مجلة الرسالة · العدد ١٤٣ · ١٩٣٦م

صوت المتنبي

مهداة إلى الجامعة المصرية بمناسبة (أسبوع المتنبي) فيها

علي أحمد باكثيرت ١٩٦٩م

قصيدة٤ دقائق قراءة

من الملأ العُلْوي، من عالم الخلدأُهِلُّ عليكم بالتحيات والحمد!تقحّمت حُجب الغيب حتى أتيتكملأجزيكم عن بعض إحسانكم عنديقطعتُ حدودَ (الأين) في متطاولٍمِن اللوح يفنى البعدُ فيه من البعد!كأن الفضاء اللانهائي سائرٌعلى كُرَةٍ لا حد فيها سوى حديإذا ما ركضت السير في فلواتهتشابه ما قبلي عليَّ وما بعدي!إلى أن تجاوزت النجوم جواذبًاإليهنَّ عِطفي، غير أن لسن من قصدي!يناشدنني - والنُّور ثَمَّ لسانُها -لأُنشِدها شعري، وأُصفيها وديولو لم تكن (مصرٌ) و(جلَّقٌ) الهوىو(بغداد) لم أبخل عليها بما عنديمعانِ قضى فيها الشباب مآربيوسلَّت بها كُبرى العزائم إفرِ لديوأمليتُ في الدهر غرَّ قصائديفغنى بها الأجيالَ في السهل والنجدقطعت حدود (الأين) حتى أتيتكمفمن (لمتى) ما بيننا قام كالسَّدِّ؟أجل؛ ألف عام حال بيني وبينكمفلولا سبقتم، أو تأخر بي عهدي!سعدتُ بلقياكم وفزتم برؤيتيلو أن يد المقدار ألغته في العدّ!ألا فتزحزح يا زمان! لشاعريريد فلا تقوى الجبال على صديأغرك أنَّ الأرض قد شربت دمي؟وانَّ عيون الشُّهب قد شهدت لحدي؟رويدك! قد خلدتُ في الشعر محضَهُولم يبق منه للتراب سوى الدُّردي!فها هو في الأجيال ينساب صافياإلى ابنٍ. . إلى ابنٍ. . من أبيه. . من الجديزيد على الأيام كالخمر سورةًلو أنَّ حُميَّا الخمر تَهدى كما يَهديأنا الخالد الساري بأعصاب شَعبهوما شعبُه بالنَّزْر أو ضَرِعِ الخدّبني مصر! أنفاس الخلود عليكم!ونشرُ الخزامى والرياحين والورد!سبقتم إلى تكريم ذكراي غيركموقِدمًا سبقتم للمكارم والمجد!رأيت (بلاد الضاد) عقدًا منظماولكنَّ (مصرًا) فيه واسطةُ العقدقضيت لمصر بالأمامة بينهاوهل لقضاء شئته أنا من ردّ؟!ومَن غيركم أهدى إلى (الضاد) شاعرًا(كشوقي) ومنطيقًا كجباركم (سعد)؟أحبهما؛ لا بل أقدّس فيهمامشابه من عزمي وأصداَء من وجدي!أعدتم إلى (الفصحى) الحياة فزحزحتبأيدكمُ كابوس تُبَّتَ والصُّغْدِ!هي الضاد لن يذوي على الدهر عودهاوقد خصّها (الذكر) المقدَّس بالخُلد!ستبدأُ مِن حيث انتهت سائر الُّلغىخُطاها إلى حدّ يجل عن الحدّولا تعتبوها فهي بعدُ صغيرةٌولم يتنفّس صدرها بعدُ عن نَهد!على أنّها بالرغم من صُغْر سنهالناعسة الجفنين ميَّاسة القدّ!يكاد يصيح الحب بين شفاهها:(أنا الحب! ما أُخفيه فوق الذي أُبدي!)(تمنّ يلذ المستهام بمثلهوإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي)(وغيظ على الأيام كالنار في الحشاولكنه غيظ الأسير على القِدّ)فلو عشتُ في هذا الزمان وأهلهلغيّرتُ من نهجي وضاعفتُ من جُهدي!