الديوان › قوافي القصائد › النون › [٣٣٢]
عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلِّ لِسَانِ◆ولَو كَانَ مِن أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ
المناسبة: وكانَ الأُستاذُ اصطَنَعَ شَبِيبَ بن جريرٍ العُقَيليَّ، ووَلَّاه عَمَّانَ والبَلْقَاءَ ومَا بينَهما مِنَ البَرِّ والجبالِ، فعَلَت منزلتُه، وزادَت رُتْبَتُه، واشتَدَّت شوكَتُه، وغَزا العَرَبَ في مَشَاتِيها بالسَّماوَةِ وغيرها، فاجتَمَعتِ العَرَبُ عليه، وكَثُرَت حَولَه، وطَمِعَ في الأسودِ، وأنِفَ مِن طاعَتِه، فسوَّلَت له نفسُه أخذَ دِمَشقَ والعِصيانَ بها، فسَارَ إلى دمشقَ في عشرة آلافِ، فقاتلُه سُلطَانُها وأهْلُها، واستَأمَنَ إليه جمهورُ الجُندِ الذين كانوا بها، وغُلِّقَت أبوابُها واستعصَموا بالحِجارة والنُّشَّابِ، فتَرَكَ بعضَ أصحابِه على الثَّلاثةِ الأبوابِ التي تَلي المُصَلَّى؛ ليشغَلَهم بهم، ودارَ هو حتَّى دخَلَ مِنَ (الحِمْيَريِّين) على القَنَواتِ، حتَّى انتهى إلى بابِ الجَابيَةِ، وحَالَ بينَ الوَالي وبينَ المدينة؛ ليَأخُذَها. وكانَ يقْدُمُ أصحابَه، فزَعموا أنَّ امرأةً دَلَّتْ على رأسِه صَخْرَةً. واخْتُلِفَ في قَتلِه، فقالَ قومٌ: وَقَعَت يَدُ فرسِه في قَنَاةٍ، وقَنَّعَها فَشَبَّتْ به ولم تَخْلُص يدُها، فسَقَطَ وكانَ مكسورَ الكَتِفِ والتُّرقُوَةِ بسَقْطَةٍ سقَطَها عن الفَرَسِ في المَيدانِ بعَمَّانَ قبلَ ذلكَ بقليلٍ، وسارَ إلى دمشقَ قبلَ تَمَامِ الانْجِبَار. وذُكِرَ أنَّه ثَارَ مِن سَقطتِه فمشى خُطُواتٍ، ثمَّ غُلِبَ فجَلَسَ وضَربَ بيده أَلِمًا إلى قائِم سيفِه، وجعَلَ يَذُبُّ حولَه، وكانَ شَرِبَ وقتَ رُكُوبِه سَويقا، فزَعَمَ قومٌ أنَّه طُرِحَ له فيه شيءٌ، فلمَّا سَارَ وحَمِيَ عليه الحديدُ وازدَحَمَ النَّاسُ حولَه عَمِلَ فيه، غيرَ أنَّه سَقَطَ ولم يَرَ أحدٌ شيئًا مِن السِّلاح ولا الحِجَارةِ أصابَه، وكَثُرَ تعَجُّبُ النَّاس مِن أمرِه، حتَّى قالَ قومٌ: كانَ يتَعَهَّدُه صَرَعٌ، فأصابَه في تلكَ السَّاعةِ. ولَم يَصِحَّ لأحدٍ كيفَ قُتِلَ، وانهَزَمَ أصحابُه؛ لمَّا رأوا ذلك، وخَالفوا المَوضِعَ الذي دخلوا مِنه، وأرادوا الخُروجَ منه معه فقُتِلَ منهم أربعُ مئةِ فارسٍ وبضعة عشر، وأُخِذَ رأسُه، ووَرَدَت الكتبُ إلى مِصرَ بخبره يومَ الجمعة؛ لخمسٍ خَلَونَ مِن جمادى الآخرة، سنةَ ثمانٍ وأربعين وثلاث مئة، وطَالَبَ الأسودُ أبا الطَّيِّب بذكره، فقالَ، وأنشدَها يومَ السَّبت لستٍ خَلَون منه، في ثالثِ الطويلِ، والقافيةُ متواترٌ:
اقرأها في الموقع مع الشروح وأدوات الحفظ
- ١عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلِّ لِسَانِولَو كَانَ مِن أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ
- ٢ولِله سِرٌّ فِي عُلَاكَ وإِنَّمَاكَلامُ العِدَى ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيَانِ
