم أخاف عليك منه، وعذلته على ذلك، فقال بديهة:

أبا عبد الإله مُعَاذ إنيخفيٌّ عنك في الهيجا مقاميذكرتَ جسيم مطَّلبي وأنيأخاطر فيه بالمُهج الجسامأمثلي تأخذ النكباتُ منهويجزع من ملاقاة الحمامولو برز الزمان إلي شخصًالخضَّب شعر مفرقه حُساموما بلغت مشيئتها اللياليولا سارتْ وفي يدها زماميإذا امتلأت عيون الخيل منفويل في التيقظ والمنام

ثم ذكر بعد هذا أنه لم يزل معه حتى قال له: أبسط يدك اشهد أنك رسول الله، قال: فبسط يده فبايعته بيعة الإقرار بنبوته، ثم قال:

أيَّ محلٍّ أرتقيأيَّ عظيم أتقيوكلُّ ما قد خلق اللــه وما لم يخلقمحتقر في همتيكشعرة في مفرقي

وقد يكون هذا الذي ذكره أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقي صحيحًا، ولم يكن المتنبي إذا صح أنه ادعى النبوة أول من ادعاها في الإسلام، فقد ادعاها قبله وبعده خلق كثير، وقد يكون هذا غير صحيح؛ وربما يؤيد هذا أن الأبيات الأولى رويت في ديوانه على أنه قالها وقد عزله معاذ في إقدامه في الحرب، وأن الأبيات الثانية لا تتفق مع دعواه النبوة، وكثير من الناس يتخذها دليلًا على إلحاده.

وقد يكون ما رواه ابن جني هو الصحيح، وله شواهد كثيرة في الأدب العربي، ومن هذا أن شاس بن نهار من شعراء الجاهلية لقب بالممزق لقوله:

فإن كنت مأكولًا فكن أنت آكلًاوإلا فأدركني ولما أُمزَّق

وأن محصن بن ثعلبة وهو شاعر جاهلي أيضًا لقب بالمثقب لقوله:

رددْن تحية وكنَنَّ أخرىوثقبن الوَصاوِصَ للعيون

وأن خداش بن بشر المجاشمي وهو شاعر إسلامي لقب بالبعيث لقوله:

تبعث نمي ما تبعثُ بعد مااستمر فؤادي واستمر عزيمي

ومن ذلك أن جران العود العبدي سمي بهذا لقوله:

خذا حذرًا يا جارتي فاننيرأيت جرانَ العود قد كاد يصلح

فخوفهما بسير قدَّ من صدر جمل مسن ومن ذلك أن المرقش الأكبر لقب بهذا لقوله:

الدار قفر والرسومُ كمارقَّش في ظهر الأديم قلم

واسم المرقش ربيعة بن سعد بن ملك

ومن ذلك أن مدرج الريح لقب بهذا لقوله:

ولها بأعلى الجزع رسمٌ دارسدرجت عليه الريح بعدك فاستوى

فإذا نظرنا إلى هذه الأخبار المتناقضة في ذاتها لم تشف غليلنا في هذه النبوة المزعومة؛ وليس أمامنا فيها إلا اللجوء إلى ما سموه علم الجرح والتعديل، وإني لا أثق كثيرًا بهذا العلم، لأنه مختلف أيضًا في أمر رواة الأخبار، ولأنه يعتمد على ظاهر أمرهم وهو لا يدل حقيقة عليهم.

فلا بد من اللجوء إلى أمر آخر يشفي غليلنا في أمر هذه النبوة، وذلك الأمر هو الشعر الذي قيل في العهد الذي يقال إن المتنبي ادعى فيه هذه الدعوى، وسنبدأ بهذا في المقال الآتي

الحلقة الثانيةالعدد ١٧٥

وتوجد قصيدتان تنسبان إلى المتنبي في هذا العهد، إحداهما قالها وهو بأرض نخلة، وهي ديار بني كلب الذين يقال إنه تنبأ فيهم وهي هذه القصيدة:

كم قتيلٍ كما قُتِلْتُ شهيدِببياضِ الطُّلي ووَرد الخدودِوعيونِ المهَا ولا كعيونٍفتكتْ بالُمتَيَّم المعموددَرَّ دَرُّ الصِّبا أأيامَ تجْرِيرِ ذيولي بدار أثلة عوديعمْرَكَ الله هل رأيتَ بدوراطلعتْ في براقع وعقودرامياتٍ بأسهم رِيشُها الهُدْــبُ تشق القلوبَ قبل الجلوديَترَشَّفْنَ من فَمي رشفاتــهُنَّ فيه أحلى من التوحيدكلُّ خَمصَانَةٍ أَرَقَّ من الخمــر بقلبٍ أقسى من الجلمودذَات فرعٍ كأنما ضرب العنــبر فيه بماء ورد وعودحالكٍ كالْغُدَافِ جَثْلٍ دَجُوِجــىٍ أَثِيثٍ جَعْدٍ بلا تجعيدتحمل المسْكَ عن غدائرها الرِّــيحُ وَتفْترُّ عن شتِيتٍ برودجمعتْ بين جسم أَحمدَ والسُّقْــم وبين الجفون والتسهيدهذه مهجتي لديك لَحِيْنىفانقصى من عذابها أو فزيديأهل ما بي من الضنا بطلٌ صيــد بتصفيف طُرَّةٍ وبجيدكلُّ شيء من الدماء حرامشربُه ما خلا دم العنقودفاسقنيها فدًى لعينيك نفسيمن غزال وطارفى وتليديشيبُ رأسي وذلتي ونحوليودموعي على هواك شهوديأيّ يوم سررتني بوصالٍلم تَرْعُني ثلاثةً بصدودما مُقامي بأرض نخلةَ إلاكمُقام المسيح بين اليهودمفرشي صهوة الحصان ولكــن قميصي مسرودة من حديدلأمةٌ فاضةٌ أضاةٌ دِلاصٌأحكمت نسجها يدا داودأين فضلي إذا قنعتُ من الدهــر بعيش مُعجَّل التنكيدضاق صدري وطال في طلب الرِّزق قيامي وقلَّ

عنه قعودي

أبدًا أقطع البلاد ونجميفي نحوس وهمتي في سعُودفلعلي مؤمِّلُ بعض ما أبــلغ باللُّطف من عزيز حميدلِسريٍ ّلباسُهُ خشنُ القطــن ومرُويُّ مرْ وَليس القرودعش عزيزا أو مت وأنت كريمٌبين طعن القنا وخفق البنودفرؤوسُ الرِّماح أذهبُ للغيــظ وأشفى لغلِّ صدر الحقودلاكما قد حييتَ غير حميدوإذا متَّ متَّ غير فقيدفاطلب العِزَّ في لظىً وذر الذُّــلَّ ولو كان في جنان الخلوديقتلُ العاجز الجبان وقد يعــجز عن قطع بخنق المولودويُوَقى الفتى المخسُّ وقد خوَّــض في ماء لبَّة الصنديدلا بقومي شرفت بل شرفوا بيوبنفسي فخرتُ لا بجدوديوبهم فخر كل من نطق الضاد وعوذُ الجاني وغوث الطريدإن أكن معجبًا فعُجبُ عجيبلم يجد فوق نفسه من مزيدأنا تربُ الندى وربّ القوافيوسمامُ العدى وغيظ الحسودأنا في أمة تداركها اللــه غريبٌ كصالح في ثمود

ويجب قبل أن ننظر في هذه القصيدة من جهة اتفاقها مع دعوى النبوة التي تنسب إلى المتنبي، أن ننبه إلى أن النبوة لا تتفق مع صناعة الشعر، لأن الشعر العربي إلى ذلك الوقت كان صناعة أوزان وكلام، ووظيفة النبوة أسمى من أن تتقي بقيود الشعر، أو تعني عنايته بزخرف اللفظ، أو تعتمد اعتماد على الخيال، وقد أشار إلى هذا قوله تعالى في سورة يس: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين -) كما يشير إلى ذلك وإلى بعد النبوة مما كان يلابس الشعر من اللهو والعبث قوله ﷺ: لما نشأت بغضت إلى الأوثان، وبغض إلى الشعر، ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني الله برسالته. قلت ليلة لغلام كان يرعى معه لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفًا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست لذلك فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، ولم أقض شيئًا. عراني مرة أخرى مثل ذلك.