وكنت تنكبت الملوك ومدحهافليسوا بأكفائي وإن نالهم حمدي(وأتعس خلق الله من زاد همهوقصّر عما تشتهي النفس في الوُجْد)يقول أناس إنني قد هجوتكمفإما أرادوا الشّر أو جهلوا قصديولم أهجُ إلا حالةً غاظني بهاوقوف بني الأحرار بين يدَيْ عبدولستُ أُبالي مادحًا لي وهاجيافقد رويَتْ نفسي من الصِّيِت والمجدولي منهما ما لم يَنله مملَّكٌولا شاعر قبلي ولا شاعر بعديولكنني أصبحت رمزًا لمجدكميضمكم روضي ويجمعكم وِرْديفمن نالني بالسوء نالكُم بهلذاك، ويعوي ضدَكم مَنْ عوى ضديأبى الله إلا أنَّ مجديَ مجدُكموإنْ رغم الشاني، ومجدُكم مجدي!أبوكم أبي يوم التفاخر (يعرب)!وجدّكم (فرعون) أضحى بكم جدي!!تألّهَ، و(التاريخ) طفلٌ ومُلكهتَبَسُّمُ ذاك الطفل نُوغيَ في المهد!!تُكَلَّلُ بالريحان هاماتُ ضيفهوتُنضَحُ أَبهاء النِّدام بما وَرْدِوقد أعلنت فيها المجامر وَجْدهافصَّعدن أنفاسا من العود والنِدّتقوم عليهم في شفوف رقيقةجوارٍ كمثل اللؤلؤ النَثر والنّضْديطفن عليهم بابنة الكرم حُرةًوبالنُقْل بعد اللحم والزُبد والشَّهدفلا غرو في دعوى النبوة مثلُهوليس له فوق البسيطة من ند!ويعجبني الجبَّار! إذ هو قوّةيهيم بها قلبي وأَعبدها جُهدي!كذا فلتكن فتيان يعرب إنْ تُرِدحياةً لها ما بين أعدائها الُّلدِّ!حرام عليكم أن يقوموا وتقعدواوأن تهزلوا والقومُ ماضون في الجدكثيرٌ عليهم بعدُ أن تَقِفُوهُمبني اللؤم منكم موقف الند للندفكيف بأن يعلوا عليكم ويضربواعلى العُرب دون العزّ سدًّا على سدّ!رفعتم شباب النيل أمس لوآءها!فنفَّسْتمُ كربي وبرَّدتمُ وجديوثرتم على الحامي العتيد وصحتمُ:(نعيش كرامًا أو نغيّب في اللحد!)بنفسي دماءً أهرقت في جهادكمتحنُّ إلى أسلافها قبل في (أُحد!)جريرتها أن كُلِّفَتْ حملَ قيدهاوما خُلِقتْ إلا قضاءً على القيد!أضاء سناها (بالشآم) فروَّعتْعِداها ورّدتها إلى خُطّةٍ قَصْدأرى الحق في الدنيا يُرَدُّ لقاهرولم أره يومًا يرد لِمُستْجَدِ!(فإِن لم تُنلكم نَصْف قوم مودّةًأنال القنا. والخوف خير من الود)ولن تبلغ الأعداء من مصر مطمعًاوقد زأرت فيها اللبوءُ مع الأسْد!تناهت سلالات الجبابرة الأولىبنو هيكل الدنيا إلى هيكل فردتقوم عليه أمة عربّيةرسالتها هدى الشعوب إلى الرشدعلى كاهل الدنيا استقلت بموطنٍمن (المغرب الأقصى) إلى (الشطّ) ممتدإذا هتفت (مصر) بلحن جهادهاتعالى صداه في (العراق) وفي (نجد)وخفّ له في (حضرموت) مهلِّلٌوجلجل في آفاق (تونس) كالرعدرأيت (بلاد الضاد) عقدًا منظماولكنَّ (مصرًا) فيه واسطة العقدقضيت (لمصر) بالإمامة بينهاوما لقضاء شئته أنا من رد!

علي أحمد باكثير

المصدر

منقولٌ بحروفه من مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات، في عددها ١٤٣ (١٩٣٦م)، عن نسختها الرقمية في منصّة «تراث». وكاتبه توفي سنة ١٩٦٩م، فالنصّ في الملك العام.

العدد ١٤٣

تاريخ الوفاة: الوطن: توفي ١٠ نوفمبر ١٩٦٩.

من «الرسالة» أيضًا

↑