الديوان › قوافي القصائد › العين › [١٦٠]

غَيرِي بِأكْثَرِ هذا النَّاسِ يَنْخَدِعُ◆إنْ قَاتَلُوا جَبُنُوا أو حَدَّثُوا شَجُعُوا

البسيط، القافية: شجعوا، هجاء، ٤٩ بيتًا، ص٣٦٩–٣٧٣

المناسبة: ومرَّ سيفُ الدَّولة في غَزَاةِ السَّنَبُوسِ بِسَمَنْدُو، وعَبَرَ آلِسَ؛ وهو نهرٌ عظيمٌ، ونَزَلَ على صَارِخَةَ وَخَرْشَنَةَ، فأحْرَقَ رَبْضَهُما وكَنَائسَهُما، وأَكْثَرَ القَتْلَ، وأقَامَ مَكانَه أيَّامًا، ثمَّ قَفَلَ غَانِمًا حتَّى عَبَرَ آلِسَ رَاجِعا، فلمَّا أمسَى تَرَكَ السّوَادَ وأكثَرَ الجيشِ، وسَارَ حتَّى جَازَ خَرْشَنَةَ، وبلَغَ إلى بَطْنِ اللُّقَانِ في غَدٍ ظُهرًا، فَلَقِيَ الدُّمُسْتُقَ به، وكانَ الدُّمُستُقُ في أُلُوفٍ مِن الخَيلِ، فلمَّا نَظَرَ إلى أوَائِلِ خَيلِ المٌسلمينَ ظَنَّها سَريَّةً، فَثَبَتَ لها وقاتَلَ أوَّلَ النَّاس حتَّى هَزَمَهم، وأشْرَفَ عليه سيفُ الدَّولةِ فانْهَزَمَ، وقُتِلَ مِن فُرسانِه خَلْقٌ كثيرٌ، وأُسِرَ مِن بَطَارِقَتِه وزَرَاوِرَتِهِ، ووُجوهِ رِجالِه نَيَّفٌ على ثَمَانينَ، وأفْلَتَ الدُّمُسْتُقُ؛ فلذلك قالَ أبو الطَّيِّبِ: ذَمَّ الدُّمُسْتُقُ عَينَيهِ وقَدْ طَلَعَتْ سُودُ الغَمَامِ فَظَنُّوا أنَّه قَزَعُ وعَادَ سيفُ الدَّولةِ إلى عَسْكَرِهِ، وقَفَلَ غَانِمًا، فلمَّا وَصَلَ إلى عَقَبَةٍ تُعْرَفُ بِمُقَطِّعَةِ الأَثْفَارِ صَافَّهُ العَدُوُّ على رأسِها، فأخَذَ سيفُ الدَّولَةِ سَاقَةَ النَّاسِ يَحْمِيهم، فلمَّا انحَدَرَ بعدَ عُبُورِ النَّاس رَكِبَه العدُّو، فجُرِحَ مِن الفُرسان جَمَاعَةٌ، وفي ذلك قالَ أبو الطَّيِّبِ: وفَارِسُ الخيلِ مَنْ خَفَّتْ فَوقَّرَهَا في الدَّرْبِ والدَّمُ في أعْطَافِهَا دُفَعُ وَنَزَلَ سيفُ الدَّولةِ على بَرَدَى؛ وهو نهرٌ عظيمٌ، وضَبَطَ العَدُوُّ عَقَبَةَ السَّيرِ؛ وهيَ عَقَبَةٌ صَعْبَةٌ طويلةٌ، فلم يقدِر على صُعُودِها؛ لضِيقِهَا وكثرَةِ العدُوِّ بها، فَعَدَلَ مُتَيَاسِرًا في طريقٍ وَصَفَهُ له بعضُ الأَدِلَّةِ، وأخَذَ سَاقَةَ النَّاس، وكانت الإبلُ كثيرةً مُثْقَلةً مُعْيِيَةً، واعْتَرَضَهُ العدُوُّ آخِرَ النَّهَارِ مِن خَلْفِهِ فَقَاتَله إلى العِشَاءِ، وأظلَمَ اللَّيلُ، وتَسَلَّلَ أصحابُ سيفِ الدَّولةِ يطلُبُونَ سَوَادَهم، فلمَّا خَفَّ عنهُ أصحابُه، وبقيَ وَحدَهُ في نَفَرٍ يسيرٍ، سارَ حتَّى لَحِقَ بالسَّوادِ تحتَ عَقَبَةٍ قريبةٍ مِن بُحَيرَةِ الحَدَثِ، فَوَقَفَ وقد أخَذَ العدوُّ الجَبَلَينِ مِن الجَانِبَينِ، وجَعَلَ سيفُ الدَّولةِ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ فَلَا يَنْفُرُ أحَدٌ، ومَن تَخَلَّصَ مِن العَقَبَةِ نهارًا لم يَرْجِع، ومَن بَقِيَ تحتَها لم تكُنْ لَه نُصْرَةٌ ولا فيهِ، وتخاذَلَ النَّاسُ، وكانُوا قد مَلُّوا السَّفَرَ، فأمرَ سيفُ الدَّولةِ بقتلِ البَطَارِقَةِ والزَّرَاوِرَةِ وكُلِّ مَن كانَ في السَّلاسِلِ، وكانَ فيها مِئاتٌ، وانصَرَفَ سيفُ الدَّولةِ، واجتازَ أبو الطَّيِّبِ آخرَ اللَّيلِ بجمَاعَةٍ مِن المُسلمينَ، بعضُهم نائمٌ بين القَتلَى؛ مِن التَّعَبِ، وبَعْضُهم يُحَرِّكُونَه فَيُجْهِزُونَ على مَن تَحَرَّكَ، فلذلكَ قالَ: وجَدتُمُوهُمْ نِيَامًا في دِمَائِكُمُ كَأنَّ قَتْلاكُمُ إيَّاهُمُ فَجَعُوا وَرَجَعَ سيفُ الدَّولةِ إلى حَلَبَ، فقالَ أبو الطَّيِّبِ، بعدَ القُفُولِ، يصِفُ الحَالَ، وأنشَدَها لسيفِ الدَّولةِ في جُمادَى الآخرَةِ سنةَ تِسْعٍ وثَلاثينَ وثلاثِ مئةٍ، في أوَّلِ البسيطِ، والقافيةُ متراكِبٌ:
اقرأها في الموقع مع الشروح وأدوات الحفظ
  1. ١غَيرِي بِأكْثَرِ هذا النَّاسِ يَنْخَدِعُإنْ قَاتَلُوا جَبُنُوا أو حَدَّثُوا شَجُعُوا
  2. ٢أهْلُ الحَفِيظَةِ إلَّا أنْ تُجَرِّبَهُموفي التَّجَارِبِ بَعْدَ الغَيِّ مَا يَزَعُ
  3. ٣ومَا الحَيَاةُ ونَفْسِي بَعْدَمَا عَلِمَتْأنَّ الحيَاةَ كَمَا لا تَشْتَهِي طَبَعُ
  4. ٤لَيسَ الجَمَالُ لِوجْهٍ صَحَّ مَارِنُهُأنْفُ العَزِيزِ بَقَطْعِ العِزِّ يُجْتَدَعُ
  5. ٥أَأطْرَحُ المَجْدَ عَن كِتْفِي وأطْلُبُهُوأتْرُكُ الغَيثَ في غِمْدِي وأنْتَجِعُ
  6. ٦والمَشْرَفِيَّةُ لا زَالَتْ مُشَرَّفَةًدَواءُ كُلِّ كَرِيمٍ أو هِيَ الوجَعُ
  7. ٧وفَارِسُ الخيلِ مَنْ خَفَّتْ فَوقَّرَهَافي الدَّرْبِ والدَّمُ في أعْطَافِهَا دُفَعُ
  8. ٨وأَوحَدَتْهُ ومَا فِي قَلْبِهِ قَلَقٌوأَغْضَبَتْهُ ومَا فِي لَفْظِهِ قَذَعُ
  9. ٩بِالجَيشِ يَمْتَنِعُ السَّادَاتُ كُلُّهُمُوالجَيشُ بِابْنِ أبِي الهَيجَاءِ يَمتَنِعُ
  10. ١٠قَادَ المَقَانِبَ أقْصَى شُرْبِهَا نَهَلٌعلى الشَّكِيمِ وأدْنَى سَيرِهَا سِرَعُ
  11. ١١لا يَعْتَقِي بَلَدٌ مَسْرَاهُ عَن بَلَدٍكَالمَوتِ لَيسَ لَهُ رِيٌّ ولا شِبَعُ
  12. ١٢حَتَّى أَقَامَ على أرْبَاضِ خَرْشَنَةٍتَشْقَى بِهِ الرُّومُ والصُّلْبَانُ والبِيَعُ
  13. ١٣لِلسَّبْي مَا نَكَحُوا والقَتْلِ مَا ولَدُواوالنَّهْبِ مَا جَمَعُوا، والنَّارِ مَا زَرَعُوا
  14. ١٤مُخْلًى لَهُ المَرْجُ مَنْصُوبًا بِصَارِخَةٍلَهُ المَنَابِرُ مَشْهُودًا بِهَا الجُمَعُ
  15. ١٥يُطَمِّعُ الطَّيرَ فيهِمْ طُولُ أكْلِهِمُحَتَّى تَكَادَُ على أحْيَائِهِمْ تَقَعُ
  16. ١٦ولَو رَآهُ حَوارِيُّوهُمُ لَبَنَواعلى مَحَبَّتِهِ الشَّرْعَ الذي شَرَعُوا
  17. ١٧ذَمَّ الدُّمُسْتُقُ عَينَيهِ وقَدْ طَلَعَتْسُودُ الغَمَامِ فَظَنُّوا أنَّهَا قَزَعُ
  18. ١٨فيهَا الكُمَاةُ التي مَفْطُومُهَا رَجُلٌعلى الجِيَادِ التي حَولِيُّهَا جَذَعُ
  19. ١٩يُذْرِي اللُّقَانَ غُبَارًا في مَنَاخِرِهَاوفِي حَنَاجِرِهَا مِن آلِسٍ جُرَعُ
  20. ٢٠كَأنَّهَا تَتَلَقَّاهُمْ لِتَسْلُكَهُمْفَالطَّعْنُ يَفْتَحُ في الأَجْوافِ مَا يَسَعُ
  21. ٢١تَهْدِي نَواظِرَهَا والحَرْبُ مُظْلِمَةٌمِنَ الأسِنَّةِ نَارٌ والقَنَا شَمَعُ
  22. ٢٢دُونَ السِّهَامِ ودُونَ الفَرِّ طَافِحَةٌعلى نُفُوسِهِمِ المُقْورَّةُ المُزُعُ