وهذا كله لم يكن المتنبي ليجهله، وما كان له أن يقدم على دعوى النبوة معه. ولعل الذين نسبوا إليه هذه الدعوى قد شعروا شيء من هذا حينما جعلوا له قرأنا يعارض به القرآن الكريم، لأنهم رأوا أن الشعر وحده لا يصح أن يستقل بأمر النبوة، أو لا يلتئم معها. ومن ذلك الذي نسبوه إليه وذكروا أنه زعم أنه قرآن أنزل عليه: والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار، امض على سنتك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فان الله قامع بك زيغ من ألحد في الدين، وضل عن السبيل.

وكم يكون الشعر أبعد من وظيفة النبوة إذا كان صاحبه يتكسب به كصاحبنا المتنبي، فإنه نشأ شاعرًا مداحًا يتكسب بشعره، ويسأل به، ومن هذا قصيدته في مدح محمد بن عبيد الله العلوي، ومطلعها:

أهلًا بدارٍ سباك أغيدُهاأبعدُ ما بان عنكَ خردَّها

وقد ذكر فيها أن ناقته حملته إلى هذا الممدوح:

إلى فَتَى يُصدر الرماحَ وقدأنهلها في القلوب مُوردُهاله أَياد إليَّ سالفةٌأعُدُ منها ولا أُعَدِّدُها

ثم طفق يمدحه إلى أن قال:

وكم وكم نعمة مُجَلَّلةٍربيتها كان منك مولدُهاوكم وكم حاجةٍ سمحت بهاأقرب مني إليّ موعدُهاومكرمات مشت على قدم الــبر إلى منزلي تَردُّدُهاأقرّ جلدي بها عليّ فلاأقدرُ حتى الممات أجحدُهافعد بها لا عدمتُها أبدًاخيرِ صلات الكريم أعودُها

وقد عذله أبو سعيد المجيمري في ذلك العهد على تركه لقاء الملوك وامتداحهم، فقال له:

أبا سعيدٍ جَنِّب العتابافرُبَّ رأى أخطأ الصوابافانهم قد أكثروا الحجَّاباواستوقفوا لردَّنا البواباوإن حَدَّ الصارِم القرضاباوالذّابلات السُّمر والعرابا

ترَفعُ فيما بيننا الحجابا

ولاشك أن طبقة الشعراء المتكسبين أدنى طبقات الشعراء نفوسًا، وأبعدها عن الصلاح والتقوى، وهي طائفة تتخذ الشعر وسيلة لجمع المال، ولا يهمها في دنياه غيره، ولا تطمح نفوسها إلى وظيفة كوظيفة النبوة تكليفًا من الكمال الروحي ما ليس في طبيعتها.

وإن هذه الحادثة لتدل على مقدار ما بلغ إليه المتنبي في ذلك قال: أذكر وقد وردت في صباي من الكوفة إلى بغداد، فأخذت بجانب منديلي خمسة دراهم، وخرجت أمشي في أسواق بغداد، فمررت بصاحب دكان يبيع الفاكهة فاستحسنتها ونويت أن أشتريها بالدراهم التي معي، فتقدمت إليه وقلت: بكم تبيع هذه الخمسة بطاطيخ! فقال بغير اكتراث: أذهب فليس هذا من أكلك، فتماسكت معه وقلت: يا هذا دع ما يغيظ واقصد الثمن، فقال ثمنها عشرة دراهم، فلشدة ما جبهني ما استطعت أن أخاطبه في المساومة، فوقفت حائرًا، ودفعت له خمسة دراهم فلم يقبل، وإذا بشيخ من التجار قد خرج من الخان ذاهبا إلى داره، فوثب إليه صاحب البطيخ من الدكان ودعا إليه وقال: يا مولاي بطيخ باكور، بإجازتك أحمله إلى البيت فقال الشيخ: ويحك بكم هذا؟ قال بخمسة دراهم، قال بل بدرهمين، فباعة الخمسة بدرهمين وحمله إلى داره، وعاد إلى دكانه مسرورًا بما فعل، فقلت له: يا هذا ما رأيت أعجب من جهلك! استمت على في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنت أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم فبعته بدرهمين محمولًا! فقال: أسكت. هذا يملك مائة ألف دينار، قال المتنبي: فعلمت أن الناس لا يكرمون أحدا إكرامهم من يعتقدون أنه يملك مائة ألف دينار، وأنا لا أزال على ما تراه حتى أسمع الناس يقولوا إن أبا الطيب قد ملك مائة ألف دينار.