- ٣أَتَلْتَمِسُ الأَعْدَاءُ بَعْدَ الَّذِي رَأَتْقِيَامَ دَلِيلٍ أَو وُضُوحَ بَيَانِ
- ٤رَأَتْ كُلَّ مَنْ يَنْوِي لَكَ الغَدْرَ يُبْتَلَىبِغَدْرِ حَيَاةٍ أَو بِغَدْرِ زَمَانِ
- ٥بِرَغْمِ شَبِيبٍ فَارَقَ السَّيفُ كَفَّهُوكَانَا عَلَى العِلَّاتِ يَصْطَحِبَانِ
- ٦كَأَنَّ رِقَابَ النَّاسِ قَالَتْ لِسَيفِهِ:رَفِيقُكَ قَيسِيٌّ وأَنْتَ يَمَانِ
- ٧فَإنْ يَكُ إِنْسَانًا مَضَى لِسَبِيلِهِفَإِنَّ المَنَايَا غَايَةُ الحَيَوانِ
- ٨ومَا كَانَ إِلَّا النَّارَ فِي كُلِّ مَوضِعٍتُثِيرُ غُبَارًا فِي مَكَانِ دُخَانِ
- ٩فَنَالَ حَيَاةً يَشْتَهِيهَا عَدُوُّهُومَوتًا يُشَهِّي المَوتَ كُلَّ جَبَانِ
- ١٠نَفَى وقْعَ أَطْرَافِ الرِّمَاحِ بِرُمْحِهِولَمْ يَخْشَ وقْعَ النَّجْمِ والدَّبَرَانِ
- ١١ولَمْ يَدْرِ أَنَّ المَوتَ فَوقَ شَواتِهِمُعَارُ جَنَاحٍ مُحْسِنُ الطَّيَرَانِ
- ١٢وقَدْ قَتَلَ الأقْرَانَ حَتَّى قَتَلْنَهُبِأَضْعَفِ قِرْنٍ فِي أَذَلِّ مَكَانِ
- ١٣أَتَتْهُ المَنَايَا في طَرِيقٍ خَفِيَّةٍعَلَى كُلِّ سَمْعٍ حَولَهُ وعِيَانِ
- ١٤ولَو سَلَكَتْ طُرْقَ السِّلَاحِ لَرَدَّهَابِطُولِ يَمِينٍ واتِّسَاعِ جَنَانِ
- ١٥تَقَصَّدَهُ المِقْدَارُ بَينَ صِحَابِهِعَلَى ثِقَةٍ مِن دَهْرِهِ وأَمَانِ
- ١٦وهَلْ يَنْفَعُ الجَيشَ الكَثِيرَ التِفَافُهُعَلَى غَيرِ مَنْصُورٍ وغَيرِ مُعَانِ
- ١٧ودَى مَا جَنَى قَبْلَ المَبِيتِ بنَفْسِهِولَمْ يَدِهِ بِالجَامِلِ العَكَنَانِ
- ١٨أَتُمْسِكُ مَا أَولَيتَهُ يَدُ عَاقِلٍوتُمْسِكُ فِي كُفْرَانِهِ بِعِنَانِ
- ١٩ويَرْكَبُ مَا أَرْكَبْتَهُ مِن كَرَامَةٍويَرْكَبُ لِلعِصْيَانِ ظَهْرَ حِصَانِ
- ٢٠ثَنَى يَدَهُ الإِحْسَانُ حَتَّى كَأَنَّهَاوقَدْ قَبَضَتْ كَانَتْ بِغَيرِ بنَانِ
- ٢١وعِنْدَ مَنِ اليَومَ الوفَاءُ لِصَاحِبٍشَبِيبٌ وأَوفَى مَنْ تَرَى أَخَوانِ
- ٢٢قَضَى اللَّهُ يَا كَافُورُ أَنَّكَ أَوَّلٌولَيسَ بِقَاضٍ أَنْ يُرَى لَكَ ثَانِ
- ٢٣فَمَا لَكَ تَخْتَارُ القِسِيَّ وإِنَّمَاعَنِ السَّعْدِ يَرْمِي دُونَكَ الثَّقَلانِ
- ٢٤ومَا لَكَ تُعْنَى بِالأَسِنَّةِ والقَنَاوجَدُّكَ طَعَّانٌ بِغَيرِ سِنَانِ
- ٢٥ولِمْ تَحْمِلِ السَّيفَ الطَّوِيلَ نِجَادُهُوأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْهُ بِالحَدَثَانِ
- ٢٦أَرِدْ لِي جَمِيلًا جُدْتَ أَو لَمْ تَجُدْ بِهِفَإِنَّكَ مَا أَحْبَبْتَ فِيَّ أَتَانِي
- ٢٧لَوِ الفَلَكَُ الدَّوَّارَُ أَبْغَضْتَ سَعْيَهُلَعَوَّقَهُ شَيءٌ عَنِ الدَّورَانِ
تعليق أبي الطيب على أبياتها
البيت ١٢: حكى الشَّريفُ أبو إبراهيم؛ محمَّد بن أحمد العَلَوي، نضَّر اللَّه وجهَه: أنَّه كانَ بحضرةِ كافور، وأبو الطَّيِّب يُنْشِدُ هذه القصيدة، فقال أبو الطَّيِّب:(بأضْعَفِ قِرْنٍ في أذَلِّ مَكان)، فقالَ كافورُ، وهو يتكلَّم كلامَ الخَدَمِ: لا واللَّه، إلَّا بأشَدِّ قِرْنٍ في أعزِّ مكان.