  23. ٢٣إذا دَعَا العِلْجُ عِلْجًا حَالَ بَينَهُمَاأظَمَى تُفَارِقُ مِنهُ أُخْتَهَا الضِّلَعُ
  24. ٢٤أجَلُّ مِن ولَدِ الفَقَّاسِ مُنْكَتِفٌإذْ فَاتَهُنَّ وأمْضَى مِنهُ مُنْصَرِعُ
  25. ٢٥ومَا نَجَا مِن شِفَارِ البِيضِ مُنْفَلِتٌنَجَا ومِنهُنَّ في أحْشَائِهِ فَزَعُ
  26. ٢٦يُبَاشِرُ الأمْنَ دَهْرًا وهْو مُخْتَبَلٌويَشْرَبُ الخَمْرَ حَولًا وهو مُمْتَقَعُ
  27. ٢٧كَمْ مِن حُشَاشَةِ بِطْرِيقٍ تَضَمَّنَهَالِلْبَاتِرَاتِ أَمِينٌ مَالَهُ وَرَعُ
  28. ٢٨يُقَاتِلُ الخَطْوَ عَنْهُ حِينَ يَطْلُبُهُويَطْرُدُ النَّومَ عَنْهُ حِينَ يَضْطَجِعُ
  29. ٢٩تَغْدُو المَنَايَا فَلا تَنْفَكُّ واقِفَةًحتى يَقُولَ لَهَا عُودِي فَتَنْدَفِعُ
  30. ٣٠قُلْ لِلدُّمُسْتُقِ: إنَّ المُسْلَمِينَ لَكُمخَانُوا الأمِيرَ فَجَازَاهُمْ بِمَا صَنَعُوا
  31. ٣١وجَدتُمُوهُمْ نِيَامًا في دِمَائِكُمُكَأنَّ قَتْلاكُمُ إيَّاهُمُ فَجَعُوا
  32. ٣٢ضَعْفَى تَعِفُّ الأعَادِي عَن مِثَالِهِمِمِنَ الأعَادِي وإنْ هَمُّوا بِهِمْ نَزَعُوا
  33. ٣٣لا تَحْسِبُوا مَن أَسَرْتُمْ كَانَ ذَا رَمَقٍفَلَيسَ تَأْكُلُ إلَّا المَيِّتَ الضَّبُعُ
  34. ٣٤هَلَّا على عَقَِبِ الوادِي وقَدْ صَعِدَتْأُسْدٌ تَمُرُّ فُرَادَى لَيسَ تَجْتَمِعُ
  35. ٣٥تَشُقُّكُم بِفَتَاهَا كُلُّ سَلْهَبَةٍوالضَّرْبُ يَأخُذُ مِنكُم فَوقَ مَا يَدَعُ
  36. ٣٦وإنَّمَا عَرَضَ اللَّهُ الجُنُودَ بِكُملِكَي يَكُونُوا بِلا فَسْلٍ إذا رَجَعُوا
  37. ٣٧فَكُلُّ غَزْوٍ إلَيكُم بَعْدَ ذَا فَلَهُوكُلُّ غَازٍ لِسَيفِ الدَّولَةِ التَّبَعُ
  38. ٣٨يَمْشِي الكِرَامُ على آثَارِ غَيرِهِمُوأنْتَ تَخْلُقُ مَا تَأتِي وتَبْتَدِعُ
  39. ٣٩وهَلْ يَشِينُكَ أمْرٌ كُنْتَ فَارِسَهُوكَانَ غَيرَكَ فِيهِ العَاجِزُ الضَّرَعُ
  40. ٤٠مَنْ كَانَ فَوقَ مَحَلِّ الشَّمْسِ مَوضِعُهُفَلَيسَ يَرْفَعُهُ شَيء ولا يَضَعُ
  41. ٤١لَمْ يُسْلِمِ الكَرُّ في الأَعْقَابِ مُهْجَتَهُإنْ كَانَ أسْلَمَهُ الأَصْحَابُ والشِّيَعُ
  42. ٤٢لَيتَ المُلُوكَ على الأقْدَارِ مُعْطِيَةٌفَلَمْ يَكُنْ لِدَنِيٍّ عِنْدَهَا طَمَعُ
  43. ٤٣رَضِيتَ مِنهُمْ بِأنْ زُرْتَ الوغَى فَرَأواوأنْ قَرَعْتَ حَبِيكَ البِيضِ فاَسْتَمَعُوا
  44. ٤٤لَقَدْ أبَاحَكَ غِشًّا في مُعَامَلَةٍمَنْ كُنْتَ مِنهُ بِغَيرِ الصِّدْقِ تَنْتَفِعُ
  45. ٤٥الدَّهْرُ مُعْتَذِرٌ، والسَّيفُ مُنْتَظِرٌوأرْضُهُمْ لَكَ مُصْطَافٌ ومُرْتَبَعُ
  46. ٤٦ومَا الجِبَالُ لِنَصْرَانٍ بِحَامِيَةٍولَو تَنَصَّرَ فِيهَا الأعْصَمُ الصَّدَعُ
  47. ٤٧ومَا حَمِدْتُكَ في هَولٍ ثَبَتَّ لَهُحَتَّى بَلَوتُكَ والأبْطَالُ تَمْتَصِعُ
  48. ٤٨فَقَدْ يُظَنُّ شُجَاعًا مَنْ بِهِ خُرُقٌوقَدْ يُظَنُّ جَبَانًا مَن بِهِ زَمَعُ
  49. ٤٩إنَّ السِّلاحَ جَمِيعُ النَّاسِ يَحْمِلُهُولَيسَ كُلَُّ ذَواتِ المِخْلَبِ السَّبُعُ