الحلقة الثالثةالعدد ١٧٧

ولنعد إلى النظر في قصيدة المتنبي:

كم قَتيلٍ كما قُتِلْتُ شهيدِبياضِ الطُّلى وورْد الخدود

فقد ابتدأها المتنبي بالنسيب على عادة الشعراء، وتدله في ذلك النسيب كل التدله، وقتل نفسه فيه من فرط الصبابة والوجد، ثم ذكر أيام الصبا والجهل وحنَّ إليها، وتفنن في وصف الحسان اللاتي نسب بهن أيما تفنن.

ولم يكفه ذلك التدله في النسيب، والتفنن في وصف النساء، بل عمد إلى الخمر ينسب بها أيضًا، ويتدله فيها بأكثر مما تدله في نسيبه.

ولا شك أن هذا الأسلوب في النسيب ووصف الخمر، لا يتفق مع ذلك الأسلوب الذي ينسب إليه في دعوى النبوة، ولا يمكن أن يحصل هذا وذاك من شخص واحد، لاختلاف نزعتهما، وتباين المشارب فيهما، واتجاه كل منهما إلى غاية تخالف الأخرى، فهو فيما ينسب إليه في دعوى النبوة رجل جد وصلاح، مبعوث إلى هذه الأمة الضالة المضلة، ويريد أن يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا؛ وهو في قرآنه يدعو إلى الأيمان ويحارب الإلحاد، ولكنه في شعره هازل خليع، يدعو إلى الفسق والفجور، وينغمس في حمأة الضلال، ويبلغ من أمره أن يستهتر بالأيمان والتوحيد إلى هذا الحد قي قوله:

يترشفن من فَمي رَشَفاتٍــهُنَّ فيه أحلى من التوحيد

وهذا البيت يذكر فيما يؤخذ على المتنبي من الإلحاد في الدين فكيف يتفق أن يأتي في شعره وهو في عهد يدعو فيه إلى التوحيد ويحارب الإلحاد ويزعم فيه أنه نبي مرسل؟

ثم يبلغ أيضًا من أمره عندما أخذ في وصف الخمر أن يقول فيها هذا القول:

كلُّ شيء من الدماءِ حرامٌشُرْبهُ ما خلا دم العنقود

فأي نبي هذا الذي يحلل الحرام ويحرم الحلال؟ وأي ضلال يحاربه وهو يدعو إلى هذا الضلال؟

وقد جاء البيت الأول في بعض الروايات:

يترشَّفن من فَمي رَشفاتٍهُن فيه حلاوةُ التوحيد

وهو في هذه الرواية أخف في الاستهتار من روايته الأولى وهي الرواية المشهورة.

فلما جاوز في قصيدته هذا كله، ووصل إلى مقصوده من الفخر بنفسه وشكوى حاله، وحمل نفسه على تحمل الصعاب في سبيل آماله، كانت آماله أشياء أخرى دنيوية، ولم تكن هي الآمال التي تنسب إليه في دعوى النبوة؛ فليس لهذه الآمال ذكر هنا، ولا تشتم لها فيه رائحة، وإنما هو هنا رجل يسعى في اكتساب المجد، ويكد في طلب الغنى والمال، ويشكو من إخفاقه في هذا الطلب مع كثرة سعيه فيه:

ضاق صدري وطال في طلب الرَّزْــقِ قيامي وقَلَّ عنه قعوديأبدًا أقطع البلاد ونجميفي نحوس وهمتي في سُعُود

وهو أبدًا مولع بذلك الاستهتار حتى في مقام الجد، فإذا أمر بطلب العز لا يفوته أن يقول إنه خير من الذل ولو كان في جنة الخلد، وأن يفضله ولو كان في لظى على الذل.

فاطلب العزَّ في لَظى وذَر الذلَّ ولو كانَ في جنان الخلود

فمثل هذا لا يصح أن يكون من شخص يدعي النبوة، ويدعو الناس إلى العمل الذي يوصلهم إلى نعيم الله في الجنة. ولا فرق بينه في هذا وبين ذلك الشاعر الجاهلي الذي سبقه إلى ذلك المعنى، وكان له من جاهليته ما يهون من أمره فيه، وهو ذلك الشاعر الذي يقول:

حكم سيوفك في رقاب العذلوإذا بليتَ بدار ذلٍّ فارحلدار النعيم بذلةٍ كجهَنمٍوجهنم بالعز أَكرم منزلِ

وكذلك هذا الفخر لا يليق ممن يدعي النبوة:

إن أكن معجبًا فَعُجبُ عجيبلم يجد فوق نفسه من مزيدأنا ترْب النَّدى ورَبُّ القوافيوسمامُ العدى وغيظ الحسود

وهكذا نخرج من دراسة هذه القصيدة بيقين لا شك فيه، أنها لا تتفق مع تلك النبوة المزعومة للمتنبي، فأما أن تكون هذه القصيدة مختلقة عليه، وأما أن تكون تلك النبوة مكذوبة. وإذا كانت هذه القصيدة للمتنبي باتفاق الفريقين المختلفين في أمر نبوته، فأن تلك النبوة تكون هي المكذوبة قطعًا.

وهذه قصيدة ثانية للمتنبي، قالها في ذلك العهد الذي ينسب إليه إدعاء النبوة:

ضيفٌ ألم برأسي غير محتشموالسيفُ أحسن فعلًا منه باللممابعِدْ بعدت بياضًا لا بياض لهلأنت أسودُ في عيني من الظلمبحبِّ قاتلي والشيبِ تغذيتيهواي طفلًا وشيبي بالغ الحلمفما أمرُّ برسم لا أسائلهولا بذات خمار لا تُريق دميتنفَّست عن وفاءٍ غير منصدعيوم الرَحيل وشعب غير ملتئمقبلتها ودموعي مزجُ أدمعهاوقبلتني على خوف فمًا لِفمِفذقت ماء حياةٍ من مُقبَّلِهالو صاب تربًا لأحيا سالف الأممترنو إليَّ بعين الظبي مُجهِشةًوتمسح الطَّلَّ فوق الورد بالعنمرُويدَ حكمك فينا غير منصفةٍبالناس كلَّهم أفديك من حكمأبديتِ مثل الذي أديتُ من جزعٍولم تجني الذي أجننتُ من ألمإذن لبزَّكِ ثوبَ أصغرهُوصرتِ مثلي في ثوبين من سقمليس التعلُّلُ بالآمال من أربيولا القناعةُ بالأقلال من شيميولا أظن بناتِ الدهر تتركنيحتى تسدُّ عليها طُرقها همميلم الليالي التي أخنت على جدَتيبرقة الحال واعذرني ولا تلمأرى أناسًا ومحصولي على غنموذكر جودٍ ومحصولي على الكلمورَبَّ مال فقيرًا من مُروَّتهلم يُثر منها كما أثرى من العدمسيصحب النصلُ مني مثل مضربهِوينجلي خبري عن صمَّة الصِّمملقد تصبرتُ حتى لاتَ مصطبرفالآن أقحم حتى لات مقتحملأتركنَّ وجوهَ الخيل ساهمةًوالحربُ أقومُ من ساق على قدموالطعنُ يحرقُها والزجر يقلقهاحتى كأنَّ بها ضربًا من اللممقد كلمَّتها العوالي فهي كالحةٌكأنما الصَّابُ معصوب على اللجمبكل مُنصلتٍ ما زالُ منتظريحتى أدلت له من دولة الخدمشيخ يرى الصلواتِ الخمس نافلةًويستحل دمَ الحجاج في الحرمتنسى البلادَ بروق الجوَّ بارقتيوتكتفي بالدم الجاري عن الدِّيمرِدِي حياضَ الرَّدى يا نفس واتركيحياض خوف الردى للشاء والنَّعمإن لم أذَرْكِ على الأرماح سائلةًفلا دعيت أبن أُمِّ المجد والكرمأيملك الملكَ والأسياف ظامئةٌوالطير جائعة لحم على وضممن لو رآني ماءً مات من ظمأٍولو مثُلْتُ له في النوم لم ينمميعادُ كلِّ رقيق الشفرتين غدًاومن عصا من ملوك العرب والعجمفإن أجابوا فما قصدي بها لهموإن تولَّوْا فما أرضى لها بهم