تعليق أبي الطيب على أبياتها

البيت ٣١: حَدَّثَني أبو الطيِّبِ قالَ: لَمَّا هَزَمَ سيفُ الدَّولَةِ الدُّمُسْتُقَ، وقَتَلَ أصْحابَهُ جَاءَ المُسْلِمونَ إلى القَتْلَى يَتَخَلَّلُونَهُمْ ويَنْظُرُونَ مَنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ قَتَلُوهُ، قالَ: وكانَوا يقولُونَ لهم: رُومِيسُ، رُومِيسُ؛ لِيُوهِمُوهُمْ أنَّهُمْ مِنَ الرُّومِ، فإذا تَحَرَّكَ أحَدُهمْ أجْهَزُوا عليهِ، فَبَينَا هُمْ كذلِكَ أكَبَّ المُشْرِكونَ عليهِمْ؛ لاشتغَالِ سَيفِ الدَّولَةِ عَنْهُمْ. — رواه ابن جنّي

البيت ٣٢: قالَ أبو الطَّيِّبِ: نَزَعَ عن ذَنبِهِ؛ إذا أقْلَعَ.

البيت ٤٢: وَوَاقَفْتُ المتنبيَ وقتَ القِرَاءَةِ على هذا، فقالَ: لا أهْمِزُهُ. فقلتُ: لِمَ ذَاكَ؟. فقالَ: لأنِّي رَأيتُهُم قَدْ اجْتَمَعُوا على ترْكِ الهمْزِ في قولِهِ تعَالَى: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُو أَدْنَى بِالَّذِي هُو خَيرٌ). — رواه ابن جنّي

البيت ٤٦: قالَ أبو الطَّيِّبِ: النَّصْرَانُ: منسوبٌ إلى نَصْرَان، والأُنثَى نَصْرَانَةٌ. قالَ الشَّاعرُ: (... كما سَجَدَتْ نَصْرَانةٌ لَم تَحَنَّفِ). نَصْرَانُ ونَصَارَى، مثل سَكرانٍ وسَكَارى، وقالَ قومٌ: نَصْريَّةٌ ونَصَارى، مثل مَهْريَّةٍ ومَهَارَى.