وقد افتتح المتنبي هذه القصيدة بذم الشيب الذي ظهر فيه قبل أوانه، فحل في رأسه ضيفًا ثقيلًا غير محتشم، وبدا بياضه في عينه أسود من الظلم، وقد اجتمع عليه بذلك أمران صارا له كالغذاء: حب مبكر في عهد الطفولة، وشيب مبكر في بلوغه الحلم. ولا شك أن من يتبرم بالشيب هذا التبرم لا تحدثه نفسه بادعاء النبوة وما يلزم لها من إظهار الصلاح والتقوى، والفرح بالشيب إذا أقبل، لأنه كما قال بعض الحكماء: زهرة الحنكة، وثمرة الهدى، ومقدمة العفة، ولباس التقوى. وأين قول المتنبي في هذا من قول دعبل بن علي

أهلًا وسهلًا بالمشيب فأنهسمة العفيف وحلية المتحرّجضيف ألمَّ بمفرقي فقربتهرفض الغواية واقتصاد المنهج

فمثل هذا هو الذي كان يقوله المتنبي في الشيب لو صح ما ينسب إليه في دعوى النبوة، وهو الذي يتفق مع الغاية التي تنسب إليه فيها.

ثم مضى المتنبي يتغزل على أسلوبه في قصيدته الأولى، يسأل كل رسم، ويجري في حب متنقل وراء كل ذات خمار، وهو حب شهوي كحب أبن أبي ربيعة وغيره من الشعراء الذين تستهويهم كل ذات جمال، ولا يعرفون في حبهم شيئًا من الوفاء، بل يتحدثون عن وفاء النساء لهن ولا يفون، كما تحدث المتنبي عن ذلك في قوله:

تنفست عن وفاء غير منصدعيوم الرحيل وشعب غير ملتئم

وقد يتفق لنبي أن يسمع هذا النوع من الغزل إذا كان بريئًا كما حصل للنبي ﷺ في سماعه قصيدة كعب بن زهير

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولمتيم إثرها لم يُفْد مكْبولوما سعاد غداة البين إذ رحلواإلا أغن غضيض الطرف مكحولهيفاء مقبلة عجزاء مدبرةلا يشتكي قصر منها ولا طولتجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمتكأنه منهل بالراح معلولإخالها خلة لو أنها صدقتموعودها أو لو أن الوعد مقبوللكنها خلة قد سيط من دمهافجع وولع وإخلاف وتبديل

ولكن فرقًا كبيرًا بين سماع هذا النوع من الغزل وإنشائه، ورب شيء يقبل من شخص ولا يقبل من شخص أعلى منه، ورب حسنات في ذلك تعد سيئات، ورب سيئات تعد حسنات. ولا شك أن مثل هذا الغزل لا حرج فيه على كعب ﵁، وقد سمعه النبي ﷺ على هذا الاعتبار، وإن لم يكن من شأنه هو أن ينشئه.

ثم اقتضب المتنبي نسيبه اقتضابا، وابتدأ مقصوده من قصيدته بقوله:

ليس التعلل بالآمال من أرَبيولا القناعة بالإقلال من شيمي

فإذا هو فيه طالب دنيا لا أكثر ولا أقل، وإذا به لا يرضى في ذلك بالقليل، وينفر من صفة القناعة التي حث عليها جميع الأنبياء قبله.

وهو في ذلك أيضًا ثائر على دهره الذي يفقر مثله على مروءته وشجاعته، ويغنى سواه على فقره من المروءة والشجاعة؛ ثائر على تلك الدول التي أقامها في عصره خدم العباسين الذين كانوا يجلبونهم أرقاء فيصبحون ملوكًا على الناس، فهو يقيم الدنيا ويقعدها من أجل تلك المهازل في نظره، ويرى نفسه أعلى شأنًا من هؤلاء الخدم، وأحق منهم بهذا الملك الذي استأثروا به لأنفسهم.

وهو هنا لا يتحدث عن عدل وجور كما يتحدث فيما ينسب في دعوى نبوته، بل يتعطش إلى الحرب والقتال كما يتعطش كل فارس جبار يعشق سفك الدماء ونشر الفساد في الأرض.

ولا يتحدث كذلك عن أيمان وكفر، بل يتحدث عن خدم أقاموا لهم ملكًا هو أحق به منهم لما امتاز به من المروءة والشجاعة عليهم.

ثم تراه لا يقلع في هذه القصيدة عن استهتاره، وأخذه فيما بدل على ضعف دينه، فيقول

بكل مُنصلتٍ ما زالُ مُنتظريحتى أدلت له من دولة الخدمشيخ يرى الصلوت الخمس نافلةويستحل دم الحجاج في الحرم

فالذي يقول هذا لا يمكن أن يأخذ وسيلته إلى الناس دعوى النبوة، لأنها تقتضي منه شيئًا آخر غير هذا الاستهتار، وتواضعًا في القول غير هذا التجبر، واقتصادًا في الحديث عن النفس غير هذا الإسراف في الفخر.

وسبيل هذه القصيدة بعد هذا سبيل القصيدة السابقة في القطع بكذب هذه الدعوى على المتنبي، لأنها تظهره في ذلك العهد بخلاف المظهر الذي يظهر به فيما ينسب إليه في دعوى النبوة وادعاء مثل هذه الدعوى من المتنبي في علمه وذكائه تقتضي منه الحيطة في أمره، وتوجب عليه ألا يظهر بين الناس بهذا المظهر في شعره، حتى يصدقه الناس في دعواه، ويلتئم حاله فيها التئامًا يخدعهم فيه. ويجب علينا بعد هذا أن نأخذ في هذا اللقب بما نقله أبن جني عن المتنبي نفسه، وقد ذكرنا فيما سبق، فلا نعيده هنا، ولكنا نذكر في ذلك مذهبًا للأستاذ (محمود شاكر) رأى أنه أقرب إلى الصدق، وأولى بالاعتبار، وهو أن المتنبي نبز هذا النبز من أجل أنه كان في أول أمره متورعًا في خلقه لا يخرج عن حدود الوقار، متزمتًا لا يلين إلى الشهوات ولا يلقى إليها مقاده مترفعًا عن سفساف الأخلاق متمسكًا بمعاليها، آخذًا نفسه بالجد الذي لا يفتر؛ وكان لا يقرب التهم ولا يدانيها، فما كذب ولا زنا ولا لاط، ولا أتى أمرًا منكرًا يؤخذ عليه، أو يُزَنُّ به. واستمر على ذلك حياته كلها، وخالف الأدباء والشعراء من أهل عصره فما شرب الخمر ولا حمل وزرها، ولولا اضطراره فيما نرى لما حضر مجلسها. وكان الأدباء والشعراء في ذلك الوقت أهل شراب ومعاقرة ولهو وهزل وباطل، فلما وجدوا ما هو فيه من التعفف والتورع، ووقعوا على كثرة دوران أسماء الأنبياء في شعره، وتشبيهه نفسه بهم، نبزوه هذا النبز، ولقبوه المتنبي يريدون المتشبه بالأنبياء.

ولا شك أن هذا غلو من الأستاذ في أمر المتنبي، وقد روى عن بعضهم أنه عاشره فما رآه كذب ولا زنا ولا لاط، ولكن هذا لا يكفي لأن يجعل منه الرجل الصالح الزاهد المتورع الذي يصفه الأستاذ محمود. على أن هذا الاشتقاق لا يدل على التشبه وإنما يدل على الادعاء، وقد جاء في القاموس (وتنبأ ادعى النبوة ومن المتنبئ أحمد بن الحسين) وإنما يقال في ذلك تأله، لأن التأله التنسك والتعبد، ولم يلصق هذا اللقب بالمتنبي إلا لأجل الكيد به، وإيهام أنه ادعى النبوة، ولهذا كان يكرهه المتنبي. ولو كان لهذه الأغراض المذكورة لفرح به وهش له، والخطب في هذا سهل بيني وبين صديقي الأستاذ محمود شاكر، بعد اتفاقنا على أن هذه النبوة مختلقة على المتنبي؛ وأني لا أحب أن أثير في هذا جدالًا بيني وبينه؛ ولعله يتغاضى عن هذا الخلاف القليل بيننا، ليكون ما ذكرناه هو القول الفصل في هذا الموضوع حقًا.

عبد المتعال الصعيدي

المصدر

منقولٌ بحروفه من مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات، في أعدادها ١٧٤، ١٧٥، ١٧٧ (١٩٣٦م)، عن نسختها الرقمية في منصّة «تراث». وكاتبه توفي سنة ١٣٩١هـ، فالنصّ في الملك العام.

العدد ١٧٤العدد ١٧٥العدد ١٧٧

تاريخ الوفاة: الباحث: وفاته ١٣٩١هـ.

من «الرسالة» أيضًا

↑